«انشد يا قلبى غنوتك للجمال/ وارقص فى صدرى من اليمين للشمال/ ما هوش بعيد تفضل لبكره سعيد/ ده كل يوم فيه ألف ألف احتمال».
على طرف البحر يمشى.. يحشو جوفه بزفير يطلقه على مهل فى نفق «نايه» الخشبى، فيعزف بالهواء موسيقى تجذب آذان الصغار، تعتلى رأسه قبعة سعفية رخيصة تلائم الجو الساحلى المشمس، يرفل فى ثيابه الفضفاضة المكوية بعناية، لكن مسحة من حزن تبدو على وجهه المشرب بحمرة الصيف.
«يا عندليب ما تخافش من غنوتك/ قول شكوتك واحكى على بلوتك/ الغنوه مش ح تموتك إنما/ كتم الغنا هو اللى ح يموتك»، منذ أيام الفراعنة وحتى يومنا هذا، عرف المصريون وظيفة للعزف لا تصب فى خانة الفرح، عرفوه طقساً جنائزياً للتفريغ عما فى نفوس الثكالى والحزانى.. العزف للملوك تحية، وللعرائس حفاوة، وفى الموالد ذكر، وفى دقات الزار رهبة، وفى الملاهى لغو.
تكتمل اللوحة، شيخ على طرف البحر يرفل فى ثيابه يزفر وينفخ فى نايه الخشبى وعن يمينه حقيبة متسخة من الخارج مكتظة بآلات الناى، يتقافز الولدان أمامه على الشاطئ، يمد أحدهم يده التى تقبض على العملة المعدنية، يقلبها الشيخ العازف يدسها فى جيب جلبابه ويمنح الصغير ناياً من الحقيبة المتسخة، ينفخ الولد فى نايه الجديد، فلا تخرج النغمات كما يخرجها الشيخ العازف.. يعود إلى أمه ويلقى الناى فى حجرها، لأن عزفه فاسد.