بروفايل| درويش.. مقيمٌ في كلامٍ مقيم
بروفايل| درويش.. مقيمٌ في كلامٍ مقيم
- محمود درويش
- فلسطين
- شعر
- أشعار
- البروة
- الوطن
- الجليل
- قصائد
- ذكرى درويش
- إسرائيل
- محمود درويش
- فلسطين
- شعر
- أشعار
- البروة
- الوطن
- الجليل
- قصائد
- ذكرى درويش
- إسرائيل
تسع سنوات كبرها في الغياب.. لم يتمكن النسيان من نثر ريشه على حضوره الطاغي، كأنه نام ساعة وقام لقهوته منتصرًا على موته لينشد "هزمتك يا موت الفنون جميعها".. شاعر سياسي.. صوت شعب أُخرس صوتُه.. شاعر صوفي.. ضيفا على نفسه يحلُّ.. شاعر كلاسيكي حداثي.. ابن الساحل السوري يسكنه رحيلا أو مقامًا.. ابن "البروة" الفلسطينية التي لم تعد موجودة إلا في مخيلة التاريخ، وحلّت محلها قرية لدولة الاحتلال، التي اعتبر "درويش" أهلها يوما في إحدى قصائده "عابرون في كلام عابر"، ليظل هو مقيما في المكان حيا وميتا، كأغنية فلسطينية لا تعرف الرحيل.
واحد من المشاهير القليلين في عالم القصيدة العربية، منذ امتدادها الأسطوري في كهوف وادي "عبقر" حتى أحدث أبناء أهل الحداثة.. محمود درويش لا يزال شعره يمنحنا ما نريد وما يكفينا لكي نقاوم، ليس فقط مقاومة المحتل، وإنما مقاومة كل قبيح في عالمنا..
"الآن في المنفي..
نَعَمْ في البيتِ،
في الستينَ من عُمْر سريعٍ
يوقدون الشَّمْعَ لَكْ
فافرَحْ، بأقصي ما استطعتَ من الهدوء،
لأنَّ موتا طائشا ضَلَّ الطريقَ إليك
من فرط الزحام.. وأَجَّلكْ"..
لم يشأ محمود درويش، المولود في 13 مارس 1941 بفلسطين والمتوفى بولاية تكساس في الولايات المتحدة في التاسع من أغسطس 2008، أن يستمر، كما بدأ، شاعرًا للمقاومة الفلسطينية، زاعق الصوت الذي يقاوم المحتل عبر مشروع إنشادي يوازي الانتفاضات الفلسطينية، لكنه أراد في نهايات حياته أن يكون مشروعا شعريا خالصا، يبقى شعرًا لا سياسة، يبقى شاعرا لا صاحب منصب وزاري.. ولعل هذا التحول في شعر وموقف "درويش"، هو ما جعله عرضة للانتقاد، حتى من أهله، الذين اعتبروه "خان قضيته"، لكنه اختار ببصيرة الشاعر أن الذي يبقى من الأمم هو الفن، وكان ذلك الاختيار سببا في أن يكسب الشعر العربي خمسة أو ستة دواوين على الأقل كمنتج يعيش ويخلد أشعار محمود درويش، بل وأن تكسب القضية الفلسطينية، والأمة الفلسطينية، حضورًا ثقافيا عالميا يُضاف إلى حضورها الجغرافي ومشوارها الطويل لإثبات وجودها على هذه الأرض.
"على هذه الأرض
ما يستحق الحياة..
تردد إبريل..
رائحة الخبزِ في الفجر..
تعويذة امرأة للرجال..
كتابات أسخيليوس..
أول الحب..
عشب على حجرٍ..
أمهاتٌ يقفن على خيط ناي
وخوف الغزاة من الذكرياتْ.."
أدرك محمود درويش، الذي لجأ إلى القاهرة بعد نداءات الناقد الكبير رجاء النقاش لإنقاذ ذلك الشاعر الشاب وقتها من الاعتقال الإسرائيلي، أن المقاومة تبدأ بالفن لا من البندقية، كما أنها تنتهي به، حتى أن كثيرا من ساسة دولة الاحتلال تمنّوا لو كان "درويش" من بني جلدتهم، نظرا لما تمتع به من شهرة عالمية وموهبة دعمها اجتهاده.
" أقول لمن يراني عبر منظار الحراسة: لا أراك، ولا أراك.. أرى مكاني كله حولي.. أراني في المكان بكل أعضائي وأسمائي.. أرى شجر النخيل ينقّح الفصحى من الأخطاء في لغتي.. أرى عادات زهر اللوز في تدريب أغنيتي على فرح فجائيّ.. أرى أثري وأتبعه.. أرى ظلّي وأرفعه من الوادي بملقط شعر كنعانية ثكلى.. أرى ما لا يُرى من جاذبية ما يسيلُ من الجمال الكامل المتكامل الكليّ في أبد التلال ولا أرى قنّاصتي..".
انتصر "درويش" للحياة ولم يهتم بالموت إلا ليقتنص من خلاله بعض الشعر، وكانت رسالته النهائية أن الحياة تستحق منا أكثر من أن نعيشها متحاربين:
"ومصادفةً، صارت الأرض أرضا مُقَدَّسَةً
لا لأنَّ بحيراتها ورُباها وأشجارها
نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ
بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك وصلَّى على صخرة فبكتْ
وهوى التلُّ من خشية الله مُغْمىً عليه
ومصادفةً،
صار منحدر الحقل في بَلَدٍ متحفاً للهباء ..
لأن ألوفا من الجند ماتت هناك من الجانبين،
دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين يقولان: هيّا!
وينتظران الغنائمَ في خيمتين حريرَتَين من الجهتين ...
يموت الجنود مراراً ولا يعلمون إلى الآن مَنْ كان منتصرا.."