حكايات من بيوت أصحاب «العين بصيرة والإيد قصيرة»
حكايات من بيوت أصحاب «العين بصيرة والإيد قصيرة»
- أجهزة كهربائية
- أدوات منزلية
- إيصال أمانة
- التخلص منه
- الحق فى الحياة
- الشئون الاجتماعية
- الليل والنهار
- المحلة الكبرى
- بنى سويف
- جمعيات خيرية
- أجهزة كهربائية
- أدوات منزلية
- إيصال أمانة
- التخلص منه
- الحق فى الحياة
- الشئون الاجتماعية
- الليل والنهار
- المحلة الكبرى
- بنى سويف
- جمعيات خيرية
أظلمت الحياة أمامهن، والطريق أصبح مسدوداً، ولم يعد هناك شعاع نور أو أمل ولو بسيطاً، هن سيدات كانت كل أحلامهن هى الحق فى الحياة، فمن أجل جهاز بنت من بناتهن، أو نتيجة الوقوف بجانب أزواجهن كانت التضحية بحريتهن، ودون علم بما سيحدث خلال الأيام المقبلة، ولا فهم للأوراق التى أمامهن، ضحت المرأة البسيطة، تمسك إحداهن بالقلم وتوقع على شيكات أو كمبيالات أو إيصال أمانة، أو تبصم بصمة لتجد نفسها بعد شهور قليلة فى السجن مع أخريات وقعن فى نفس المصير التعيس، بسبب عجزهن عن سداد ما عليهن من مبالغ بسيطة.
يوم 14 ديسمبر 2008، لا تنساه الممرضة فكرية أحمد، فيه فقدت حريتها، عندما دخلت سجن دمنهور وهى تردد «حسبى الله ونعم الوكيل» قالتها كثيراً طوال الليل والنهار، لم تنم بسبب الخوف والألم والتفكير فى المجهول، اليوم يمر وكأنه سنة، كل يوم تسأل نفسها: «هل كنت مخطئة عندما ضمنت زوجى وشقيقه لشراء العربة النصف نقل ليعمل عليها؟»، كانت هى الوحيدة التى تصلح أن تكون ضامناً بسبب وظيفتها الحكومية كممرضة، وعندما تعثروا فى تسديد المبلغ، كان مصيرها السجن، بعد حبس زوجها قبلها بشهور.
{long_qoute_1}
كانت تعد الأيام حتى وصل العد إلى 3000، يومها قالت: «كل يوم اتعلمت فيه، والحصيلة 3000 درس، كانت أيام صعبة قوى، حكم النفس على النفس وحش، اليوم كان طويل عليّا بين 4 حيطان، ومظلومة»، ما هون عليها مصيبتها هو حكايات الغريمات زميلاتها بالحبس، هناك رأت واحدة دخلت السجن بسبب عدم قدرتها على دفع ثمن ثلاجة، وأخرى بسبب وصل أمانة عند شراء غسالة، كانت تردد بقهر: «يا ريت حد يقف معاهم، الستات ضامنين رجالتهم عشان تعيش فى ستر، وضامنين نفسهم عشان جهاز لبناتهم، فيه ستات مظلومة يا عينى».
8 سنوات و4 أشهر خرجت بعدها من خلف الأسوار للحرية فى يوم 1 مايو 2016، ولكنها واجهت معاناة أخرى، الحياة اختلفت والناس تغيرت، زوجها ما زال فى الحبس وشقيقه توفى، تساءلت: «هعيش إزاى وأعمل إيه؟، فعلاً فيه ناس وحشة، فيه اللى دارت وشها عنى، مش عارفة الناس اتغيرت ليه، يمكن عشان أنا كنت كويسة معاهم وبدى المحتاجة، ودلوقت مش عارفة أدى حد، أنا اللى محتاجة؟ حتى الإخوات، ده لا قريب ولا حبيب، فبعدت عن الناس خالص».
كان أول ما فعلته بعد خروجها هو هرولتها نحو ابنتها التى تركتها وهى فى سن الـ14 عاماً، وكانت تراها كل فترة فى جلسات المحاكم، حضنتها وهى تبكى: «كنت بحضنها وأنا مش عارفة هعيش فين وأروح لمين، هى كانت مطلقة من جوزها ومعاها عيالها، وولاد الحلال جابولى سرير فى أوضة ورُحنا عشنا فيها»، كانت تحارب من أجل الحياة فى أكثر من اتجاه: «لقيت عليّا قضية شيك فيهم، يعنى 18 ألف جنيه لازم أسددهم، ولو مادفعتش يحبسونى، أصل أنا والله كنت ماضية ماعرفش على إيه ولا بكام ولا أى حاجة، لكن المرة دى ربنا وقف لى ولاد حلال دفعولى اللى عليّا»، بعدها رفعت قضية من أجل العودة لعملها، تردد وتخبط الكف على الكف: «ده حقى ما دامت مش مخلة بالشرف»، فكرت كثيراً وسهرت الليالى وخافت منها: «هاكل واشرب منين؟ وأنا عندى 55 سنة»، فقامت بتسوية معاشها، وبعد 26 سنة خدمة، كانت مكافأتها لنهاية الخدمة 8686 جنيهاً، ومعاشاً شهرياً يساوى 640 جنيهاً، تدفع منها 400 إيجار، بالإضافة لمصاريف المياه والكهرباء، وفى النهاية تعمل الآن ممرضة فى عيادة طبيب بالمنصورة، وبعد تلك التجربة الشاقة القاسية التى غيرت فيها واكتشفت تغيير الناس من حولها، تدعى «فكرية» يومياً على كل ظالم وتردد: «حسبى الله ونعم الوكيل»، وتدعو لكل غارمة وتردد: «يا رب انت العالم بحالهم».
{long_qoute_2}
أما زينب محمود، 69 عاماً، التى تعيش فى قرية سنبارة بمنطقة المحلة الكبرى، فكان كل همها هو شراء جهاز لابنتيها، وصل ثمن المشتريات التى تتكون من أدوات منزلية وكهربائية إلى 23 ألفاً و100 جنيه لم تستطع سدادها، تمر الأيام والسنين ويزداد الهم والعمر، ويزداد معهما الخوف على نفسها وعلى بناتها، مرت 5 سنوات وهى تعيش فى نفس المرار تعثرت عن السداد للدائن، فتم تقديم الشيكات التى مضت عليها لمحام الذى قام بدوره ورفع قضية، فجاءت الإنذارات متتالية على منزلها.
يأتى كل إنذار ويجلب معه الرعب فى نفس «زينب»، المريضة بفيروس سى، ظلت تبكى حاولت السلف دون جدوى، خاصة أنها تعيش تحت خط الفقر، وفى النهاية توصلت لمتطوعين جمعوا المال وسددوا دينها بعد أن كان بينها وبين السجن أيام معدودة.
فى الوقت الذى نجحت فيه «زينب» فى الحصول على المبلغ المراد تسديده من متطوعين، فشلت نعمة محمد نجار صلاح فى ذلك، وهى امرأة من أسوان، تحديداً من مدينة كوم أمبو، كان كل همها هو شراء ثلاجة وبوتاجاز من أجل جهاز ابنتها «منى»، تكلفتهما 5000 جنيه، ولكنها لم تستطع سدادها، فليس لها دخل سوى معاشها من الشئون الاجتماعية، الذى يساوى 320 جنيهاً شهرياً، بحثت كثيراً عن متبرع أو متطوع يخلصها من الهم الذى لم تستطع التخلص منه، دارت فى أماكن عدة، نزلت القاهرة على أمل الخلاص بلا أى جدوى، تتحدث مع الناس وتحكى مشكلتها وهى تمسك مجموعة أوراق فى يدها: «ولا حاجة يا ولدى، أنا عليّا 5000 جنيه، ماقدرتش عليهم، قالولى هاتى 3000 جنيه ونتصالح، وأنا ماعرفتش أحضر حاجة منهم، مش معايا، وماقدرش أشتغل أنا عندى 62 سنة، وولادى مش موظفين حكومة بيشتغلوا يوميات يشيلوا ويحطوا».
تظل تحكى الأرملة الستينية بطريقة عشوائية، مرة عن الخوف، مرة عن الألم، أحياناً ترفع صوتها من الحزن، وأحياناً تخفضه، وفى نصف الكلام تردد: «ما أنا لو مادفعتش هتحبس تانى لنفس السبب، أنا خايفة أصلاً، أنا حبسونى قبل كده 18 شهر وجربت مراره وطلعت من القضية سنة 2013 ومن وقتها بعانى تانى».
فمن أجل ابنتها بصمت منذ سنوات على 37 كمبيالة: «أنا ماعرفش حاجة وماعرفش أكتب ولا أقرا، ما هو أنا لما خرجت من الحبس بعد انقضاء المدة، الموضوع اتجدد الـ37 وصل أمانة، يعنى مثلاً قضينا دى يطلعوا علينا دى، ودى، وأنا فى دايرة مش عارفة آخرها»، لم تسكت، لم تيأس بحثت فى كل مكان عن مساعد، دارت حول جمعيات خيرية مختلفة: ماخلتش، وحسبى الله ونعم الوكيل»، ظلت تقاوم، تعارض وتستأنف: «خايفة طبعاً أنا اتذليت واتبهدلت وعيالى اتبهدلوا، ظلم وأنا مش عايزة أعودها تانى، أنا مهددة يا ولدى، أنا وعيالى مش قادرين نمشى، ولا خال ولا عم ولا أب».
سنوات الحبس الأولى كانت ذلاً ومراً: «ده لا عدو ولا كافر يقدر يتحمل الحبس، خايفة أصل الحبس جه عليّا قوى»، كلما تتذكر تلك الأيام يزداد همها حتى أصابها المرض: «بيجيلى نزيف باستمرار من الزعل والضغط»، كل ما تحلم به «نعمة» هو توفيرها لمبلغ الـ3000 جنيه، ثم عمل التماس، وتحديد جلسة للتصالح، لينتهى ذلك الكابوس الذى يهددها هى وأبناءها الـ5: «مش أنا وحدى دى البلد بحالها، أكتر الستات اتحبسوا بكده، حسبى الله ونعم الوكيل».
أما فريدة عيد، 63 عاماً، فكانت تودع بناتها من داخل الحبس الذى قضت فيه من مدتها 4 أشهر حتى الآن، قالت لهن فى أول اللقاء: «ماتخافوش عليّا أنا كويسة»، ولكنها لم تقدر على إخفاء الحزن والانكسار والتعب عنهن، فآلام الضغط والتعب النفسى كان واضحاً عليها، وهو ما لاحظته بناتها.
«ماما حزينة، بس مش عايزة تقول عشان مانزعلش، هى مؤمنة بربنا، بس إحنا شايفين حالتها مش مستنيين تقول»، قالتها «آيات»، بعد عودتها لمنزلها بكفر درويش بمنطقة الفشن التابعة لبنى سويف. 44 ألف جنيه لتجهيز ثلاث بنات هو سبب الحكم بالحبس، فالأب متوفى، ولا حيلة للأم لزواج بناتها إلا الشراء ومحاولة السداد: «أمى اللى جريت عليّا أنا وأخواتى، وعشان خاطرنا مضت على أكتر من وصل أمانة دخلت بسببهم 3 سنين حبس عشان تجيب أجهزة كهربائية زى تلاجة، بوتاجاز وغسالة، إحنا فى بلد أرياف والمساعدات قليلة»، بحثن عن جمعيات خيرية لمساعدتهن ولكن يأتى الرد: «الدور عليكم مش دلوقت قدامكم ييجى سنة عشان فيه ناس قبلكم».