نقابة ضباط الشرطة إلى الرئيس: طهّر "الداخلية" قبل ما يقضوا على مستقبلنا
فى الثامن والعشرين من يناير، جمعة الغضب، نزل إلى ميدان التحرير مع جموع الغاضبين، وقاد مظاهرة بزيه الملكي، للمطالبة بإسقاط النظام، وتطهير وزارة الداخلية التى يعمل بها. أعلن تأييده للثورة منذ يومها الأول، دون خوف من أي عواقب يمكن أن تقع عليه، نظرًا لطبيعة عمله، التي أجبرت الكثير من زملائه على الوقوف مع النظام ضد الثورة فى البداية.[Quote_1]
هو الرائد أشرف البنا، أحد ضباط مديرية أمن القاهرة، الذي تعرض لضغوط كثيرة وتعسف إداري منذ بداية ثورة يناير وحتى اليوم، لم يتراجع عن هدفه ومطالبه بتطهير "الداخلية" وإصلاح الجهاز الشرطي واصفا إياها بـ"قضيتي التي أحملها فوق كتفي".
ويروي البنا، أحد مؤسسي النقابة العامة لضباط الشرطة (تحت التأسيس)، لـ"الوطن"، حكاية عام ونصف من التظاهر والاحتجاج من أجل تطهير الوزارة، عانى خلالها من التعسف.
يقول: "في 14 فبراير من العام الماضي، نظم عدد من ضباط وأفراد الشرطة مسيرة من أمام قسم الدقي لميدان التحرير ثم وزارة الداخلية في مبادرة أطلقوا عليها "المصالحة والمصارحة مع الشعب، حسينا إننا اتحاسبنا لوحدنا على أخطاء النظام، وبعد ذلك قام عدد من الضباط بإنشاء صفحات مختلفة على "فيسبوك" للمطالبة بإصلاح جهاز الشرطة، وهنا جاءت فكرة الائتلاف، يوم 4 مارس 2011، "الائتلاف العام لضباط الشرطة" لتوحيد جهودهم في هذا الائتلاف الذي يضمهم جميعا من مختلف المحافظات".
وتابع البنا: "كانت اجتماعات الائتلاف تتم في دار الضيافة بنادي الشرطة بمدينة نصر (أمام مقر جهاز أمن الدولة)، وقابلنا اللواء محمود وجدى واللواء منصور العيسوى، وزيرى الداخلية السابقين، لبحث مشكلات الضباط وجهاز الشرطة بالكامل، وبدأنا حضور مؤتمرات وندوات نظمتها القوى السياسية والثورية لعمل مصالحة بين الشعب والشرطة، ولم يكن معنا أى من القيادات، كنا نحو 2500 ضابط من رتبة ملازم أول حتى عميد".
واستمر نشاط الائتلاف لنحو سنة من تاريخ إنشائه، دون وضع "قانوني"، بحسب ما أوضحه البنا، الذي قال: بدنا التفكير في أن يكون نادي الشرطة كيان قوي على غرار نادي القضاة، يكون بالانتخاب ويدافع عن أعضائه ويكون سندا لهم ضد أي تعسفات من قبل وزارة الداخلية، لكن تم رفض الفكرة، والقول بأنه في حال تأسيس النادي لهذا الغرض، فسيكون مدير أمن كل محافظة هو مدير النادي بالتعيين، ورفض الضباط هذه الفكرة "لأنها لن تغير شيئا" ولرغبتهم فى أن يكون لكل رتبة ممثل عنها بالانتخاب، ومع البحث، ظهرت فكرة "النقابة العامة لضباط الشرطة".
وفي 24 يناير الماضي، تم تقديم أول طلب لوزير القوى العاملة والهجرة لإنشاء النقابة، ثم أرسلوا إنذار "على يد مُحضر" إلى المشير طنطاوي ووزير الداخلية ورئيس المجلس الأعلى للشرطة ورئيس الحكومة ورئيس مجلس الشعب بصفتهم، لكن تم حل مجلس الشعب قبل أن يتخذ قرارا بشأن إصدار قانون يتيح لهم إنشاء النقابة، ولم يحدث شيء.
وفي 4 مارس تم تنظيم حفل لتدشين وانطلاق النقابة العامة لضباط الشرطة، في مركز الأزهر الدولي للمؤتمرات بمدينة نصر، وأعلن في المؤتمر تجميد الائتلاف العام واتخاذ الإجراءات القانونية لتأسيس النقابة.
وبعد محاولات جاهدة من قبل الداخلية لإقناع الضباط بالتراجع عن هذه الفكرة، تم تحويل كل من المقدم محمد نبيل عمر الضابط بمصلحة أمن الموانئ وأمين عام النقابة، والرائد أشرف البنا، الأمين المساعد، إلى محكمة تأديبية لمخالفتهم الأوامر بعدم إقامة الحفل، "بالرغم من أنه ليس عملا خارجا عن القانون"، حسب ما أكده البنا، وتم إيقاف الضابطين عن العمل مدة ثلاثة أشهر، ولكنهما استأنفا الحكم، فتم إيقاف العقوبة حتى تصدر محكمة الاستئناف قرارها النهائي.
الرائد أشرف البنا، 45 عاما، متزوج ولديه من الأبناء بنتان وولد، قال في حديثه مع "الوطن"، "في حال إقرار العقوبة، سيتم إيقافهما عن العمل خلال المدة المقررة، بخلاف العواقب المعنوية، سوف أحصل على نصف راتبي الأساسي، دون الحوافز وما شابه، نحو 420 جنيها، أي أنني سأعيش طيلة الثلاثة أشهر بـ 210 جنيهات شهريا"، ولكنه أضاف مشددا "ليست العواقب المادية هى التي ستجعلنى أتراجع".
وأكد البنا على أن جميع خطواتهم قانونية، قائلا "مستمرين فى اجتماعتنا ومعنا نحو 6000 ضابط على مستوى الجمهورية"، مؤكدا أن العدد أكبر من ذلك ولكن "إرهاب القيادات" يجبر الكثيرين من الضباط الشرفاء على التراجع، أو الانتظار حتى تظهر نتيجة المحاولة كاملة، خوفا من العواقب أو التعرض لمثل ما يتعرض له بقية الضباط.
وخلال اجتماعاتهم، رحب المؤسسون والأعضاء بضم جميع أفراد الشرطة داخل النقابة، دون قصره على الضباط وحدهم، وتم عرض مشروع النقابة على "الائتلاف العام لأمناء الشرطة"، لكنهم رفضوا وأعلنوا تشكيل نقابة خاصة بهم، بحسب ما أكده البنا مشيرا إلى أنه يجوز إنشاء أكثر من نقابة خاصة بالشرطة.[Quote_2]
وبدأ التعامل مع القضية على أنها أمر مفروغ منه، وتم وضع مشروع قانون للنقابة كأي نقابة لها لائحة تنظمها، وتضمن قانون النقابة أهدافا عدة أهمها تحسين شروط وظروف العمل الشرطي، والدفاع عن مصالح أعضائها من الضباط وحماية حقوقهم جميعًا دون تمييز. وقال الرائد أشرف البنا، "إن هذه النقابة لن تعمل فقط من أجل الشرطي، ولكنها تهدف أولا إلى مصلحة المواطن".
يوجد الآن في كل محافظة 5 ضباط مسؤولين عن النقابة في محافظتهم، ويتم التواصل بين المحافظات عن طريق الهواتف أو "فيسبوك"، وتم عمل اجتماع منذ نحو أسبوعين فى نادي الشرطة، حضره 150 ضابطا لبحث المشكلات التي يواجهونها، ومعهم بعض الحقوقيين الداعمين لهم، مثل "لجنة الحريات بنقابة المحامين، المستشار محمد الدماطي وكيل نقابة المحامين، والشبكة العربية لحقوق الإنسان"، وأضاف البنا أنه "جار التواصل مع محمد عبد القدوس، مقرر لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، لعرض المشكلة عليها".
وعلى غرار ممارسات جهاز أمن الدولة قبل ثورة 25 يناير، قال البنا إنهم يلاحظون وجود بعض المندسين داخل الاجتماعات لنقل كل ما يحدث داخل الاجتماع والخطوات التى سيتخذونها إلى القيادات، ويظهرون بشكل الراغبين في الدخول والاشتراك في النقابة، لكننا نتعامل بشكل عادي ونرد على جميع أسئلتهم، "ولن ننظم اجتماعات في الخفاء فنحن نمارس حقنا بشكل قانوني ولا سرية في الموضوع".
واعتبر البنا، أن هذه النقابة "سوف تصب في مصلحة المواطن أولا وأخيرا، فالضابط الذي كان يأخذ التعليمات بتزوير الانتخابات أو حبس وتعذيب أي مواطن، لم يكن يستطيع مخالفة التعليمات، وإذا فعل فسوف يتم التنكيل به، أمّا في حال وجود نقابة فسيكون للضابط من يدافع عنه من خلال الجهات القانونية داخل النقابة، ولن يخضع لأوامر الداخلية الخارجة عن القانون".
وبخلاف قرار المحكمة بإيقافهما ثلاثة أشهر عن العمل، تتوالى الخصومات يوما بعد يوم من راتبه، ففي البداية تم خصم ثلاثة أيام لظهور البنا على القناة الثانية المصرية دون إذن من وزارة الداخلية، واعتبر البنا أن هذا حقه الذي يكفله له الدستور، فهو لا يصرح بأسرار العمل ولكنه يطالب بحقه ويعبر عن رأيه، طبقا للمادة 47 من الدستور المصري، التي تنص على "حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون، والنقد الذاتي والنقد البناء ضمان لسلامة البناء الوطني".
وبعد ذلك خصم يومين للظهور على قناة النهار الفضائية، ثم 5 أيام للتصريح لموقع "نريد" بحوار صحفي، بالرغم من تأكيد البنا أنه لم يصرح لهذا الموقع بأى شئ، وقد يكون الموقع نقل كلام على لسانه، ثم آخرها منذ أيام، حيث تم خصم 7 أيام من المرتب "لاتهامه بنشر صورة لـ (حياة الدرديري)، مذيعة قناة الفراعين، على "فيسبوك"، مع اثنين من أمناء الشرطة بقسم ثان القاهرة الجديدة أثناء تواجدها هناك مع توفيق عكاشة، بعد القبض على نجله بتهمة حيازة "الحشيش" في مدينة الرحاب، ونفى البنا قيامه بنشر الصورة، ولكنه تصادف نشر هذه الصورة على صفحة الائتلاف العام لضباط الشرطة، وهو ليس "أدمن" بهذه الصفحة.
وبلهجة التهديد، سمع "البنا" الكثير من قيادات الداخلية مثل "حاول تشوف شغلك أحسن"، "بلاش تعرض نفسك لمخاطر كتير في مستقبلك"، ولكن البنا كان رده دائما "دي قضيتي وهفضل شايلها فوق كتفي ومش هتراجع"..
ولـ"الوطن"، قالت زوجة البنا "إحنا تعبنا ونفسنا نعيش حياة طبيعية، جزاءات باستمرار وتهديدات وبقيت خايفة وحاسة إن مافيش أمل"، وبالرغم من اقتناع البنا بكلام زوجته، خصوصا فى مسألة أن القيادات "مش هيسيبوه فى حاله"، إلا أن الأمل لازال بداخله، خاصة بعد انتخاب الرئيس محمد مرسى رئيسا للجمهورية".[Quote_3]
وطالب البنا من الرئيس الجديد محمد مرسي، أن ينظر إلى قضيتهم بعين الاهتمام، وما يتعرضون له من ضغوط، موجها له رسالة من خلال "الوطن": "لو ملحقتناش انت والقيادات الشريفة، هيقضوا علينا وعلى مستقبلنا وأولادنا، أملنا في أن تحتضن ضباط الشرطة الشرفاء وتبدأ بتطهير الوزارة بتعيين وزير داخلية "شريف"، فالناس على دين ملوكهم، وإذا كانت الرأس شريفة فسوف يكون كل النظام هكذا".
تخيل الرائد أشرف البنا أسوأ سيناريو يمكن التعرض له قائلا "التلفيق، مجازاتنا، هيفصولنا، كما فصلوا ضباط جنوب أفريقيا وفى الآخر قدروا يأسسوا النقابة فى بلادهم، اعتقلوا ضباط الأرجنتين وفى الآخر أسسوا النقابة غصب عن النظام"، مؤكدا "سنلتزم بأحكام القضاء ونثق في الدكتور محمد مرسي والقيادات الشريفة".
يبقى أمل مؤسسي النقابة وداعميهم في أن تصدر محكمة القضاء الإداري، فيما يخص القضية التي تم رفعها على رئيس البلاد ووزير الداخلية، قرارا بأحقية الضباط في أن يكون لهم نقابة خاصة بهم، ومن ثم تقوم الجهات المعنية بإصدار قانون يتيح لهم إنشاء النقابة.