الرحلة 804 «كفر الشيخ- طنطا»: «شَدّة غُربال» ما بعد الكارثة.. انضباط فى المواعيد وجولات للأمن داخل القطار

كتب: محمود عبدالرحمن

الرحلة 804 «كفر الشيخ- طنطا»: «شَدّة غُربال» ما بعد الكارثة.. انضباط فى المواعيد وجولات للأمن داخل القطار

الرحلة 804 «كفر الشيخ- طنطا»: «شَدّة غُربال» ما بعد الكارثة.. انضباط فى المواعيد وجولات للأمن داخل القطار

بين صفوف غير منظمة للبائعين «فاكهة ومسليات وخضراوات»، العالقين أمام مدخلها الرئيسى، يمكن لراغبى ركوب القطار من محطة كفر الشيخ الوصول إلى المدخل الرئيسى المفتوح على مصراعيه للعبور من البوابة الإلكترونية، التى تعمل دون أفراد الأمن المكلفين بالخدمة عليها، والذين ركنوا إلى ناحية هادئة تاركين صفارة البوابة لا تتوقف دون استيقاف عابريها.

من موظف التذاكر، علمنا أنه لم يتبقّ سوى قطار واحد فقط سيتجه من كفر الشيخ إلى محطة طنطا نظراً لأن «الدنيا بايظة والقطارات ما بتوصلش فى ميعادها بسبب الحادثة بتاعة إسكندرية»، ثم أرشدنا إلى الخروج من المحطة واستقلال سيارة ميكروباص «لو مستعجلين ومش عاوزين تتأخروا، الناس على المحطة بقالهم ساعتين، عشان فيه قطارات متأخرة»، اشترينا تذكرة بجنيهين، واتجهنا إلى الرصيف فى انتظار وصول القطار.

قبل السادسة مساءً بعشر دقائق، دخل القطار رقم 804 إلى رصيف محطة كفر الشيخ، فقام أحد العاملين بالمحطة بالنداء على الركاب المتأخرين لركوب القطار: «الناس المتأخرة كلها تركب عشان مش ضامنين ظروف القطارات التانية، كله يركب لحد طنطا، وهناك ربنا يدبرها لكم».

{long_qoute_1}

لم يمكث القطار داخل المحطة أكثر من بضع دقائق، نزل من فيه فى تعجل، وهم فى حالة ضيق، نتيجة عدم انتظام حركة القطارات، الأمر الذى دعا أحد الركاب وأصدقاءه للنزول من أجل استقلال سيارة أجرة إلى القاهرة، حتى لو كلفهم ذلك الأمر المغامرة بوقتهم «هنتأخر إيه أكتر من اللى اتأخرناه، القطار بيوقف كل عشرين متر، وعلى ما يوصلنا مصر هيكون النهار طلع».

يتدافع ركاب المحطة المنتظرون على رصيفها للركوب، ومعهم حمولاتهم المتعددة، يستقر كل فى مكانه، وتظل هناك مقاعد خالية فى القطار، بعد لحظات من تحرك القطار فى تمام السادسة، يظهر كمسرى ليحصل ثمن التذاكر، يبادر بالسؤال عن تذاكر الركاب، يسأله البعض جادين: «هنوصل ولا هتموتونا»، لتبدأ حلقة نقاشية بينهم، يحسمها الكمسرى بقوله: «يا جماعة.. إحنا معاكم فى القطر أنا والسواقين والأمن، واللى هيجرى لكم هيجرى لنا، هو أنا هلم التذاكر وأنزل، إحنا آخر ناس بننزل من القطر»، ثم قام بالدعاء من أجل سلامة الوصول، والرحمة لمتوفى حادث الإسكندرية، فردد خلفه الركاب.

فى مجمع محطات غربلة سخلة، يتوقف القطار للمرة الأولى، يتبادل ركابه الصعود والنزول دون زحام، ويظل مصطفى حجاج، أحد الركاب، حاجزاً مكانه على باب القطار، نسأله عن سبب عدم الجلوس، فيقول: «خلينا هنا على الباب، القطارات مبقتش مضمونة، أهو لو حصل حاجة نلحق نرمى نفسنا بدل ما نروح فى الرجلين زى اللى راحوا»، عاودناه الحديث عن قدرية الأحداث وأن «اللى له نصيب فى حاجة هيشوفها»، فأجابنا، بأن «الناس مرعوبة من ساعة حادثة إسكندرية، وكله خايف، وجايين نركب واحنا مرعوبين»، وعندما سألناه عن سبب عدم ركوبه سيارات أجرة طالما انتابه الخوف من القطارات، فقال إن محطة القطار التى ينزل فيها تبعد خطوات قليلة عن منزله، لذلك قام بعمل اشتراك قطار بمبلغ 120 جنيهاً لكل ستة أشهر، يسمح له بالركوب يومياً بين محطتى «كفر الشيخ»، و«قلين» ذهاباً وعودة، ما يوفر له أجرة الميكروباص البديل التى ارتفعت إلى 4 جنيهات، ما يعنى أنه فى حاجة إلى مبلغ 10 جنيهات يومياً، وهو ما يصعب عليه نظراً لحالة الغلاء العامة التى يعانى منها الغالبية العظمى.

ينتهى حديثنا مع «حجاج»، الشاب الثلاثينى، قبل لحظات من دخول القطار لمحطته الثانية «أمية» ليتكرر مشهد صعود ونزول الركاب فى هدوء دون تزاحم، حتى نصل إلى محطة محلة موسى، التى تخضع لعمليات الإحلال والتجديد بشكل كامل، دون توفير بديل للركاب المنتظرين فوق رمال و«دبش» الإصلاحات، ليتكرر الأمر نفسه فى محطة الحميدية، التى تخضع هى الأخرى للتجديد، الأمر الذى دفع الركاب للنزول فى الناحية الأخرى والعبور على القضبان، رغم تحذيرات فرد الأمن الواقف على رصيف المحطة، ومع كثرة أعداد المارين فوق القضبان، اضطر فرد الأمن لتحويل وجهه للناحية الأخرى.

سار القطار بشكل طبيعى على قضبانه الممتدة وسط الزراعات والأشجار، التى تضرب الجالسين على مقاعده الملاصقة للنوافذ، لم يقف خارج المحطات الرئيسية المخصصة لوقوفه، ولم يشهد حدوث أى نوع من المشكلات بداخله، فى الوقت نفسه الذى خلا فيه من الباعة الجائلين، الذين لم يظهر أى منهم طوال الرحلة، حتى استقر فى محطته الوسطى «قلين» وهناك أخبر العاملون فى المحطة الركاب بأن «اللى عاوز يشترى مية ولا يشرب شاى ينزل القطار هيخزن لمدة ربع ساعة وبعدين هيتحرك».

أغلق سائق القطار، ومساعدوه، كابينة القيادة داخل الجرار عليهم، رافضين الحديث، ثم قام بإطلاق صفارة التحرك أكثر من مرة، لتجميع الركاب، الذين نزلوا لقضاء حوائجهم، وبعد مكوث بضع دقائق على رصيف محطة قلين، انطلق بقطاره متجهاً إلى المحطة التالية قلين البلد، وسط تسارع بعض الركاب للحاق به، ما دفع السائق للانتظار لبضع ثوان مرة أخرى حتى انتهى ركوب المتأخرين.

صافرات القطارات المقابلة لا تتوقف، يصاحبها، جولات مستمرة لأفراد الأمن بامتداد القطار، فى الوقت نفسه الذى يقوم فيه موظف أو اثنان من العاملين بالمحطات التى يمر بها القطار بالصعود إليه والنزول بعد إلقاء نظرة عامة بداخله، وبين صعود ونزول الركاب فى المحطات التى تخلو من اللافتات التعريفية حتى باسم المحطة، دخل القطار «التخزين» قبل محطة طنطا، فى تمام الساعة الثامنة و25 دقيقة، أى بعد ساعتين ونصف الساعة، فنزل عدد كبير من الركاب على القضبان بين حركة القطارات التى جاءت إلى طنطا من رحلات مختلفة، معللين ذلك بأن «القطار هيوقف له ييجى نص ساعة لحد ما يلاقى رصيف يدخل عليه، إحنا هنعدى السكة الحديد وهناخد أى حاجة من على الطريق ونروح فى دقيقتين».


مواضيع متعلقة