«كم نظلمها، كم نلومها ونلعنها، كم نتهمها بالعجز وقلة الحيلة ونبحث خارج حدودها عن الحل وهو منها ولها».. إنها النفس البشرية التى تبوح دائما بأسرارها ولا أحد يقدر على فك طلاسمها، تنسج الإبداع فى أحلك الظروف، تتحدى السجن والحصار بإرادتها الحرة، وهل هناك هزيمة للسجان أكبر من أن تتنفس حرية وترسم حرية وتغنى حرية، فى ظل أبواب موصدة وحاجز يعد عليك أنفاسك؟!
فى أحد بيوت غزة التى تعانى حصاراً تفرضه حكومة الاحتلال الإسرائيلى منذ 2006، تجلس الفلسطينية «مها الداية» ممسكة بفرشاتها وتنقل لأطفال غزة ملامح وطن لم يعيشوه وربما وجدوه أنقاضا: «أرسم ملامح غزة، وأشعر دائما بأن المشهد الذى قد أنقله اليوم قد لا أراه بعدها نتيجة القصف الإسرائيلى».. هكذا قالت الداية لصحيفة «الجارديان» البريطانية. وأضافت: «أرسم شواطئ غزة ومراكب الصيد وشجر الزيتون ولا أستسلم للإحباط؛ ففى الحرب على غزة 2009 عانيت نفسيا بشدة، قضيت فترة الحرب فى غياب زوجى الذى كان يدرس فى مصر، أسمع أصوات القاذفات وأرى بعينى طمس ملامح وطنى وأشم رائحة الموت، ورغم ذلك تمكنت من الإمساك بريشتى والنسج على الورق الأبيض، رسمت شجرة كانت هنا ومدرسة كانت هناك.. لعل الذكرى تنفع المؤمنين».
رسمت «الداية» شجرة زيتون تنمو إلى داخل الأرض وليست شامخة تلامس السماء، ورأت ذلك تعبيرا عن الهوية الفلسطينية التى طمسها العدو وداس عليها بجرافاته وأسس محلها بؤره الاستيطانية.