«الكندى» أول من كتب فى الفلسفة

كتب: عبدالوهاب عيسى

«الكندى» أول من كتب فى الفلسفة

«الكندى» أول من كتب فى الفلسفة

كان أبويوسف يعقوب بن إسحاق الكندى (185هـ - 256هـ) أول الفلاسفة المسلمين، واشتهر بجهده الضخم فى تعريف العرب والمسلمين بالفلسفة اليونانية القديمة والهلنستية. عاش فى البصرة فى مطلع حياته ثم انتقل منها إلى بغداد حيث أقبل على العلوم والمعارف لينهل من معينها، وذلك فى فترة ازدهار ثقافى عربى فى عهد المأمون والمعتصم، فقد كان القرن الثالث الهجرى يموج بألوان شتى من المعارف القديمة والحديثة وذلك بتأثير حركة النقل والترجمة، فانكب «الكندى» على الفلسفة والعلوم القديمة حتى أتقنها، وشهد هذا القرن أيضاً جواً مشحوناً بالتوتر العقائدى بسبب مشكلة خلق القرآن وسيطرة مذهب الاعتزال.

ينتسب «الكندى» إلى قبيلة «كندة» القحطانية التى موطنها الأصلى حضرموت، وكان والده والياً على الكوفة حيث تلقى «الكندى» علومه الأولية. ثم انتقل إلى بغداد وأصبح معروفاً فى بيت الحكمة الذى أقامه هارون الرشيد. فعينه «المأمون» على عملية الإشراف على ترجمة الأعمال الفلسفية والعلمية اليونانية والفارسية. كان لهذا الاتصال مع ما كان يسميه علماء المسلمين آنذاك بالعلوم القديمة أعظم الأثر فى النضوج الفكرى للكندى، ثم عينه المأمون مديراً على بيت الحكمة ثم عمل خطاطاً خاصاً لصالح الخليفة المتوكل، وعندما توفى «المأمون» تولى الخلافة من بعده أخوه «المعتصم» الذى أوكل إلى «الكندى» تأديب أبنائه، وقال «الكندى» فى رسالة له إلى «المعتصم»: «إن أعلى الصناعات الإنسانية منزلة، وأشرفها مرتبة، صناعة الفلسفة التى حدها علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان».

{long_qoute_1}

لقد كان «الكندى» عالماً موسوعياً أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات وابتكر العديد من العلوم وأضاف إضافات كبيرة للحضارة الإسلامية، يقول ابن النديم «فاضل دهره وواحد عصره فى معرفة العلوم القديمة بأسرها، ويسمى فيلسوف العرب وكتبه فى علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقى والموسيقى والنجوم» ووفقاً لابن نديم، كتب «الكندى» على الأقل 260 كتاباً، منها اثنان وثلاثون فى الهندسة، و22 كتاباً فى الطب، تحدث فيها عن الغذاء والدواء المهلك والأنجرة المصلحة للجو من الوباء والأدوية المشفية من الروائح المؤذية وعلة نفث الدم وعلة الجذام والشفاء منه وعضة الكَلب والأعراض الحادثة عن البلغم، وعلة موت الفجأة وفى وجع المعدة والنقرس وأقسام الحميات وعلاج الطحال ورسالة فى صنع الأطعمة من غير عناصرها وأخرى فى كيفية الدماغ وثالثة فى السموم ورابعة فى أجساد الحيوان إذا فسدت وغيرها، وله تسعة كتب فى المنطق واثنا عشر كتاباً فى الفيزياء، بينما عدّ ابن أبى أصيبعة كتبه بمائتين وثمانين كتاباً، و5 كتب علم النفس و14 فى السياسة و15 كتاباً فى العلوم الطبيعية و9 فى الأبعاد والمسافات.

وعلى الرغم من أن الكثير من مؤلفاته فقدت، فقد كان للكندى تأثير فى مجالات الفيزياء والرياضيات والطب والفلسفة والموسيقى استمر لعدة قرون، عن طريق الترجمات اللاتينية التى ترجمها جيرارد الكريمونى، وبعض المخطوطات العربية الأخرى، أهمها الأربع وعشرون مخطوطة من أعماله المحفوظة فى مكتبة تركية منذ منتصف القرن العشرين.

ولعب «الكندى» دوراً مهماً فى الرياضيات، حيث أدخل الأرقام الهندية إلى العالم الإسلامى والمسيحى، وباستخدام خبرته الرياضية والطبية، وضع مقياساً يسمح للأطباء بقياس فعالية الدواء، كما أجرى تجارب حول العلاج بالموسيقى.

ألف «الكندى» أعمالاً فى عدد من الموضوعات الرياضية المهمة، بما فيها الهندسة والحساب والأرقام الهندية وتوافق الأرقام والخطوط وضرب الأعداد والأعداد النسبية وحساب الوقت. كما كتب أربعة مجلدات، بعنوان «كتاب فى استعمال الأعداد الهندية»، الذى ساهم بشكل كبير فى نشر النظام الهندى للترقيم فى منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. فى الهندسة، كتب «الكندى» عن مسلمة التوازى، وفى أحد أعماله الرياضية حاول إثبات بفكر الفيلسوف دحض فكرة خلود العالم.

وكان «الكندى» أول من وضع قواعد للموسيقى فى العالم العربى والإسلامى. واقترح إضافة الوتر الخامس إلى العود، وقد وضع الكندى سلماً موسيقياً ما زال يستخدم فى الموسيقى العربية من اثنتى عشرة نغمة، كما أدرك أيضاً التأثير العلاجى للموسيقى، وحاول علاج صبى مشلول شللاً رباعياً بالموسيقى، وللكندى سبع مؤلفات فى الموسيقى، تناول فيها الآلات الموسيقية وضروب العزف عليها والميزان الموسيقى والعلاقة بين الموسيقى والشعر. وهذه المؤلفات محفوظة فى مكتبة المتحف البريطانى، ويعتبر الباحثون أن رسالة «ترتيب النغم» هى أول مؤلف فى الموسيقى يتناول السلم الموسيقى، أى نظام تتابع الدرجات النغمية المعروفة، وله خمس عشرة أطروحة فى نظرية الموسيقى، لم يبق منها سوى خمسة فقط، وهو أول من أدخل كلمة «موسيقى» للغة العربية، ومنها انتقلت إلى الفارسية والتركية، وعدة لغات أخرى فى العالم الإسلامى.

يتحدّث الكندى فى رسائله عن التأثير النفسى للموسيقى وتصنيف الألحان حسب تأثيرها فى النفس إلى ثلاثة صنوف: «اللهوى والطربى والتلذذى والتنعمى، وهى الألحان المطلوبة -الجرأة والنجدة واليأس والإقدام، وهى الألحان الجريئة- للبكاء والحزن والنوح والرقاد، وهى الألحان الشجيّة»، ويرى فى رسائله أنّ للطفولة ألحانها، وللشباب والشيخوخة ألحاناً كذلك، وهناك ألحان فى الصيف والشتاء وألحان للصباح والمساء والليل وهكذا، كما تناول أيضاً الألحان من المنظور الطبى، فبيَّن أنّ الألحان تُؤثر فى الجسم فتساعد على الهضم، متناولاً النغمات والأوتار والإيقاعات ذاكراً ما يُفيد منها أعضاء جسم الإنسان، مُؤكداً تأثيرها على الرُّوح والبدن معاً.

وكان جهد «الكندى» الأكبر فى تطوير الفلسفة الإسلامية، هو محاولته لتقريب الفكر الفلسفى اليونانى، وجعله مقبولاً عند جمهور المسلمين، من خلال عمله فى بيت الحكمة فى بغداد ومن خلال ترجمته للعديد من النصوص الفلسفية المهمة، أدخل «الكندى» الكثير من المفردات الفلسفية إلى اللغة العربية. قطعاً، لولا أعمال الكندى الفلسفية، لما تمكن الفلاسفة المسلمون من التوصل إلى ما توصلوا إليه.

وكانت أول اهتمامات الكندى الرئيسية هو التدليل على التوافق بين الفلسفة والدين. يقول رحمه الله: (فى علم الأشياء بحقائقها: علم الربوبية وعلم الوحدانية وعلم الفضيلة علم كل نافع والسبيل إليه، هو البعد عن كل ضار والاحتراس منه، واقتناء هذه جميعاً هو الذى أتت به الرسل.. فواجب إذاً التمسك بهذه القنية النفيسة عند ذوى الحق وأن نسعى فى طلبها بغاية جهدنا).

فقال «الكندى» إنه يعتقد أن الوحى هو مصدر المعرفة للعقل، لأن مسائل الإيمان المسلم بها لا يمكن استيعابها. كان الكندى الفيلسوف الأول الذى يكتب بالعربية، إلا أنه أدخل بنجاح الفكر الأرسطى والأفلاطونى المحدث إلى الفكر الفلسفى الإسلامى، فكان ذلك عاملاً مهماً فى إدخال تعميم الفلسفة اليونانية إلى الفكر الفلسفى الإسلامى.

تركز فهم الكندى لما وراء الطبيعة حول الوحدانية المطلقة لله، التى اعتبرها سمة مفردة فقط لله. ووصف الله بـ«الخالق»، وقد خالف فى تصوره الفلاسفة الأفلاطونيين المحدثين المسلمين اللاحقين حول كون الله المسبب للأسباب، فهو يرى أن الله المسبب للأسباب لأن كل الأسباب تحدث بإرادته. كان ذلك التصور أمراً مهماً فى مراحل تطور الفلسفة الإسلامية، حيث قرّبت بين تصورات الفلسفة الأرسطية ومفهوم الله عند المسلمين.

ورأى «الكندى» أن النبوة والفلسفة طريقتان مختلفتان للوصول إلى الحقيقة، فالفيلسوف يصل إلى الحقيقة بتفكيره وبصعوبة بالغة، بينما النبى يهديه الله إلى الحقيقة. ويكون فهم النبى للحقيقة أوضح وأشمل من فهم الفيلسوف. ويكون النبى أقدر على شرح الحقيقة للناس العاديين، أفضل من قدرة الفيلسوف. لذا استخلص الكندى أن النبى يتفوق على الفيلسوف فى أمرين السهولة والدقة التى يتوصل بهما للحقيقة، والطريقة التى كان يقدم بها الحقيقة للعوام. ومع ذلك، فكلاهما يسعى لهدف واحد. لذا، يرى الباحثون الغربيون، أن الكندى وضع فوارق بسيطة بين النبوة والفلسفة.

ووضع الكندى لمن بعده الطريق لتعلم الفلسفة والتفلسف، وباتت خطته تلك المرجع لمن بعده من الفلاسفة يقول «سألت... أن أنبئك بكتب أرسطاطاليس اليونانى الذى تفلسف فيها، على عدتها ومراتبها التى لا غنى -لمن أراد نيل الفلسفة واقتناءها وتثبيتها- عنها، وأغراضه فيها بالقول المجمل الوجيز، ولعمرى أن فيما سألت من ذلك لعظيماً من المعينات على درك الفلسفة لما فى تبين ذلك من الزيادة فى تعشيق الفلسفة لذوى الأنفس النيرة المعتدلة الشائمة مخايل مساقط الحق وانتجاع المحيى من الفعل، لما فى كشف ذلك من وضوح السبيل إلى نهاية الشرف العقلى الأثير. لُقِّب «الكندى» بفيلسوف العرب ومؤسِّس الفلسفة العربية الإسلامية كما يعده الكثيرون، ومنهم «كاردانو» الإيطالى من الاثنى عشر عبقرياً الذين ظهروا فى العالم، وللأسف الشديد اندثر الكثير من أعماله الفكرية والفلسفية بعد وفاته، حيث فُقد الكثير منها، ويشير إلى ذلك «فيليكس كلاين» إلى وجود عدة أسباب أدت إلى حدوث ذلك؛ منها تشدُّد «المتوكل» الدينى، وتدمير المغول عدداً لا يحصى من كتب الحضارة الإسلامية عند اجتياحهم بغداد، وإضافةً إلى ما سبق أنّ كتاباته لم تعد تلقى قبولاً بين أشهر الفلاسفة اللاحقين له كالفارابى وابن سينا.


مواضيع متعلقة