قطار الصعيد: أغانٍ وأهازيج رغم الأحزان.. والتأخير والإهمال أصبح عادة
قطار الصعيد: أغانٍ وأهازيج رغم الأحزان.. والتأخير والإهمال أصبح عادة
- أهالى الصعيد
- اشتعال نيران
- السكة الحديد
- العربة الأخيرة
- الفساد المستشرى
- بنى سويف
- جامعة عين شمس
- حادث التصادم
- حى الجيزة
- آدم
- أهالى الصعيد
- اشتعال نيران
- السكة الحديد
- العربة الأخيرة
- الفساد المستشرى
- بنى سويف
- جامعة عين شمس
- حادث التصادم
- حى الجيزة
- آدم
يبدو كأى قطار عادى، جرار حديدى، نوافذ محطمة، والأتربة تحيط بجوانبه الخارجية، لكن حين يدخل إلى رصيف محطة الجيزة، وتزف الإذاعة الداخلية اسمه ووجهته يظهر محملاً بكثير من الآلام، وذكريات الدماء. قطار الصعيد المحترق فى العياط، صاحب الحادثة الأشهر فى تاريخ سكة حديد مصر عام 2002، الذى تسبب فى سقوط ما يزيد على 1000 قتيل بعد أن تابع القطار سيره لمسافة 9 كيلومترات والنيران مشتعلة فيه، لتعود تلك الواقعة للأذهان بعدما سقط أمس الأول عدد آخر من الضحايا بين القضبان، والفاعل دائماً الفساد المستشرى فى ذلك القطاع الحيوى.
وربما بسبب حادث التصادم الذى وقع قبل ساعات فى مدينة الإسكندرية، شهدت جميع القطارات تأخراً، بما فيها قطار الصعيد الذى كان مقرراً أن ينطلق من محطة مصر فى تمام الثامنة صباحاً، غير أن ظروف التأخر حتمت أن يتحرك فى التاسعة إلا الربع، «الوطن» كانت فى انتظار قطار الصعيد، لتعايش تجربة مماثلة لتلك التى عايشها قبل ليلة واحدة ركاب قطارى الإسكندرية قبل أن يذهب منهم 40 قتيلاً، وأكثر من مائة مصاب.
{long_qoute_1}
على الرصيف لم تكن تلك الوجوه الواجمة أقل بؤساً من أقرانهم الذين ألقى بهم للموت بين عجلات القطارين أمس، ورغم أن بائع الصحف التى تظهر على صفحاتها الأولى الدماء والضحايا لا يبعد عن أنظارهم سوى خطوات، لم يفتر حماسهم نحو أبواب القطار الذى توجهوا له مسرعين بمجرد وصوله لأرصفة المحطة، تكالب الجميع للحاق به، رغم تأخره عليهم، لكن سرعان ما استقلوه، وتراصوا على ما تبقى من مقاعد شاغرة، والبعض وجد لنفسه موضع قدم بين العربات، فيما استقر الأطفال على الأرفف العلوية بين الحقائب، والباعة أيضاً بحثوا عن مواقع أقدامهم المسرعة بين من يفترشون الطرقات ليعرضوا بضائعهم التى تفوح رائحتها داخل القطار، لا حديث يعلو على تأخر القطار عن موعده، الجميع فى تذمر من ذلك. فى إحدى الطرقات افترش عجوز ملاءة ليريح جسده المتعب، أخرج من جانبه إحدى الصحف، طالع صفحتها الأولى، امتعض وجهة وهو يقرأ عن الحادث «دماء بين القضبان»، قال لشخص بعباءة إلى جواره: «ممكن نبقى زى دول فى النهار»، رد عليه: «ربك يسترها»، وسرعان ما قلب صفحات جريدته نحو ملحق الرياضة لينقلب الحديث سريعاً لشىء آخر. لم يكن صندوق «مكابح الطوارئ» بعيداً عن تلك الجلسة، والذى تظهر بوابته الزجاجية مهشمة وقد استبدلوا بها ورقة كرتون بالية، وإلى جواره تفوح رائحة العفن من جنبات مراحيض القطار، لم يعبأ بها محمود عليوة، المتوجه نحو محافظة بنى سويف لزيارة صديق قديم مريض، غير معتاد على استخدام القطار باستمرار، لكنه وجد فيه ملاذاً جيداً لتوفير بضعة جنيهات، فسيارة الميكروباص وصل سعرها لخمسين جنيهاً، فى حين أن ذلك القطار لا تزيد تذكرته على خمسة جنيهات أو قد تزيد قليلاً.
20 دقيقة مرت فى الطريق، حتى فوجئ الجميع بالسائق يضغط مكابحه، ليهتز القطار ويحدث الركاب جلبة شديدة، الخوف رابض فى أعينهم، الجميع ينتابه الرعب من هول الاهتزاز، ولكن مع عودة القطار للسير مرة أخرى اطمأنوا وعادوا لمقاعدهم، ولكن تلك الهزة المفاجئة ذكرت الجميع بما حدث لركاب قطار الإسكندرية الذى بدأ يأخذ قسطاً من أحاديثهم وثرثراتهم الجانبية. دقائق وظهر صوت تصفيق منتظم لعدد من الشباب فى وسط العربة، وأحدهم يقرع مقعد القطار، ليصدر صوتاً مميزاً متناغماً مع ذلك التصفيق، ويدفعوا بأحدهم فى الوسط ليغنى، شاب قصير ذو شارب رفيع بلهجة صعيدية، بدأ يرتل أناشيد ومواويل جنوبية، والكل ينصت فى هدوء، حتى قاطعتهم سيدة قائلة: «يا جماعة عيب فيه دم ناس لسه ما بردش فى البلد»، لم يعبأ بعضهم بها، ولكن هدّأ من روعها أحدهم قائلاً: «يا حاجة.. لا فرح بيدوم ولا حزن بيدوم».
{long_qoute_2}
طغت أشعار وأزجال الشباب على عربات القطار، الجميع التف حولهم يشاركهم الغناء والتصفيق، تحول القطار لكتلة واحدة تغنى وتنهى كل أنشودة بصفير وضحكات تتعالى تهوّن ذلك الطريق الطويل، قطع الغناء وصول القطار لمحطة «الواسطى» التابعة لمحافظة بنى سويف، انتهت تلك الوصلة، والتزم الجميع الصمت، أنهينا تلك الرحلة، لنستكملها فى طريق العودة بقطار آخر الخاص بضواحى الجيزة ومراكزها.
فى طريق الإياب كان قطار آخر وركاب جدد، من بينهم أحمد زكريا، شاب عشرينى، اعتاد الذهاب بالقطار بشكل يومى إلى جامعته فى القاهرة، يقول إن الظروف المادية والغلاء يدفع الجميع إلى ركوب ذلك القطار، الجميع يعرف أن الإهمال يحيط به، ولكن لا مفر، لا يقوى أهالى الصعيد الفقراء على دفع مبلغ يومى يصل إلى 30 جنيهاً من بلدته الواسطى إلى القاهرة بشكل منتظم، ورغم خطوة القطار فإنه يوفر لهم الكثير من الأموال فى ظل غلاء المعيشة وزيادة تكاليف الدراسة الجامعية فى كلية الزراعة جامعة عين شمس.
«زكريا» الذى ركب القطار العائد للقاهرة، لم يجد شيئاً مختلفاً، يقول إن خط الصعيد يتأثر كثيراً إذا وقع حادث فى أحد قطاراته ونجد شيئاً من النظام والاهتمام بشكل أكبر ولكن ما دام الحادث فى الإسكندرية فلن تجد أى تأثير، سوى هذا التأخر، فالقطار كان موعد تحركه فى التاسعة والنصف، وها قد تعدت العاشرة بدقائق ولم يتحرك.
فى العودة تظهر السيدات بملابسهن الجنوبية يحملن البط والحمام والفراخ فى أقفاصها، أجولة مملوءة بأرغفة الخبز الطازج، والفطائر على سلال من الخوص بين أيديهم، وعلى مقاعد متهالكة دار الحديث من جديد عن القطار، نقاش حامٍ بين عدد من الرجال، أحدهم كان ملتحياً قال إن الحادث قضاء وقدر، وإن الموت يدرككم ولو كنتم فى بروج مشيدة، رد عليه آخر: «بس بناخد بالأسباب يا شيخ»، وراح يلقى باللوم على الإهمال من السائق وآخر تدخل وقال إن هناك الكثير من الأعطال وأن الأزمة فى الفنيين.
بعيداً عن ذلك السجال قاطعهم رجل أشيب الشعر غير مهندم المظهر، بصوت عال قائلاً: «إحنا مش بشر يا جماعة.. إحنا لو بشر ما كناش نموت بالعدد ده وجسمنا يتقطع بالشكل ده ومفيش حد يتحرك.. إحنا لو بشر فى دولة تحترم آدميتنا كان زمان المسئول دلوقتى مش موجود فى منصبه.. فين سيادة اللواء مسئول السكة الحديد.. فين دلوقتى؟»، رد عليه آخر قائلاً: «يا أبويا المسئول قاعد فى التكييف».
شريف حمودة، بلحيته الكثة وملابسه الرثة، شاب فى منتصف الثلاثينات، يركب القطار كل أسبوع ليتوجه للقاهرة لظروف خاصة بعمله، يقول «إن القطر زى ما هو من ساعة ما وعينا عليه، لا يوم اتغير ولا اتجدد ولا تنتظر منه تطوير»، فالرجل الذى مر بالعديد من المواقف فى ذلك القطار يقول إنه قبل أسابيع اشتم رائحة اشتعال نيران فى القطار وبدأوا فى تنبيه السائق، واستمرت تلك الرائحة داخل القطار لمدة تزيد على ساعة، وبمجرد الوصول للمحطة اكتشف أن «تيل الفرامل بتاعة القطر كانت ماسكة فى العجلة».
حمادة شعبان، يعمل فنياً فى أحد مراكز الصيانة بالقاهرة، يقول إنه يذهب بالقطار لزيارة أهله فى محافظة بنى سويف كل أسبوع، ولكن أخطر المواقف التى تعرض لها حينما كان يجلس على باب القطار فى العربة الأخيرة وفوجئ بجرار يلاحق القطار على القضيب نفسه بعد تحركه بعشر دقائق، توقع الشاب العشرينى أن ينحرف الجرار أو القطار أيهما نحو طريق آخر، ولكن لم يحدث ذلك واصطدم الجرار بالقطار من الخلف ليحدث هزة وصدمة عنيفة أوقعت الكثير من الركاب من مقاعدهم وأصابت العربة الأخيرة ببعض الصدمات، ولكن لم يصب أحد بمكروه: «مش دى أول مرة يكون فيه غلط.. متعرفش السواق كان نايم ولا مين اللى غلطان.. فى الأول وفى الآخر الراكب هو اللى هينضر».
