تبدو الشمس فى الأفق، كأنها توضح ألوان العلم، تكسب ما تشاء حمرة دم الشهداء، وتمنح الأبيض روح السلمية، وتسبغ على الأسود لون الصمود، يستقر النسر كدمغة على نضال شعب يأبى القيد، ويحلم بالحرية، يبدو متطلعاً بذهول إلى عجوز نحيف أسمر، بلون طمى الأرض، نشيط بسرعة النيل، حالم بحجم السماء، يتسلق نخلة شاهقة الطول، مكابداً صهد الحر وتقدم العمر وسطح النخلة الأملس، لا يكتفى بأن يقتطع الجريد أو يحصد البلح الذى تم نضجه، ليبيعهما فى السوق، لكنه يثبت ملصقاً بأعلى نقطة فى النخلة من أربعة حروف: «ارحل». كلمة هتف بها ملايين الشباب فى الميادين، يصر الفلاح العجوز أن تستقر فى النخلة، النخل ثابت فى الأرض لا يتحرك، قد تكون هذه النخلة حضرت أحداثاً جساماً، عمرها أطول من عمر متسلقها الذى يقبض فى اليد اليسرى علم الوطن، وفى اليمنى حبلاً يمسك جسده عن الوقوع، العمل وحب الوطن، رسالة الفلاح الذى قضى عمره بين الأرض يزرع ويروى، لا يشغله من السياسة إلا كيف يقيم أوده، ويطعم الصغار الجائعين. مر بالفلاح حروب ورؤساء، كان أجيراً يضرب فى الأرض بالسياط، وبات مالكاً لقطعة صغيرة يغرسها بنفسه، شعر فى الآونة الأخيرة أن الحصار يضيق عليه، رزقه فى خطر، والنخلة قد تموت من خطر التصحر أو إهماله لاضطراب المزاج لما يحدث فى البلاد، أراد أن يبعث فى نفسه، قبل أرضه، آيات الاطمئنان، رغب فى الالتصاق بالشمس والنخلة والعلم، لعل قلبه يبرد بعودة الوطن، بتنفيذ الوصية المعلقة على جسم النخلة: «ارحل».