كانت السيارة «الجيب» المملوكة للنظام الخاص، صيداً ثميناً حين وقعت بالصدفة فى أيدى أجهزة الأمن عام 48، إذ كانت الخزينة المليئة بكنز الأسرار، التى كشفت عن وحدة التخابر فى النظام الخاص.
وفى الصفحة 1940 من ملف التحقيقات فى هذه القضية التى حملت اسم السيارة نفسها، وعُرفت باسم «قضية الجيب» ورد تقرير فريد من نوعه أثبتته النيابة فى محضر الاطلاع برقم 19 وحرّره الأخ رقم «55». وجاء بالتقرير أن «أحد الإخوان لم يعد يُبالى بالدعوة، وصار يجاهر بذلك، ويتعاطى الخمر والمخدرات فى مجالسه، ويسعى وراء مطربة (ذكر اسمها) يجتمع بها وأصدقائها فى بيت الفنانين، بدرب اللبانة بالمنشية، ثم غيّروا المكان، لأنه صار وكراً شيوعياً ومراقباً من البوليس وأن الحفلات صارت تقام فى منازل الأصدقاء، وأن صديقاً له سهّل الاتصال له بشقيقة المطربة المذكورة، وتعرّف بفتاة إسرائيلية فى السادسة عشرة من عمرها».
وفى صفحة 2823، سُئل الأخ فأجاب بأنه يعرف المطربة ويعرف أختها، كما يعرف الصديق المذكور «مما يُزكى التقرير»، لكنه نفى تعاطى المخدرات وتعرّفه بالفتاة الإسرائيلية، كما نفى معرفته بكاتب التقرير. وفى كتابه «تجربتى مع الإخوان» يذكر السيد عبدالستار المليجى القيادى المنشق عن الجماعة، عدة مواقف حدثت معه، قائلاً: «فور خروجى من سجن طرة عام 1998، وقبل مُضى عشرة أيام على خروجى، جاءتنى دعوة من شركة صناعية لأعمل معها مستشاراً علمياً، وأكون ضمن وفدها المسافر إلى معرض دولى صناعى بألمانيا، وهناك التقيت مع بعض معارفى من الإخوان، وحمّلتهم السلام إلى الدكتور كمال الهلباوى، كبير الإخوان بلندن، وما إن بلغه سلامى حتى هاتفنى، والمرسال عنده، وتكلم معى طويلاً مواسياً على فترة الحبس، وشارحاً لى بعض مضايقات إخوانه له فى الغربة، وعندما عُدت من رحلتى كتبت رسالة عادية وفكاهية إلى الأستاذ محمد عاكف، حيث كان لا يزال فى السجن -إلى هنا والأمور عادية- ولكن بعد أيام طلبنى الحاج مصطفى مشهور لأزوره، وزرته بالفعل، وفاجأنى وهو يقول: صحيح أنت أرسلت رسالة لإخوانك المساجين، فقلت وكل علامات الاستغراب على وجهى: «نعم، وإيه العيب فى كده؟»، استطردت: «الرسالة عادية جداً ومرسلة للأستاذ عاكف وهو تنظيمياً المسئول عن السجن فى هذه المرحلة»، غير أنه رحمة الله عليه، لم يكن يتحمّل أى شىء يمر دون علمه وبموافقته حتى خطابات الود بين الإخوان، فتحاور معى بشأن ما ورد فى الرسالة، وكان من غير الراضين عن توصيف وضع الأستاذ الهلباوى، وأبدى رغبته فى أن أتوقف عن الكتابة للإخوان بالسجن.
والسؤال هو: من أبلغ «مشهور» بخطاب «المليجى» إلى «عاكف»؟ والإجابة واضحة: إما «عاكف» نفسه وإما جواسيس آخرون.
ويتطرق «المليجى» إلى موقف آخر متعلق بالشيخ عبدالمنعم تعيلب، من قيادات الإخوان، وترجع معرفتى به من عام 1985 وما بعدها، فى وقتها كان الشيخ يعيش فى مكة كواحد من الإخوان الهاربين إلى السعودية، أما أنا فكنت أصحب فوجاً كل عام من أعضاء هيئة التدريس لأداء فريضة العمرة، كنا نستأجر بيتاً واسعاً مناسباً للمعتمرين، ونعقد حلقات منزلية لتدريس المفاهيم الإخوانية التى نرغب فى تزويد المعتمرين بها، وحتى يبدو الأمر عادياً كنا نستضيف علماء مصريين مقيمين هناك، ومنهم سيد سابق وعبدالمنعم تعيلب. هنا فى القاهرة عام 1998 وعقب انتهاء فترة حبسى علمت أن التنظيم السرى استدعى الرجل بعد غياب 50 سنة هارباً فى السعودية ليعيّنه مسئولاً عن حى شرق القاهرة فى التنظيم السرى، وهو ما اعتبرته من جانبى انقلاباً على نتائج انتخابات 1994، وأما الواقعة فتتلخص فى مكالمته لى لزيارته فى بيته، وعندما زرته فى بيته إذ به يقول لى: «الكلام اللى سمعت إنك تتداوله مع زوارك من الإخوان من شأنه أن يعرّضك لمتاعب داخل الجماعة»، قلت له: «كلام إيه؟ ومن بلغك؟»، فقال: «مش مهم مين بلغنى، المهم الكلام»، وخرجت غاضباً ولم أره من يومها. ويبقى السؤال: من أبلغ الشيخ بحوار جرى مع عدد من الإخوان فى بيتى؟
ويتولى «المليجى» الإجابة: إنهم الجواسيس.