العقدة.. الرجل «المركزى»

كتب: دارين فرغلى

العقدة.. الرجل «المركزى»

العقدة.. الرجل «المركزى»

هو المحافظ الوحيد الذى يحفظ المصريون اسمه جيدا، اسمه منقوش داخل جيوبهم، العملة التى لا تمهر بتوقيعه مزيفة، إمضاؤه يمثل صك صلاحية العملة المصرية منذ توليه رئاسة البنك المركزى فى 2003. قصة تولى الدكتور فاروق العقدة هذا المنصب تعود بنا إلى اليوم الذى تعرف فيه الرجل على جمال مبارك، نجل الرئيس المخلوع، فى بنك «أوف نيويورك»، قيل وقتها إن «العقدة» تبنى «الوريث» مصرفياً، رابطة المال أقوى من الدم، لم ينكر جمال أفضاله عليه، قدمه لأبيه مثنيا مطريا، فكافأه بالمنصب الفريد، وصار مذ ذاك الوقت خازنا على أموال الدولة بأمر مبارك الأب ومباركة الابن. وبعدما حمل مفاتيح «أموال مصر» قرر تعيين جمال مبارك عضوا بالبنك العربى الأفريقى ممثلا عن البنك المركزى، لتبدأ لعبة المنافع المتبادلة، وبسؤال الجنزورى، الذى كان رئيسا للوزراء آنذاك، حول هذه القضية، ألقى بالكرة فى ملعب «العقدة» ولم ينسَ أن يؤكد أن «محافظ البنك المركزى هو المسئول عن تلك الترشيحات». وفى أعقاب ثورة يناير، بدأ التنقيب عن الأموال المنهوبة فى عهد مبارك، فما لبثت أن ارتفعت الأصوات المطالبة بإقالة «العقدة» بوصفه رفيق درب جمال مبارك، ومن الوارد جداً أن يرد له الجميل ويساعده وآخرين على تهريب ثرواتهم إلى الخارج، إلا أن المشير طنطاوى فاجأ الجميع بقرار التجديد لصديق «جيمى» 4 سنوات، على أن تتم محاسبته ماليا كنائب لرئيس الوزراء، ليصبح بذلك أول محافظ للبنك المركزى يتم التجديد له ثلاث مرات متتالية. الخبرات التى يتمتع بها الرجل ليست بالقليلة؛ فقد حصل على دكتوراه الفلسفة فى الاقتصاد من جامعة بنسلفانيا، كما عمل لعدة سنوات فى البنك الدولى، وحصل على لقب «المحافظ العربى» بترشيح من 21 قيادة مصرفية عربية، علاوة على اختياره أفضل محافظ مصرفى لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2011. لم يلبث الرجل أن التقط أنفاسه بعد انتهاء عاصفة اتهام البنك المركزى بإخفاء أرصدة لمبارك تقدَّر بنحو 55 مليون جنيه، حتى وجد نفسه أمام إعصار جديد أعاده إلى إشكالية علاقته بجمال مبارك، بعدما حذر مدير عام المراجعة الداخلية فى البنك المركزى المصرى من انهيار اقتصادى، وطالب بسرعة وقف نزيف «تهريب الاحتياطى النقدى من العملة الأجنبية»، وقال: انتبهوا لاقتصاد مصر؛ فعصابة النظام القديم تعاقب الشعب وتحوِّل الأموال إلى الخارج بمساعدة «عصابة» جمال مبارك البنكية، لكن محافظ البنك المركزى نفى الواقعة تماما وخرج على وسائل الإعلام مستنكرا ومنددا بتلك التصريحات التى تنال من نزاهته شخصيا. اختفى «العقدة» قليلا عن الأضواء، إلا عن بعض أخبار تصدر هنا وهناك عن معدل النمو الاقتصادى وعن السياسات البنكية وعن الاحتياطى النقدى، ثم عاد اسمه من جديد ضمن الأسماء المرشحة لتولى حكومة «مرسى»، لكن الرجل فضَّل البقاء بعيدا، ورفض تولى المهمة خلفا للجنزورى؛ فهو يعلم يقينا أن اعتلاءه هذا الكرسى سيعود به إلى ماضٍ يحاول الهروب منه، ليكون بذلك أول محافظ يرفض أن يتولى منصب رئيس للحكومة.