مع دقات التاسعة صباح الخامس من رمضان اندفع ياسر إلى داخل مبنى مجمع التحرير، قابضاً بيديه على «ملف» متكدس بالأوراق والمستخرجات الرسمية التى نجح فى استخراجها تمهيداً للحصول على الجنسية المصرية، وسط زحام الصاعدين والهابطين على الدرج، قصد ياسر ربحى، ذو الأصول الفلسطينية، إدارة الجوازات والهجرة والجنسية، ألقى بنفسه بين جموع المنتظرين على أحد الكراسى برتقالية اللون وانتظر دوره فى الدخول.
امتعض ياسر، ثلاثينى العمر، بعد ساعات من جلوسه عندما عرف أن إحدى الموظفات أخطأت فى إحضار ملفه. «اسمى ياسر ربحى، وقلت اسمى كذا مرة والموظفة دخلت جابت ملف واحد تانى، كل التشابه بين اسمى واسمه هو إن اسمنا الأول ياسر، والمشكلة إن خطأ زى ده من موظف إحنا اللى بنتحمله» يقول ياسر.
حضر محمد سليمان، ذو الأصول الفلسطينية، فى صباح نفس اليوم من الزقازيق بمحافظة الشرقية لإنهاء أوراق حصوله على الجنسية المصرية. يقول سليمان: «الموظفين فى رمضان خلقهم بيبقى ضيق، وصبرهم قليل وماعندهمش استعداد ينهوا الأوراق بسرعة، وبالتالى مفيش قدامنا غير إننا نستنى ونصبر، لكن الأزمة لو حصلت أى غلطة فى الأوراق أو ورقة سقطت سهواً منى أو ضاعت من الملف بتبقى كارثة بجد، لأنى النهارده مثلاً علشان أخلص ورقى من مجمع التحرير قفلت الكوافير اللى أنا فاتحه فى الزقازيق وجيت القاهرة من الساعة 9 الصبح، ربنا يستر واليوم مايضيعش خصوصاً إن يوم العمل خلاص على وشك الانتهاء».
أمام طابور طويل وقف «محمود» شاب عشرينى مردداً: «حسبى الله ونعم الوكيل، اللهم إنى صائم، مش المجمع المفروض المقر الرئيسى؟ ليه مش عايزين يخلصولى ورقى؟ ده الواحد صايم وخلصان ومش قادر يروح وييجى»، مشكلة الشاب المتضجر أنه يعمل فى منطقة وسط البلد، بينما يسكن فى «طرة البلد»، وصل محمود، الشاب العشرينى، إلى مكتب الجوازات والهجرة فى مبنى مجمع التحرير، الذى لا يبعد كثيراً عن محل عمله، بعدما استأذن من صاحب المحل الذى يعمل فيه وحصل على إذن منه بساعتين «بالعافية» كما يقول محمود لينهى أوراقه ويعود إلى العمل ثانياً. عندما استفسر محمود عن الأوراق المطلوبة ليتأكد أنه استوفاها كلها سأله أحد السعاة عن محل إقامته وفقاً لبطاقة الرقم القومى، وعندما علم أن «محمود» من سكان طرة أبلغه أن طرة لا تتبع مجمع التحرير وإنما تتبع دائرة أخرى فغضب محمود.
يتدفق المواطنون إلى مجمع التحرير يومياً فى رمضان دون اختلاف عن بقية أيام السنة، الزحام هو ذاته، غير أن الإنهاك الذى يبدو على الوجوه الشاحبة والشفاه اليابسة الجافة هو الدليل الأول على أنك فى أيام الصيام. الحاجة «أم طارق» قصدت مجمع التحرير لاستلام جوازات السفر الخاصة بها وبابنتيها من مكتب الجوازات فى مجمع التحرير، كانت السيدة قد أنهت أوراق جوازات السفر الخاصة بها وبابنتيها قبل أيام من شهر رمضان، وبحسب كلام السيدة الستينية المتلفحة بالسواد فإن «الصخب» داخل مجمع التحرير أكثر فى الأيام التى سبقت رمضان، أما الآن فقد خفّ الصخب. تقول «أم طارق»: الناس مهدودة من الصيام وعايزين يخلصوا ورقهم ويرتاحوا، يعنى قبل رمضان الناس كانوا بيزعقوا ويردوا على الموظف لو أخّر ورقهم أو قال لهم فيه ورق ناقص أو كده». تتابع السيدة العجوز: «دلوقتى الناس عاملة زى حتة العجينة اللى بتتشكل فى إيد الموظف، وإيدهم بتبقى على قلبهم أحسن ورقهم يترفض، والله أنا لولا إنه لازم أحضر بنفسى علشان الورق يخلص ما كنت جيت».
طوابير مرتصة أمام نوافذ مُرقمة مكتوب على بعضها «تسليم طلبات» وعلى بعضها «خزينة» وبعضها «تصوير».. طوابير مرهونة بعقرب الساعات الذى يعلن انتهاء موعد العمل فى نهار رمضان عندما يلامس الثانية ظهراً، ما يعنى أن كل من لم يحالفه الحظ بالوصول إلى الشباك قبل تمام الثانية، موعد انتهاء العمل، عليه أن يعود فى يوم تالٍ لتسليم أوراقه. غير أن انصراف من لم يسلموا أوراقهم لا يكون سهلاً، فمثلاً انفعل عماد ناصر، شاب ثلاثينى ذو لحية خفيفة، عندما قال له موظف الشباك «خلاص يا أساتذة هنكتفى بعد إذنكم بالورق اللى معانا علشان الساعة داخلة على 2، وبكرة إن شاء الله تعالوا بدرى».
لم يتمالك ناصر نفسه وحاول الدخول لضابط الشرطة المسئول عن طلبات الحصول على جوازات السفر، ولكن دون جدوى، جلس ناصر لدقيقتين على الكرسى المقابل لشباك تلقى الطلبات ثم حاول مجدداً إقناع الموظف المختص بتسلم أوراقه مذيّلاً كلامه بعبارة «كل سنة وانت طيب ورمضان كريم»، ولكن باءت كل محاولات ناصر بالفشل فاضطر للرحيل على أن يأتى فى صباح اليوم التالى مبكراً.