«القعيد»: كنا نذهب لدوار العمدة للاستماع إلى الراديو من وراء الجدار

كتب: إلهام زيدان

«القعيد»: كنا نذهب لدوار العمدة للاستماع إلى الراديو من وراء الجدار

«القعيد»: كنا نذهب لدوار العمدة للاستماع إلى الراديو من وراء الجدار

«رمضان هو ابن القرى وليس ابن المدن» عبارة يبدأ بها الكاتب الكبير يوسف القعيد حديثه عن شهر رمضان، يسترجع «القعيد» المولود فى قرية الضهرية التابعة لمركز إيتاى البارود بمحافظة البحيرة فى عام 1944، ذكرياته قائلاً: «رمضان فى القرية له وجود حقيقى، بعيداً عن ضجيج وزحام المدينة»، يضيف: «رأيت رمضان الأول فى القرية، وصُمت فى القرية وكان عمرى 9 سنوات»، يتذكر «القعيد» مسحراتى قريته بالطبلة الكبيرة، ورنتها المميزة التى تصل إلى جميع بيوت القرية، حتى أطرافها، بخلاف الطبلة الصغيرة التى يمسكها مسحراتى المدينة، التى يقول القعيد إن صوتها لا يصل إلى أحد: «كنا جميعاً كأطفال نسير وراء المسحراتى حاملين فوانيس رمضان، ونصحبه خلال جولته من أول البلد إلى آخرها».

{long_qoute_1}

هذا عن الليل، أما النهار، فيقول القعيد: «المسجد كان ملاذى الأساسى كطفل فى نهار رمضان، حيث كان يسمح بالنوم فى المساجد فى هذه الأيام، كنا كصبيان نشارك الرجال فى قضاء نهار شهر رمضان بين الصلاة والنوم فى المسجد، انتظاراً لميعاد أذان المغرب، فلم يكن هناك راديو فى البداية ولا مدفع إفطار، والأخير لم أعرفه إلا عندما جئت إلى المدينة»، يرسم القعيد صورة كاملة لما كان يشاهده طفلاً: «يستعد المؤذن بالوقوف على مئذنة الجامع، يداعب الهواء جلبابه ننتظر أن يرفع الشهادة حتى نفطر»، ينتقل بالحديث عن عادات قريته: «كان لبلدتنا عادة جميلة حيث كان هناك تنسيق تلقائى بين أصحاب البيوت من جهات البلد الأربع الشمالية والجنوبية والشرقية والغربية على استضافة أول ضيف أو غريب يمر من كل جهة لإطعامه بصرف النظر عن ديانته.

ولأن الراديو لم يكن قد انتشر انتشاراً كبيراً فى أربعينات وخمسينات القرن الماضى داخل الضهرية، فقد كان الجميع يذهبون إلى دوار العمدة للاستماع إليه من وراء الجدار، ويتذكر القعيد أن الراديو كان يقدم وقتها فوازير المذيعة آمال فهمى، وألف ليلة وليلة بالصوت المميز للفنانة زوزو نبيل التى تقوم بدور شهرزاد، إضافة إلى ما تقدمه الإذاعة من تواشيح وقرآن وفقرات دينية، أشياء جميلة يقول القعيد إنها كانت تأتى مع رمضان وتذهب بانتهاء الشهر الكريم، إلى أن دخل الراديو بيتهم مع تطور الأيام ودخول الكهرباء إلى البلد» وتمر الأيام ويغادر «القعيد» قريته لأول مرة إلى دمنهور من أجل إكمال التعليم فى عام 1958: «وجدت المدينة ليست بالمكان الجميل، بل صادماً، وطوال حياة الوالد والوالدة كنت أتردد على القرية مرة كل أسبوع، وأنا شديد الإيمان بأن القرى خلقها الله لكن المدن بناها البشر، ولنعرف الفرق، فما زلت حتى الآن أحلم بيوم أرجع فيه إلى القرية».

{long_qoute_2}

كان استقرار «القعيد» بشكل نهائى فى المدينة عندما تم تجنيده فى القوات المسلحة فى 1964، ليصوم شهر رمضان فى المدينة: «رمضان غريب فى المدينة، المدفع بدل الأذان، طبلة المسحراتى صغيرة لا تكاد تصل إلى أحد، ولولا وحشة وخلو الشوارع من الناس لحظة الإفطار لكان رمضان فى المدينة يوماً عادياً جداً ليس فيه ما يميزه سوى تكالب الناس على الأسواق وشراء السلع الغذائية».

بعدما تعرف «القعيد» على الأستاذ الكبير نجيب محفوظ، فى نهاية ستينات القرن الماضى، كان يحرص على اللقاء الأسبوعى معه ضمن مجموعة من المثقفين بعد الإفطار خلال الشهر الكريم فى الحسين، غير أنه يعود ليقول إنه لا يستمتع بالجلوس فى الحسين فى رمضان من شدة الزحام، الذى يبدو كما لو كان فولكلوراً، أو طقساً من طقوس رمضان.

وعن طقس تناول الإفطار مع نجيب محفوظ والأصدقاء يقول القعيد: كنا نلتقى مرة واحدة فى الشهر لنتناول الإفطار مع نجيب محفوظ وبعض الأصدقاء، فنتوافق على ميعاد ومكان اللقاء حسب ظروف المجموعة، جمال الغيطانى محمد البساطى، إبراهيم أصلان، توفيق صالح، وغيرهم من أبناء الجيل من الكتاب والصحفيين والشعراء، وأى أحد من الممكن أن ينضم إلى جلستنا المفتوحة بشكل فيه كثير من العفوية التى تفرضها ظروف شهر رمضان، فلو اتفقنا على تناول الإفطار فى الحسين كنا نأكل فى الإفطار كباب وكفتة، ولو كنا فى قهوة ريش نختار من القائمة الخاصة بهم، وفى العموم كنا نأكل حسب المكان الذى نستقر عليه، ثم نجلس على المقهى نشرب الشاى ونتبادل الأحاديث، وقد استمرت لقاءاتنا بنجيب محفوظ إلى أن ألم به المرض فكنا نزوره فى المستشفى».

أما الآن فيذهب «القعيد» لقضاء يوم واحد من شهر رمضان فى البلدة الأم، ويكون أول يوم فى رمضان أو ليلة القدر: «لم يبق فى قريتى شىء من زمان، تغير البيت ورحل الوالد والوالدة ومعظم الأشقاء، فأزور البلد زيارة طقسية، لأزور مقابر الراحلين، وأقرأ الفاتحة على أرواحهم وأخرج الصدقات، وأتناول الإفطار مع أحد أشقائى الموجودين فى البلد».

وفى القاهرة يتحدث «القعيد» بمرارة عن الرفاق القدامى: «أصدقائى رحلوا، درجة أنى أشعر أحياناً أنى عشت أكثر مما ينبغى، فلم يبق إلا الوحشة والفراغ، فلا جلسات كما كانت من قبل إلا مع بعض المعارف، وهى جلسات بالصدفة غير مرتبة ولم تحدث هذا العام من بداية الشهر إلى الآن، وفى معظم الأيام أتناول الإفطار مع ابنتى رباب وحفيدتى أمينة فى المعادى كل يوم ما دامت ظروفنا تسمح».


مواضيع متعلقة