«الخوارزمى» مؤسس علم الجبر لتيسير حياة الناس
«الخوارزمى» مؤسس علم الجبر لتيسير حياة الناس
- البيع والشراء
- الحضارة الإنسانية
- الخليفة المأمون
- الدرجة الثانية
- اللغة التركية
- اللغة العربية
- المسلمين الأوائل
- النصف الأول
- ركوب الخيل
- علم الفلك
- البيع والشراء
- الحضارة الإنسانية
- الخليفة المأمون
- الدرجة الثانية
- اللغة التركية
- اللغة العربية
- المسلمين الأوائل
- النصف الأول
- ركوب الخيل
- علم الفلك
ساهم المسلمون بشكل فعّال فى الحضارة الإنسانية، وقدموا العديد من الاختراعات التى أصبحت شموساً مشرقة فى سماء العلم، استفادت منها جميع الحضارات التالية لحضارة المسلمين، فلم يكن التجديد أبداً دينياً فقط على مدار التاريخ وإنما كان علمياً وثقافياً ومعرفياً، وروحياً، بحسب ما يقتضيه الواقع المعيش. وكان من أبرز المجددين على المستوى العلمى أبوعبدالله محمد بن موسى الخوارزمى، أصله من خوارزم، وأسلمت عائلته وانتقلت إلى السكن بقرية قطربل بالقرب من مدينة بغداد.
تعلَّم محمد بن موسى الخوارزمى، المولود سنة 164 هـ، والمتوفى سنة 235 هـ، اللغة العربية والعلوم الدينية على يد واعظ فى مسجد، وتعلَّم اللغة التركية والفارسية على يد أبيه وأمه، وكان يحب ركوب الخيل، ومُهتماً بالخيول، ومُهتماً بالمسافات والأشكال الهندسية الرياضية. فسأله الواعظ: «ألا تفكر يا محمد فى شىء غير ركوب الخيل والمسابقات؟»، فقال له: «أفكر دائماً فى المسافات والأشكال الهندسية والرياضيات»، فقال له الواعظ: «أنصحك بالذهاب إلى بغداد ولسوف أقنع والدك».
{long_qoute_1}
واستطاع الواعظ إقناع الأب، فخرج محمد من قطربل إلى بغداد، وقضى هناك عامين يدرس الرياضيات، وتزوج وحصل على الإجازة العلمية فى علوم الرياضيات ولُقب أيضاً بلقب الخوارزمى؛ لأن أصله من خوارزم.
وهيَّأ ذكاء محمد بن موسى الخوارزمى له الفرصة للاتصال بالعديد من الخلفاء العباسيين، حيث عاش فى القرن الثالث الهجرى، وكان أولهم الخليفة هارون الرشيد الذى ضمه إلى علماء الرياضيات فى مكتبة بيت الحكمة لإعجابه بذكائه وحدّة فهمه وقدراته فى الحساب، وكان الرشيد مولعاً بالكتب والعلم والتعلم، حتى إنه كان يفدى الأسرى بالكتب بدلاً من الذهب والفضة، وحدث أن هارون الرشيد انتصر على الدولة الرومانية البيزنطية فى آسيا الصغرى وأسر الكثير من الأسرى، فأراد الإمبراطور البيزنطى فداء أسراه بالذهب والفضة، فأبى هارون الرشيد ذلك وطلب منه أن يأتى له بالكتب اليونانية التى توجد فى مكتبته لفداء أسراه، فاستغرب الإمبراطور البيزنطى وقَبل بذلك، فأرسل هارون الرشيد النُسَّاخ -الذين ينسخون الكتب- وعكفوا على نسخها ثلاث سنين وعادوا بها إلى بغداد، وكان من بين الكتب كتب فى الرياضيات، فعكف المترجمون على ترجمتها، فوكَّل الخليفة هارون الرشيد محمد الخوارزمى مُشرفاً على ترجمة كتب الرياضيات، كما يقول الباحث حمزة العمايرة، فتحمس الخوارزمى لذلك وعكف على ترجمتها ليل نهار، ومن شدة حماسته تعلَّم اللغة اليونانية حتى أتقنها، وبعد ترجمتها رتَّبها فى مكتبة بيت الحكمة.
وكان المأمون الذى تولى بعد أبيه الرشيد أشد حباً للعلم وكان محباً للخوارزمى، وقام بتعيينه أميناً لخزانة الكتب بمكتبة القصر، وشكا المأمون للخوارزمى من تشتت علم الجبر وعدم جمعه وتوضيح قواعده، الأمر الذى أدى لتعثر حياة الناس والكثير من الأزمات، خاصة فى توزيع المواريث الشرعية، فعقد الخوارزمى النية، وبدأ بتأليف كتاب فى الجبر، فجمع فيه كل ما تفرّق من الجبر من شتى الكتب وشرح ما فيه، فعكف سنوات على ذلك حتى أنجزه وسماه كتاب «الجبر والمقابلة»، فخلَّد هذا الكتاب الخوارزمى بعد موته، ونُسب إليه علم الجبر، وقد بيَّن الخوارزمى فى مقدمة كتابه «الجبر والمقابلة» أن الخليفة المأمون هو الذى طلب منه أن يؤلف كتاب الجبر والمقابلة كى يسهل الانتفاع به فى كل ما يحتاج إليه الناس، وقد قال رحمه الله فى مقدمة كتاب «الجبر والمقابلة»: «وقد شجّعنا ما فضّل الله به الإمام المأمون أمير المؤمنين مع الخلافة التى حاز له إرثها وأكرمه بلباسها وحلاه بزينتها، من الرغبة فى الأدب وتقريب أهله وإدنائهم وبسط كنفه لهم، ومعونته إياهم على إيضاح ما كان مشتبهاً وتسهيل ما كان مستوعراً، على أنى ألَّفتُ من كتاب الجبر والمقابلة كتاباً مختصراً، حاصراً للطيف الحساب وجليله، لما يلزم الناس من الحاجة إليه فى مواريثهم ووصاياهم، وفى مقاسماتهم وأحكامهم وتجاراتهم، وفى جميع ما يتعاملون به بينهم من مساحة الأراضى وكرى الأنهار والهندسة، وغير ذلك من وجوهه وفنونه، مقدماً لحسن النية فيه، راجياً لأن يُنزله أهل الأدب بفضل ما استُودعوا من نعم الله تبارك وتعالى وجليل آلائه وجميل بلائه عندهم منزلتَه، وبالله توفيقى فى هذا وغيره، عليه توكلت وهو رب العرش العظيم».
كان أول إنجازات الخوارزمى العلمية كتاب «المختصر فى حساب الجبر والمقابلة»، وهو كتاب رياضى تُرجم إلى اللاتينية تحت اسم Liber algebrae et almucabala بواسطة روبرت تشستر (سيغوفيا، 1145)، وأيضاً ترجمه جيرارد أوف كريمونا. وتوجد نسخة عربية فريدة محفوظة فى أوكسفورد تُرجمت عام 1831 بواسطة إف روزين. وتوجد ترجمة لاتينية محفوظة فى كامبريدج.
وهو يُعتبر النص التأسيسى للجبر الحديث. فهو قدم بياناً شاملاً لحل المعادلات متعددة الحدود حتى الدرجة الثانية، ويعالج كتاب الجبر والمقابلة المعاملات التى تجرى بين الناس كالبيع والشراء، وصرافة الدراهم، والتأجير، ومسائل الوصاية والميراث، كما يتضمن الأمور المتعلقة بمسح الأرض، فيُحدد وحدة القياس، ويقيس مساحة بعض السطوح، ومساحة الدائرة، كما يبحث فى أعمال مسح الأرض، فيعيّن وحدة القياس، ويقوم بأعمال تطبيقية تتناول مساحة بعض السطوح، ومساحة الدائرة، ومساحة قطعة الدائرة، وقد عيّن لذلك قيمة النسبة التقريبية، وتوصّل أيضاً إلى حساب بعض الأجسام، كالهرم الثلاثى، والهرم الرباعى والمخروط، ويُعد كتاب «الجبر والمقابلة» الأول من نوعه.
وكان الإنجاز الثانى للخوارزمى الفصل بين علمى الحساب والجبر، وقام بمعالجة موضوعات الجبر مستقلة عن نظرية الأعداد وموضوعات الحساب أيضاً، بطريقة علمية منطقية، وابتكر مفهوم الخوارزمية فى علم الحاسوب والرياضيات، وأنجز العديد من الأعمال فى مجال الجبر، والمثلثات، والرياضيات، والجغرافيا، ورسم الخرائط، وأدت أعماله المنطقية فى حل معادلات من الدرجة الثانية إلى ظهور علم الجبر، ومن مؤلفاته أيضاً: الزيج الأول، والزيج الثانى، والعمل بالإسطرلاب، والمزولات.
إضافة إلى إسهاماته الكبرى فى الحساب، أبدع الخوارزمى فى علم الفلك، وأتى ببحوث جديدة فى المثلثات، ووضع جداول فلكية (زيحا). وقد كان لهذا الزيج الأثر الكبير على الجداول الأخرى التى وضعها العرب فيما بعد، إذ استعانوا به واعتمدوا عليه وأخذوا منه. ومن أهم إسهامات الخوارزمى العلمية التحسينات التى أدخلها على جغرافية بطليموس، سواء بالنسبة للنص أو الخرائط. صحح الخوارزمى أبحاث العالم الإغريقى بطليموس Ptolemy فى الجغرافيا، معتمداً على أبحاثه الخاصة. كما أنه قد أشرف على عمل 70 جغرافياً لإنجاز أول خريطة للعالم المعروف آنذاك.
وقد ميَّز جورج سارتون النصف الأول من القرن التاسع الميلادى بعصر الخوارزمى فى كتابه «مقدمة من تاريخ العلوم» لأن الخوارزمى كان أعظم رياضى فى ذلك العصر، كما يقول سارتون، ويستطرد قائلاً: «وإذا أخذنا جميع الحالات بعين الاعتبار فإن الخوارزمى أحد أعظم الرياضيين فى كل العصور»، وقال الدكتور «ديفيد بوجين سمث»، و«لويس شارلز كاربينسكى» فى كتابهما «الأعداد الهندية والعربية»: بأن «الخوارزمى هو الأستاذ الكبير فى عصر بغداد الذهبى، إذ إنه أحد الكُتّاب المسلمين الأوائل الذين جمعوا الرياضيات الكلاسيكية من الشرق والغرب، مُحتفظين بها حتى استفادت منها أوروبا المتيقظة آنذاك، إن لهذا الرجل معرفة كبيرة ويدين له العالم بمعرفتنا الحالية لعلمَى الجبر والحساب».