سلمى الورداني.. فتاة مصرية برتبة ثائرة سودانية

كتب: هبة بطيشة

سلمى الورداني.. فتاة مصرية برتبة ثائرة سودانية

سلمى الورداني.. فتاة مصرية برتبة ثائرة سودانية

فتاة لم تتجاوز من العمر 25 عاما، بساطة ملبسها وابتسامتها العريضة لا توحي لمن يراها بتهديدات ولغة وعيد اضطرت استخدامها لتعود لأهلها، بعد أن تعرضت لتهديدات بالاعتقال في بلد لا تعرف فيها أحدا سوى بعض الأصدقاء. سلمى الورداني، تلك الفتاة التي ارتبط اسمها منذ عدة أيام بثورة السودان، يتفاجأ كل من يعرف أنها لم تفكر يوما أن تكون صحفية، وأنها "جت صدفة". سلمى تخرجت عام 2007 من كلية سياسة واقتصاد لتعمل في مركز أبحاث بجريدة جديدة، "وبعد شوية لم أجد مركز أبحاث ولقيت نفسي صحفية"، هذه التغيرات غير المحسوبة جعلت سلمى تحب الصحافة وتقرر أن تكمل بها. دعوة من إحدى الوكالات الأجنبية للعمل كمراسلة بالسودان، هي التي سمحت لها أن تشهد ثورة السودان عن قرب، سافرت سلمى في ديسمبر الماضي لتدرك جيدا أن هناك "أسوأ" من الواقع المصري، "الأمن والإعلام والحكومة .. كله واحد". عاشت سلمى متحسبة لأي هجوم من تلك القوات الأمنية التي اعتاد عليها المواطنون هناك، فهم حولهم في كل مكان "في الشارع، في البيت، في التليفون، في مطبعة الجورنال، يعني انت متراقب على طول". على الرغم من كل ذلك فإنها كانت تؤدي عملها بلا أي قيود أو تهديدات "يمكن عشان أنا بكتب بالإنجليزي، فكانوا سايبني". "سياسة التقشف" قرار اتخذته الحكومة السودانية، وسمحت للثوار السودانيون أن ينضم لهم الشعب ويحاولوا تحويلها إلى ثورة، وأخيرا أجبر سلمى على خوض تجربة لن تمحى أبدا من ذاكرتها. الخطاب الجمهوري في الجامعات كان أول صور الثورة التي بدأت سلمى بتغطيتها، "هو خطاب الطلبة الثوار بيقولوا للطلاب الآخرين عشان يخلوهم يمشوا معاهم في المظاهرات"، لكن ما نقلها خارج نطاق السور الجامعي هو ذلك التدخل الأمني بغازات مسيلة للدموع يحاوطون الطالبات في الجامعة "عشان كده تواجد النساء بشكل واضح في المظاهرات مش حاجة غريبة". حاول أصدقاء سلمى منعها من النزول لتغطية المظاهرات، لكن شعورها بالواجب تجاههم هو الذي دفعها لاتخاذ قرار النزول "لازم الإعلام يكون جنبهم، الإعلام في مصر كان متنوع لكن هناك كله كان ضدهم عشان الرقابة". مشهد لن تنساه سلمى أبدا وهي جالسة في سيارتها وبجوارها صديقتها ويصوران من داخل السيارة، ثم يأتي رجال أمن "أشداء" يأمروهم بالرجوع للمقاعد الخلفية ويقودون السيارة لمكان لم تعرف سلمى ملامحه، طوال الطريق أدركت سلمى جيدا أنها سوف تلقى مصير الآلاف الذين كتبت عن قصص اعتقالهم وتعذيبهم. وصلت لتجد رجلا يحقق معها ويحاول في كل كلمة أن يوحي لها بأنها سوف ترى مختلف ألوان التعذيب، "قال لي، الشمس دي مش هتشوفيها تاني، وحاجات من النوع ده". ولد رأى سلمى وصديقتها والأمن يلقي القبض عليهم هو الشيء الوحيد الذي أنقذهما من مستقبل لا يعرفاه، دخل الولد على موقع التواصل الاجتماعي (تويتر) وأبلغ الناس والاعلام، فوصلت الأنباء إلى الحكومة المصرية التي تدخلت أخرجتهما من المحبس "سعتها الراجل تعامله اختلف وقالي مفيش أي مشكلة مصر والسودان صحاب واحنا كنا خايفين عليكي من الحجارة تيجي فيكي". عادت سلمى إلى منزلها لكن دون رخصة تغطيتها للأحداث فقد سحبها الأمن منها، لكن هذا لم يستطع أن يكبل تلك الصحفية التي تحكم فيها الضمير الصحفي وأجبرها للنزول مرة أخرى لتغطي الأحداث، لكن هذه المرة تكتبه على (تويتر) لأنه ليس مسموح لها بأن تنشر أي شيء. لم تشعر سلمى باختلاف كبير عن مشهد الثورة المصرية، الهتاف "الشعب يريد إسقاط النظام" و "سلمية"، الرد الحكومي "خطابين يؤكدوا أن هذه عناصر مندسة"، التعامل الأمني "غازات مسيلة للدموع وضرب بالعصى"، إنها بداية الثورة كما تراها سلمى. فعاشت أياما لا تفارقها فيهم مكالمات والدتها لتطمئن عليها وتترجوها أن تعود، ومكالمات أختها التي تؤكد أن ما يمنعها أن تتوجه للسودان لتكون معها هو ابنتها الصغيرة، وكابوس واحد لذلك الولد الذي لم تستطع إنقاذه من أيادي رجال الأمن، "كنت واقفة بتكلم معاه ولما حصل ضرب دخلت العربية وهو دخل في محل يستخبى، بعدها شوفت الشرطة دخلت جبته و 10 ضربوه لوحده وأخدوه". لكن هذه الأيام لم تستمر طويلا فقد استجاب الله لدعوات والدتها ورجعت سلمى مصر عكس رغبتها، فقد حاولت أن تحصل على رخصة تغطيتها للانتخابات فأجابوها قائلين "ممكن نديكي الرخصة بس متغطيش حاجة"، رفضت سلمى لكن رفض الحكومة السودانية كان أقوى فقد دعوها لمقابلة مدير المركز الاإعلامي اليوم المقبل، عندما ذهبت وجدت الأمن مستعد لترحيلها "أخدوني في عربية وساعتها كنت خايفة يعتقلوني تاني لكن الحمدلله، أعطوني فرصة لتجميع متعلقاتي ثم رحّلوني على مصر في نفس اليوم". وصلت سلمى أمس الساعة التاسعة ونصف لتجد أفراد عائلتها في استقبالها وابتسامات عريضة مرسومة على وجوههم تعلن نهاية أيام القلق والكوابيس، بينما اختلف الموقف بالنسبة لسلمى التي رأت أن مهمتها لن تنتهي حتى بعد ترحيلها "أنا على اتصال بناس كتيرة هناك وهفضل أنشر أخبارهم وأساعدهم".