«مرسى» عايز «تركى»

كتب: محمد فوزى

«مرسى» عايز «تركى»

«مرسى» عايز «تركى»

تعد المسلسلات التركية هى الأكثر جاذبية للمشاهد المصرى، ليس فقط لما تمتلكه من عناصر الإنتاج والتصوير، ولكن السيناريو الكبير والمشوق والجذاب الذى يظهر فى طول الحلقات التى تتعدى مائتى حلقة بل بكثير والسيناريو الرومانسى الذى غاب عن الرجل المصرى فى ظل الأزمات الاقتصادية وانشغاله بلقمة العيش وتوفير حياة كريمة لأسرته. الشاهد هو مدى الانسجام من قبل المشاهد مع المسلسل التركى ومدى تخيلاته ليكون مكان أحد الفنانين ليصبح هو البطل والقائل لتلك الهمسات الرومانسية وأن يكون هو الشخصية المحبوبة مثل مهند وتكون زوجته «نور» ليلقى لها بكلمات تشعل قلبها حبا له بل وباقى السيدات اللاتى يشغفن بشخصية مهند. هذا على سبيل التشبيه ومدى الانسجام بين المشاهد والأعمال الفنية التركية. أما لو تحدثنا عن الحياة السياسية فى تركيا ووضعها السياسى والاقتصادى فى المحيط الأوروبى والعالمى ومدى ارتباطها بالأحداث العالمية ومدى انسجام الإسلام السياسى مع مؤسسات الدولة والتعايش مع الإطار العلمانى الديمقراطى للدولة التركية، فالتعايش بين الإسلام والديمقراطية لم يتحقّق فى تركيا بفضل قيام حزب العدالة والتنمية بتطوير مؤسسات وهيكليات سياسية تجمع بين المبادئ الإسلامية والديمقراطية، بل لأن الإسلاميين أنفسهم قبِلوا الإطار العلمانى - الديمقراطى للدولة التركية، إلى جانب توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبى كشريك تجارى أساسى، ومع الغرب بشكل عام. عمل حزب العدالة والتنمية، بوصفه حزباً محافظاً يمثّل المصالح النيوليبرالية، من خلال رئاسة الوزراء بقيادة رجب طيب أردوغان والرئيس عبدالله جول، الرئيس الشرفى، على الحد من تدخل الدولة، وتعزيز الاستقرار السياسى والاقتصادى، وبناء علاقات ودّية مع العالم الخارجى. وإلى جانب حشد مزيد من الدعم فى أوساط رجال الأعمال العلمانيين والطبقات الوسطى، جعل الحزب فكرة الدولة النافذة -التى تدير الاقتصاد وكذلك حياة المسلمين من خلال المبادئ الإسلامية- مسألة تخطاها الزمن. وذلك لا يعود إلى التخلى عن التقوى، بل لأن الشبكات الإسلامية وجدت فى السوق الحرّة ومنظمات المجتمع الأهلى أرضاً خصبة تؤمن لها الازدهار. هل ينجح الدكتور محمد مرسى فى أن يماثل النموذج التركى فى التعايش مع مؤسسات الدولة أو إعادة هيكلتها ومع المؤسسة العسكرية بوجه خاص فى ظل الإعلان الدستورى المكمل وفى الذى يقلص من صلاحيات رئيس الدولة فيما يخص شئون القوات المسلحة وحالة إعلان الحرب والتدخل لحفظ الأمن من قبل القوات المسلحة فى حالة الانفلات الأمنى التى تستدعى موافقة القوات المسلحة، وتشكيل الجميعة التأسيسية، وسلطة التشريع فى ظل غياب مجلس الشعب؟ هل سينجح فى نزع الصلاحيات المفرطة للجيش؟ هل سينجح فى استقطاب رجال الأعمال المصريين وتقديم ضمانات لهم للحفاظ على مصالحهم الاقتصادية مع العلم بأن أغلبهم كان منسجما مع النظام السابق فى مقابل الحفاظ على مصالحهم؟ هل سيبحث عن البديل واستقطاب رجال أعمال آخرين من الإسلاميين مع العلم أنه ليست هناك قاعدة قوية من رجال الأعمال داخل الحركة الإسلامية كى تصرّ على الإصلاحات النيوليبرالية أو على تقليص حجم الدولة، وفى الواقع أن المهنيين (الأطباء والمهندسين والمعلّمين والمحامين) هم الذين يطغون على الحركات الإسلامية وليس رجال الأعمال. وحتى إذا ازدهرت هذه المجموعات، فإن قدرتها على ممارسة تأثير مشابه لتأثير حزب العدالة والتنمية التركى سوف تتوقّف بالكامل لأنه يصعب تحوّل التيار الإسلامى المصرى حزباً سياسياً بكل معنى الكلمة من واقع الدراسات السياسية للتيار الإسلامى المصرى. لكن خلافاً لنظيرهم التركى (حسب الدراسات السياسية أيضاً) فإن جماعة الإخوان المسلمين هى جمعية دينية فى الأساس، وتحتل الأهداف الاقتصادية والسياسية والثقافية مرتبة ثانوية بالنسبة إليهم مقارنة بالتبشير الدينى. ونظرا لأن الدكتور محمد مرسى، الرئيس المنتخب، يعتمد على القاعدة الشعبية للإخوان المسلمين للحصول على الدعم فى الانتخابات، وعلى الرغم من أن أعضاء الإخوان يؤدّون وظيفة التنظيم فى الحزب، فإنهم يُجنَّدون فى شكل أساسى باسم الدعوة الإسلامية. ثم إنهم يُنظَّمون وفقاً لهيكلية صارمة وتتم تعبئتهم باسم الإسلام، وليس انطلاقاً من اهتمامات سياسية أو اقتصادية. تُعزِّز هيكلة الجماعة الأولويات الدينية، وتقوِّض المساءلة الداخلية، وتلقى بظل من سيطرة الإخوان على حزب الحرية والعدالة والدكتور محمد مرسى إذا لم يتحوّل الدكتور محمد مرسى رئيساً سياسياً مستقلاً خاضعاً للمساءلة أمام ناخبيه وأكثر توجّهاً نحو المصالح السياسية لهؤلاء الناخبين، فهو لن يصبح مسئولاً أمام الشعب المصرى. وأختم بجملة فى دراسة منسوبة إلى الخبيرة «سبنيم جوموسكو»، خبيرة فى العلوم السياسية متخصّصة فى التيارات السياسية الإسلامية فى جامعة سابانجى فى إسطنبول، قالت: «باختصار، ليس هناك (نموذج تركى) عن إسلاموية مندمِجة، بل هناك مسلمون فى دولة علمانية - ديمقراطية تعمل فى إطار نيوليبرالى. العوامل البنيوية والمؤسّساتية فى تركيا فريدة من نوعها تاريخياً. سوف تبحث مصر، فى ظل القيادة الإسلامية، عن إطار آخر سيفرض على التيّار الإسلامى فصل وظائفه السياسية عن وظائفه الدينية، وبسبب هذا كلّه، ستكون مهمّة الإسلاميين فى مصر أصعب من مهمة نظرائهم فى تركيا؛ إذ يتعيّن عليهم أن يتخلّوا عن عادات الهرمية والتبشير المتجذِّرة فى النفوس من أجل بناء نظام ديمقراطى ذى مؤسّسات فريدة».