ضحايا «الموجة الأولى»: ضحكوا علينا.. ومكافأة نهاية الخدمة «راحت هباءً»

كتب: أحمد عصر

ضحايا «الموجة الأولى»: ضحكوا علينا.. ومكافأة نهاية الخدمة «راحت هباءً»

ضحايا «الموجة الأولى»: ضحكوا علينا.. ومكافأة نهاية الخدمة «راحت هباءً»

أعوام طويلة قضاها هؤلاء العمال داخل جدران الشركات والمصانع التى كانوا يعملون بها، دفعوا بأيديهم عجلة الإنتاج للأمام، وتقدم بهم العمر عاماً بعد عام، ولم يكن فى مخيلتهم أن تكون لهم حياة أخرى غير هذه الحياة، إلى أن وصل إلى آذانهم مصطلح «الخصخصة»، الذى كان يصاحبه بصورة دائمة إغراءات عدة للعمال حتى يرتضوا بالإحالة إلى «المعاش المبكر»، وهو النظام الذى لا يطبق إلا بموافقة العامل عليه، إلا أن الظروف المختلفة أجبرت الكثيرين منهم على الرضوخ لتلك الإغراءات، فهذا أراد أن يُزوج ابنه الأكبر، وهذا آخر أراد أن يسدد قرضاً أخذه من أحد البنوك، وثالث لم يتحمل مرارة الغربة عن الأهل، ورغم اختلاف ظروف كل منهم عن الآخر، إلا أن جميعهم لم يرضوا فى نهاية الأمر عن قرارهم.

{long_qoute_1}

بيومى عبدالرحيم، سبعينى، أحيل إلى المعاش المبكر قبل نحو 20 عاماً، حيث كان أحد عمال شركة «إسكو للغزل والنسيج»، ليبدأ رحلته ضمن مجموعة كبيرة من أولئك الذين خرجوا قبله وبعده، وهو فى الخمسين من عمره، وليظل تاريخ إحالته على المعاش محفوراً فى ذهنه حتى الآن: «خرجت فى شهر 11 سنة 1998، وقتها خدت 24 ألف جنيه مكافأة نهاية الخدمة، وطبعاً دى كانت مكافأة غير مرضية، وكانت تعتبر كلام فارغ»، معاش ضئيل تقاضاه «بيومى» بعدما أحيل إلى المعاش، حيث كان يتقاضى 230 جنيهاً شهرياً، الأمر الذى أثر عليه سلباً بصورة كبيرة: «خروجى معاش مبكر أثر علىّ وعلى أسرتى جداً، سواء فى مصاريف البيت أو حتى نفسياً».

«الفلوس كانت عارفة طريقها».. جملة رددها «عم بيومى» عندما بدأ حديثه عن مكافأة «نهاية الخدمة» التى تقاضاها بعد إحالته إلى المعاش، حيث كان زواج ابنه هو أحد أهم الأسباب التى دفعته إلى قبول الإحالة على المعاش: «ابنى كان داخل على جواز وكان محتاج فلوس، فماكانش قدامى غير إنى أرضى بالمعاش المبكر عشان أساعده فى الجواز، واللى فاضل من الفلوس ماكانش يكفى يعمل أى مشروع واتصرف على البيت»، وعاش «بيومى» بعد ذلك حياة تدبير وتقشف، وساعده فى ذلك زوجته التى وصفها بـ«المدبرة»: «لولا زوجتى ماكناش هنعرف ندير بيتنا بالمعاش القليل اللى كنت باخده، وكنا بنحاول نعيش على قد اللى داخل لنا، خاصة إنى حاولت أشتغل فرد أمن فى شركة حراسة زى غيرى كتير، بس جالى خشونة فى الركبة وعملت عمليتين فقعدت خالص فى البيت ومابقيتش أشتغل واعتمدت على المعاش».

مجموعة من الدعاوى القضائية رفعها «بيومى» وعدد من زملائه من أجل رفع قيمة المعاش الشهرى الذى يتقاضونه، وبعد أن جاء الحكم القضائى لصالحهم، وارتفع معاشهم إلى 900 جنيه عام 2005، حتى وصل تدريجياً إلى 2500 جنيه حالياً، إلا أن ذلك لم يغير انطباعه عن «المعاش المبكر» الذى حفر فى رأسه نتيجة تجربته معه: «المعاش المبكر ده فكر غير مظبوط وغريب علينا، لأن الهدف منه كان تدمير الصناعة المصرية، وفعلاً هو ده اللى حصل وبقينا نستورد كل حاجة دلوقتى من بره، غير إن المعاش المبكر بيكون عبء على صناديق التأمينات الاجتماعية، لأن وقتها خرج عدد كبير جداً من العمال، والموضوع ده خرب الدنيا وضر مصر والناس كلها، وده يعتبر إهدار للصناعة وللمال العام، ودليل ده صناعة الغزل والنسيج اللى اتدمرت دلوقت ومابقاش فيه حاجة اسمها الدهب الأبيض زى ما كان موجود زمان».

ومن قسم التخطيط والجودة داخل الشركة العامة للمعادن، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، أحيل «نبيل شفيق» إلى المعاش المبكر عام 2002، وهو الذى لم يكن تخطى عقده الخامس بعد حينها، إلا أن ظروفه أجبرته كغيره على الاستسلام وقبول الإحالة إلى المعاش المبكر، حيث كان «نبيل» أحد سكان محافظة المنوفية، ترك أسرته وسافر إلى القاهرة من أجل العمل بها، إلا أن غربته عن مسقط رأسه لم تكن بالأمر الهين بالنسبة له، إلى أن ترددت أمامه «إغراءات» المعاش المبكر، الذى ظن به أن يكون مخرجه من هذه الأزمة، غير أن الرياح دائماً تأتى بما لا تشتهى السفن: «عرضوا علينا المعاش المبكر، وكان اختيارى، لكن نظراً لحالة الشركة والتعثر بتاعها كان الإقبال عليه كبير جداً من العاملين، وأنا كان لى ظروفى فى السكن، لأنى كنت من المنوفية وبروح منطقة التبين فى جنوب حلوان، والظروف دي شجعتنى إنى أخرج، بس للأسف لما خرجت ماكانش المتوقع إن الواحد يطلع يلاقى الحالة الاقتصادية بتاعة البلد تعبانة ومايلتحقش بأى شغل تانى».

مبلغ «لا يسمن من جوع» كان هو المكافأة التى حصل عليها «نبيل»، حسب تعبيره، نظير إحالته إلى المعاش المبكر، حيث بلغت مكافأته 35 ألف جنيه، وهو ما أدخل إلى قلبه شيئاً من القلق فى حينها: «المعاش كان 80 جنيه، يعنى لو الفلوس دية راحت هباءً منثوراً الواحد ممكن يضيع هو وأسرته»، فكر استثمارى سيطر على «نبيل» رغم قلة ما لديه من مال، جعله يتشارك مع غيره فى مشروع صغير يدر عليه دخلاً «معقولاً» يصرف منه على أسرته: «فتحت محل إكسسوار موبايلات وشحن، وقتها ماكانش النشاط ده منتشر، والمشروع بقى يدخلى اللى بدعم بيه دخلى وبصرف منه على بيتى، وآدينى شغال فيه لحد دلوقتى أهو».

ومن واقع تجربته، فإن «المعاش المبكر» فكرة يرفضها «نبيل» بكل تفاصيلها، فهو كما عبر «أحد ضحاياها»، ومن ثم فهو يرى أن الدولة إذا أرادت أن تحيل بعض العمال إلى المعاش المبكر يجب أن تكون وفق خطة مدروسة، يتم من خلالها توجيه هؤلاء المحالين إلى المعاش لاستثمار أموالهم التى حصلوا عليها كمكافأة نهاية الخدمة بشكل جيد.

ويقول «نبيل» إن «الاستخدام الصح بيخدم صاحبه، لكن فيه ناس كتيرة ضيعت فلوسها على الفاضى، ومعرفوش يستغلوها صح، اللى جوز ابنه واللى جدد شقته، وبما إنى واحد من الناس اللى خرجوا معاش مبكر أقدر أقول إن المعاش المبكر بشكل عام فى مصر سيئ جداً، لأن القطاع الخاص بيستغل العمال بشكل كبير، وكل الناس اللى هتخرج معاش مبكر هتقعد على القهاوى والبطالة هتزيد والجريمة كمان هتزيد، غير إن القطاع الخاص مش هيستحمل الأعداد دى كلها».

أما «مسلم أبوالغيط»، 59 سنة، فكانت له ظروف اختلفت عن غيره جعلته يقبل على اتخاذ قرار قبول الإحالة إلى المعاش المبكر، حيث كان قد حصل على قرض من أحد البنوك قبل أن يُحال إلى المعاش، وما إن ضاق عليه الخناق، لم يجد أمامه بداً من اللجوء إلى «المعاش المبكر»: «كنت شغال فى شركة أطلس العامة للمقاولات، وهى من شركات قطاع الأعمال العام، وخرجت منها على المعاش فى 30 أكتوبر سنة 2005، وقتها كان حال البلد سيئ للغاية والناس كانت بتفرح بالمكافأة بتاعة نهاية الخدمة، ولأن شركتنا خلت مكافأة نهاية الخدمة ألف ونص بدل ألف جنيه، فده أغرى ناس كتير، وكانت المكافأة بحد أقصى 35 ألف جنيه، ورغم إن الرقم ماكانش كبير إلى حد ما، إلا إن كل واحد فينا كان عنده هدف عايز الفلوس عشانها، اللى كان عايز يجهز بنته أو يجوز ابنه، وأنا كان كل هدفى إنى أسدد القرض اللى كان قاصم ضهرى ده»، لم يتبق لـ«مسلم» سوى قليل من المال بعد سداد قرضه، ولم يكن المبلغ المتبقى يكفى لفعل شىء، وهو ما لم يكن حاله وحده، على حد قوله: «أغلب الناس اللى خدت مكافآت مفيش حد منهم عرف يعمل حاجة مفيدة، واللى فاض اتصرف على البيت، ووقتها فتحت ورشة نجارة أثاث وباب وشباك، والدنيا مشيت واحدة واحدة لحد ما بقت دية شغلانتى»، ضغوط أخرى كانت تحيط بـ«مسلم» جعلته يختار المعاش المبكر «مجبراً» على حد قوله: «هو إجبارى فى صورة اختيارى، يعنى لما أكون أنا باقبض إنتاج وحافز وييجى يتمنع عنى ويخنقونى يبقى فين الاختيارى اللى أنا بختاره، فتحوا لى باب من اتجاه واحد وكنت مضطر أخرج منه لأنى ماكانش عندى بديل، ومن الآخر إحنا انضحك علينا وعلى البلد كلها بموضوع المعاش المبكر ده».

ومن جانبه، قال قطب فايق، رئيس «حركة الدفاع عن أصحاب المعاشات»، إن سياسة «المعاش المبكر» التى تنتهجها الدولة منذ سنين طويلة، سياسة سيئة للغاية، لأنها تُفقد الدولة ومؤسساتها الكثير من الخبرات التى كانت تعتمد عليها فيما مضى، وهو الأمر الذى أدى إلى تدمير العديد من الشركات نتيجة خسارة عاملين على أعلى مستوى من الخبرة، وأضاف «فايق»: «انت جيت على العمود الفقرى بتاع البلد وكسرته، بالإضافة بقى للأسر الكتير اللى ضاعت واتدمرت بسبب المعاش المبكر ده، واللى بسببه ناس كتير لقت نفسها قاعدة فى الشارع وبالتالى حالتهم النفسية اتدمرت هما كمان، ومن وجهة نظرى فإن ما تمر به مصر الآن سبب من أسبابه سياسة المعاش المبكر التى انتهجتها الدولة فى الماضى، الأمر الذى أدى إلى انعدام الإبداع فى العمل الحكومى».

لم تأت رئاسة «قطب» لحركة الدفاع عن أصحاب المعاشات من فراغ، حيث كان هو نفسه أحد ضحايا «المعاش المبكر» فيما مضى، ليهب نفسه بعد ذلك للعمل فى هذا الاتجاه حتى لا يذوق غيره المرارة التى تجرعها فى الماضى: «أنا خرجت معاش مبكر سنة 98، كنت عامل إنتاج فى شركة إسكو للغزل والنسيج، ودى كانت من أكبر الشركات فى مصر إنتاجاً وتعداداً، وقتها خدت 35 ألف مكافأة نهاية الخدمة، وطبعا اتصرفوا من غير ما أعمل بيهم أى مصلحة»، أحيل «قطب» إلى المعاش ضمن 2000 من العمال، ومن بعدهم بفترة قليلة خرج 1500 آخرون، إلا أن معاناة «قطب» ورفاقه كانت واحدة من الأسباب التى جعلت من بعدهم يأخذون بعض الامتيازات الأخرى: «بقينا نقولهم على اللى مفروض يعملوه وفعلاً خدوا 54 ألف، يعنى أكتر مننا بـ20 ألف، بس للأسف بعد كده عرفنا إن خروج الأعداد دى كلها كان خطأ قانونى ولا يجوز، عشان كده أصريت أشتغل فى مجال حماية حقوق أصحاب المعاشات»، فترة من الوقت عمل بعدها «قطب» كأحد أعضاء الاتحاد التعاونى، إلى أن تركه واتجه إلى العمل فى «حركة الدفاع عن أصحاب المعاشات»: «عملنا حاجة فى الحركة عن كيفية استثمار فلوس المكافأة وعملنا دورات كتير للناس عشان نوعيها بخطورة الموضوع ده».


مواضيع متعلقة