نص نادر لـدرويش عن محفوظ: نحج إليه لنحيي أنفسنا جالسين بحضرة أسطورة
نص نادر لـدرويش عن محفوظ: نحج إليه لنحيي أنفسنا جالسين بحضرة أسطورة
- نجيب محفوظ
- محمود درويش
- أدب
- شعر
- رواية
- فن
- أثر الفراشة
- النيل
- حرافيش
- نجيب محفوظ
- محمود درويش
- أدب
- شعر
- رواية
- فن
- أثر الفراشة
- النيل
- حرافيش
سحابة تلقي السلام على المطر الذي سبقها وغاب.. هكذا ودع محمود درويش، أحد أهم شعراء العرب في العصر الحديث، صاحب الرواية العربية نجيب محفوظ في نص بديع ضمّه كتاب "أثر الفراشة"، الذي صنفه "درويش" باعتباره "يوميات".
ويحكي "درويش" في النص الذي عنوانه "في مركب على النيل"، أنه كان من رواد جلسة الكاتب الكبير على النيل، مدققا في أهم تفاصيله: السيجارة في موعدها.. القهوة.. سمعه الضعيف.. ضحكته الصاخبة.. كلام عن الدنيا التي لا نعرف.. أسلوبه في السرد معتمدًا على دأب النمل..
"الوطن" في احتفائها بأديب نوبل في ذكراه الـ11، تنقل النص الكامل الذي كتبه محمود درويش عن واحد انتبهت الحياة إلى نقصانها بدونه..
"في مركب على النيل"
مركب على النيل. يوم الثلاثاء. قهوة وشاي ودخان سجائر. وكلام عن الدنيا التي لا نعرف غيرها. أما ما يتخيله كل واحد من المتحلقين حول نجيب محفوظ عمّا وراء الدنيا، فيتقاسمه سرا مع طيورتحلق فوق نهر الأبدية. وهو، هو المستمع بأذن انتقائية، تأخذ الكلمات وقتها في الوصول إليه، لا يريد للمريدين أن يفسروا كلامه المتقشف بأكثر مما فيه. يعرف من المدائح ما يكفي ليجعل العبث زهدا. ولا يريد لأحد أن يحدق إلى صنم أو منحوتة. لكننا نحج إليه، لا لنعرفه... فقد امتلأنا برواياته وتقمصنا شخوصها، بل لنحييه على ما كتب، ولنحيي أنفسنا جالسين بحضرة أسطورة حية خرجت من مخطوطة فرعونية. رأيت نساء قادمات من أقاصي حرف الضاد يقبلن يده، فيخجل ولا يعرف السبب، كأنه هو ولا هو في آن واحد. ثم يضحك ضحكة عالية، ويطلب سيجارة حان وقتها ليبدد بسحابة دخانها قداسة لا يصدقها ماكر مثله، وللناس التأويل. عاش ليكتب. ومنذ طعنه خنجر في الرقبة تخلى عن سرد التفاصيل بدأب النملة، واختار تقطير النحلة. من يومها، ونحن نجيء إليه مودعين، فالحياة انتبهت إلى نقصانها وسئم الموت التأجيل... دون أن نشي بذلك، ونحن من حوله في مركب على النيل، يوم الثلاثاء! لكن يوم الثلاثاء لم يعد موعدنا!