ريتشارد شتراوس.. أحد العظماء «المغضوب عليهم»

كتب: محمد أشرف

ريتشارد شتراوس.. أحد العظماء «المغضوب عليهم»

ريتشارد شتراوس.. أحد العظماء «المغضوب عليهم»

تحفل صفحات التاريخ بالشخصيات العظيمة التي تركت بصماتها الخالدة العظيمة في شتى المجالات، ويصادف اليوم ذكرى رحيل الملحن الألماني ومؤسس المدرسة الحديثة في الموسيقى الأوبرالية «ريتشارد شتراوس».

وُلد «شتراوس» في ميونيخ عام 1864، وتوفي في مثل هذا اليوم من عام 1949، ويعتبر من أكثر عظماء التاريخ الذين تعرضوا لظلم كتب التاريخ، رغم ما قدمه لنا من أرشيف فني لم يستطع الكثيرون حتى من ذوي الأسماء المتجلية في التاريخ تقديمها.

كان الملحن الألماني ينتمي لعائلة موسيقية من الدرجة الأولى، فكان والده «جوزيف»، عازف «الهورن» الرئيسي في أوركسترا بلاط ميونيخ، ما جعله يتلقى دروسًا في العزف منذ سن الرابعة، وحتى إنه تلقى دروس النظريات الموسيقية من سن الحادية عشرة، فانضم للصفوف الخلفية لأوركسترا من الأعظم على الإطلاق في ألمانيا والعالم وهي الخاصة بمدرسة «لودفينج»، وعزفت له أول رباعية وترية في سن 16 عاما وهو رقم مذهل للملحنين من بعده.

قدم «شتراوس» 15 عرض أوبرا أهمها «المرأة الصامتة» و«دير روزينكافيلير» و«هيلينا المصرية»، وعرضي باليه، كونشرتو للكورنو، كونشرتو للفيولينة، والعديد من الأغاني والمؤلفات الصغيرة للبيانو، وثلاثة سيمفونيات، أهمهم على سبيل المثال «سبراش زاراثوسترا» و«الموت والتجلي» و«الدون جوان" و«ميتا مورفوزين».

ورغم كل ما قدمه من أعمال فنية عظيمة التي لا تخفى على أحد حتى الحاقدين منهم، إلا أن التاريخ قرر أن يكشف وجهه الآخر له في آخر أيامه، فإذا قمت بجولة تاريخية في الصفحات، تجد أن العديد من المؤرخين والكتاب ذكروه في كتاباتهم بأنه «الملحن النازي» و«مناصر الديكتاتور» ووصل بهم الأمر لأن وصفوه بـ«شيطان الموسيقى»، مشيرين بذلك للحادثة التي وقعت في عام 1933 حين أقام النازيون حفلًا كان من المرتب فيه أن يقود الملحن «أرتورو توسكانيني» أوبرا «بارسيفال» للملحن الألماني العظيم «فاجنر»، لكن «توسكانيني» كان يشتهر في تلك الحقبة الزمنية بمواقفه وأفكاره المعارضة تمامًا للحكومات الفاشية في ألمانيا والنمسا وإيطاليا، فرفض التعاون مع النازيين واعتذر عن الحفل الذي خلفه في قيادته «شتراوس».

ولمصداقية التناول التاريخي، فالذين وصفوا «شتراوس» بهذه الصفات وكانوا السبب في أن بعض صفحات التاريخ تنفره حتى اليوم، غالبًا كانت قد حركتهم مراجل الحقد التي قد غلت في صدورهم من جرائم النازيين، ربما نسوا أو تناسوا أن يقرأوا مذكراته التي تركها قبل أن يموت بأشهر قليلة، والتي ذكر فيها أن السياسة لم تحظَ من اهتمامه بشذر اهتمام، وبرر بأنه على مر حياته لم يكن له أي آراء أو توجهات سياسية، حيث استحوذت الموسيقى والنغمات على كل عقله وقلبه، وقرر أن يحل محل «توسكانيني» في الحفل رغم مواقف النازيين من اليهود، تقديرًا للعظيم «فاجنر» وتقديرًا للذين يعرفون نقاء الموسيقى وكيف أن الموسيقى لا علاقة لها بالحروب أو المشكلات، وأنه لم يقصد أبدًا التضامن مع حكومات معينة، ويذكر أيضًا أن وزير دعاية هتلر في هذا الوقت «جوبلز» عيَّنه رئيسًا لمكتب الحكومة الموسيقي نظرًا لأهمية «شتراوس» في ألمانيا والعالم أجمع وكيف يمكنهم الاستفادة منه، وبقي في المنصب فقط لمكانة ورفعة الموسيقى في قلبه وغرضه السامي في تطويرها، حيث إنه لم يقم بتأليف أي مقطوعات تؤيد حكومته رغم أنه كان يقود الحفلات ليس لصالحها ولكن من أجل محبي الموسيقى الذين احتشدوا من أجلها.

ولكنه سرعان ما استدرك أن نيران النازية تطاله حتى وإن لم يكن يهوديا، ففي حين اضطهدت الحكومة اليهود كان ابنه قد تزوج من يهودية وأنجب منها، فاستقال «شتراوس» من منصبه لينقذ عائلته من ظلم جريمة الاشتراك في حكومة فاشية، ولكن هذا الاستدراك لم يشفع له عند المحاكمات الثورية التي أقيمت ضد أفراد النظام النازي بعد سقوط ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وحكم عليه بالنفي واختار النفي في سويسرا، قبل أن تمد له يد الصلح بعد ذلك بأربعة أعوام في 1949 وهو نفس عام وفاته، فعاد لفيينا وعادت أعماله تزين المسارح العالمية بعد ذلك، ولكن لم يكف التاريخ عن إعطاء ظهره لقيمته الفنية.

ومن اللمحات التي قسى فيها النقاد على «شتراوس» وتداولتها كتب التاريخ، تقديمه «أوبرا سالومي» عام 1907، واعتبروه بسببها مروجًا للأفكار الشريرة، حيث إن العرض كان يحتوي على عنف وجرأة غير مألوفة على حد قولهم، وبعد أن كانت المجلات والصحف الأمريكية تتحدث عن «العظيم شتراوس» الذي قدم في بلادهم سمفونية «جبال الألب» قبل حين، أصبحت تتحدث عن شخص مروج لأفكار شريرة وعدوانية ضد الطبيعة والحقوق البشرية، ما جعله يتهاون ويهدن للنقاد ويقدم عرض أقل جرأة وسرد لحقائق قصص قديمة في عرض «إلكترا».

وبالطبع تجاهلوا أن العرض يرتكز في الأساس على رواية مسرحية فرنسية لـ«أوسكار وايلد» تناول فيها قصة توراتية وردت في العهد الجديد في إنجيل مرقس وإنجيل متى، واقتصر دور «شتراوس» على ترجمة المشاعر والأحداث التي جرت في القصة المتداولة إلى ألحان وموسيقى تعبِّر عنها فقط بمعنى أنها ترجمة موسيقية أوبرالية لعرض مسرحي، وهي نظرة لم يلتفت أحد النقاد إليها على مر العصور، ورغم أن العرض الأوبرالي، عاد اليوم ليجوب مسارح العالم، إلا أن التاريخ ظل يتذكر الملحن الألماني بالوجه العدواني.


مواضيع متعلقة