8 ساعات من القاهرة للإسكندرية.. أول رحلة للقطار «13» بعد الكارثة

كتب: محمد سعيد

8 ساعات من القاهرة للإسكندرية.. أول رحلة للقطار «13» بعد الكارثة

8 ساعات من القاهرة للإسكندرية.. أول رحلة للقطار «13» بعد الكارثة

مشادات كلامية وضجيج لا ينقطع داخل أرجاء محطة مصر برمسيس بعد تأخر جميع القطارات عن موعدها، ومنها قطار رقم «13» المتجه من القاهرة إلى الإسكندرية «محافظات»، نفس الخط الذى اصطدم قطاره يوم الجمعة بالقطار المقبل من بورسعيد، فى أول رحلة له بعد الحادث. يتأخر القطار عن موعده المحدد بـ11:15 صباحاً، ما دفع ركابه للتوجه إلى شباك التذاكر ليسألوا عن سبب التأخر، ويحاولوا إعادة التذاكر التى يبلغ سعر الواحدة منها عشرة جنيهات ونصفاً، ليأتيهم رد موظفى الشباك: «عايزين ترجعوها رجعوها للى قطعها لكم مالناش دعوة، فيه حادثة امبارح وكل حاجة متغيرة»، ثم تركوا المقاعد واختفوا تحاشياً لغضب الركاب.

يتجه بعض الركاب إلى شباك الاستعلامات بالمحطة، فيأتيهم رد الموظفة: «مانعرفش القطر هييجى إمتى، فيه تأخير فى القطارات كلها، واللى مستعجل يركب ميكروباص من بره المحطة وخلاص». بعد نصف ساعة يعلن المسئولون عبر السماعات الداخلية عن وصول القطار رقم (13) المتجه إلى الإسكندرية على الرصيف رقم (2)، يدخل الركاب فى سباق عدو للحاق بمقعد فى منتصف القطار بعيداً عن الروائح الكريهة بطرفى العربات، حيث توجد الحمامات، وإلى جانب نافذة غير متهالكة يمكن فتحها. الركاب يتصببون عرقاً من شدة الحرارة داخل العربات نتيجة غياب وسائل للتهوية وعدم إمكانية فتح معظم النوافذ المتهالكة، يحاولون فتحها بالقوة دون جدوى، يرقد القطار على الرصيف لمدة ثلاثين دقيقة إضافية، يرفع أحد الركاب صوته باستياء: «هو هيفضل فى المحطة كده كتير، مش كفاية عليه جاى لنا متأخر». فى تمام 12:15 يتحرك القطار من محطة مصر متأخراً ساعة كاملة عن موعده، مع تحركه يبدأ الهواء فى التسرب من الفتحات الضيقة للشبابيك، لكن ضجيج الركاب لا ينقطع ممزوجاً ببكاء الأطفال الرضع وصراخهم، وحديث الركاب عن حادث قطارَى الإسكندرية كان السائد داخل أرجاء القطار، متبادلين المعلومات وصور الحادثة وبعض الفيديوهات.

خميس فوزى، «44 عاماً»، يعمل مدرساً بالأزهر، يقول إن صديقه أنقذه من استقلال القطار رقم 13 يوم الجمعة الماضى، حين طلب منه فى فجر الجمعة أن يؤجل سفره للسبت ليسافرا معاً، وذلك بعدما أتم تجهيز حقيبته واستعد للسفر: «كنت خلاص مجهز نفسى إنى هسافر فيه وإنى أقعد فى الإسكندرية أيام الإجازة جمعة وسبت، وزعلت ساعتها إنى ماسافرتش الجمعة، بس الحمد لله كان ممكن دلوقتى أبقى فى عداد الموتى، والقدر أنقذنى من حادث كبير، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم»، يتذكر زوجته حينما علمت بالحادث من التليفزيون: حضنتنى من كتر الفرحة إنى ماسافرتش امبارح وقالت لى: الحمد لله، ربنا سترها معانا».

{long_qoute_1}

يُهدئ القطار من سرعته أثناء مروره بمحطة «شبرا الخيمة» دون توقف، ويمر الباعة الجائلون بين الركاب، كل منهم يعلن عن بضاعته بنبرة عالية، يجلس أحمد الهلبى، 32 عاماً، فى منتصف إحدى العربات، يقول: «وأنا طالع القطر بحاول أختار مكان جنبه شباك مفتوح عشان الحر، ويكون عكس جهة الشمس وبعيد عن الحمامات عشان ريحتها، وبقت الناس مُجبرة إنها تركب القطر ده حتى لو الشبابيك كلها مقفولة، وبقى المهم إنهم يوصلوا وخلاص»، موضحاً أن القطار أرخص وسيلة فى السفر وأكثر أماناً بين باقى المواصلات، متابعاً: «الناس دلوقتى بقت بتدور على الأرخص». توقف القطار فى أولى المحطات فى «بنها»، وغادر العشرات من الركاب القطار، وانخفض الازدحام، ولم يتبق ركاب واقفون سوى القليل، أما الباقى فبعضهم نام مستنداً برأسه إلى النافذة أو مفترشاً الأرض، وبعدها توقف القطار فى محطتَى قويسنا وبركة السبع التابعتين لمحافظة المنوفية على الرغم من أنه قطار محافظات وليس مراكز. يقف السيد محمد عطية، «55 عاماً»، أمام باب إحدى العربات من الداخل مستعداً للنزول فى محطة «طنطا»، موضحاً أنه عرف أن ذلك القطار هو نفس رقم أحد القطارين المصطدمين فى اليوم السابق من خلال ركاب القطار، وأنه ليس خائفاً من ذلك، قائلاً بنبرة هادئة وحزينة: «معنديش غيره أركبه أصلاً، والقطار ده بيوفر علينا مواصلات رايح جاى لأنى بركب من القاهرة لطنطا، وأنا بقبض 600 جنيه فى الشهر، هجيب منين لكل ده وأنا عندى بيت مفتوح وأولاد، ده اليوم اللى مش معايا فلوس فيه مش بقدر أروح الشغل، وساعات الكمسارى بيعدى عليا ومابيبقاش معايا فلوس وبقول له كده فعلاً، مش هكدب عليه». يصمت الرجل الخمسينى برهة ثم يستكمل حديثه عن قلق وخوف الركاب من ذلك القطار قائلاً: «الناس حتى لو خافت أو قلقت من السفر بالقطر ده ماعندهاش بديل تانى غيره، الناس عاوزه توصل للمكان اللى هى عاوزاه بأقل مبلغ ممكن، والمهم عندها إنها توصل».

يتوقف القطار فى محطة طنطا لينزل منه العشرات، يخلو بدرجة كبيرة، «الكمسارى» يخبر الركاب بأن محطة «دمنهور» ستكون نهاية سير القطار، موضحاً أن لديه تعليمات بذلك ولا يعلم ما إذا كان سيصل إلى الإسكندرية أم لا، يصيح أحد الركاب: «يعنى الحادثة من امبارح ولغاية دلوقتى مافتحوش الخط لحد الإسكندرية»، وفور وصول القطار لمحطة «إيتاى البارود» بالبحيرة يتوقف فى منتصف الطريق بدعوى أن الإشارة حمراء لمدة تصل إلى ساعة كاملة، ويعرب الركاب عن غضبهم من وقوف القطار، يضطر بعض الركاب لمغادرة القطار بسبب التوقف لمدة طويلة، مفضلين السير على الأقدام إلى أقرب موقف يستقلون منه سيارات ميكروباص إلى الإسكندرية، أما البعض الآخر فيلجأ إلى الجلوس خارج القطار على القضبان بالجهة المعاكسة.

يعاود القطار سيره لمدة ربع ساعة بسرعة منخفضة، ليتوقف بعدها أكثر من مرة، تصل إحداها إلى ساعة كاملة، يغادر غالبية الركاب لسيارات الميكروباص، وبعضهم انتظر طويلاً على الطريق ولم يجدوا أمامهم سوى سيارة نقل حملت العديد من ركاب القطار متجهة إلى الإسكندرية، ومن ضمن أفراد قليلين ظلوا فى القطار تامر الجندى، «33 عاماً»، جلس داخل العربة الأولى للقطار، التى حدث بها التصادم فى اليوم السابق، يعانى «تامر» من تأخر القطارات لأنه يعتمد عليها بشكل كبير فى رحلة الذهاب من منزله فى طنطا إلى مقر عمله فى الإسكندرية، مؤكداً أنه لم يكن يعرف أنه نفس رقم القطار، وأنه يتشاءم فى الأساس من رقم 13، وأنه استقل القطار الذى وجده أمامه على الفور لأنه لا يضمن متى سيأتى القطار التالى».

يبدأ توافد الركاب مرة أخرى بعد وقوف القطار فى محطة دمنهور وإبلاغ الركاب بأن القطار سيتجه مباشرة إلى «سيدى جابر»، ولكن مع كل مزلقان يتوقف القطار مدة لا تقل عن 15 دقيقة لحين غلق المزلقان. وعلق أحد الشباب بالقطار ساخراً: «أول مرة فى حياتى أشوف قطر هو اللى بيستنى فترة طويلة قدام المزلقان لحد ما يقفلوه، اللى اعرفه إن المزلقان بيتقفل قبل ما القطر يوصل أصلاً».

ومع غروب الشمس، يسود الظلام التام داخل عربات القطار نظراً لعدم وجود أى مصدر للإضاءة داخل العربات، حيث مرت 6 ساعات منذ قيام القطار من القاهرة، وتحولت العربات إلى مجموعة من كشافات الموبايلات، وفور رؤية الركاب للافتة مكتوب عليها «خورشيد» انتفض الجميع متجمعين أمام أبواب ونوافذ العربات لرؤية العربات المحطمة مكان الحادث الأليم الذى وقع فى اليوم السابق، وبالفعل وصل القطار إلى منطقة الحادث وهدأت سرعته، ونظر الجميع فى صمت تام أمام مشهد العربات المحطمة تماماً، ولم يكسر الصمت سوى بعض الكلمات على ألسنة الركاب: «لا حول ولا قوة إلا بالله». وفى نحو السابعة والنصف يصل القطار إلى محطة سيدى جابر بالإسكندرية، وتظهر البسمة على وجوه الركاب بوصولهم إلى الإسكندرية ممزوجة بحالة إرهاق وتعب نتيجة ثماني ساعات طويلة عليهم داخل القطار، وعقب الانتظار لدقائق يتحرك القطار متجهاً إلى نهاية مقصده وهى محطة مصر بالإسكندرية، ليصل إليها بعد مرور ما يقرب من ثمانية ساعات على الرغم من أن المدة المحددة له هى ثلاث ساعات وخمس دقائق فقط، وفور توقف القطار بالمحطة الأخيرة قام الركاب بتقديم التهانى إلى أنفسهم بشكل ساخر و«خفة دم» اشتهر بها المصريون قائلين: «حمدالله على السلامة يا رجالة»، «ده القناة عبرناها فى 6 ساعات»، «ده مش سفر ده جهاد».


مواضيع متعلقة