البحث عن حقوق الإنسان يبدأ بـ«نكسة»

كتب: جهاد مرسى

البحث عن حقوق الإنسان يبدأ بـ«نكسة»

البحث عن حقوق الإنسان يبدأ بـ«نكسة»

استعاد ذكريات الماضى الأليم، وهو يطالع أحد المواقع الإخبارية بشبكة الإنترنت كعادته كل صباح، وقعت عيناه على صورة للأسرى المصريين فى نكسة 1967، وهم مجردون من ملابسهم، نشرتها صحيفة «هاآرتس» الصهيونية، لاستفزاز مشاعر المصريين بعد مرور 45 سنة على النكسة. فجأة مرت أمام عينيه مشاهد لن تمحى من ذاكرته، رغم أن عمره كان وقتها لا يتجاوز العشر سنوات، فإنه لا يزال يتذكر هرولته هو وإخوته فجراً لصعود درجات السلم، لمشاهدة ما يحدث من فوق «سطوح» منزله الصغير فى مدينة «القنطرة» شرق القناة. الدبابات الإسرائيلية بدت على مرمى البصر، وعمليات أسر الضباط والجنود المصريين وإذلالهم بالربط فى جذوع النخيل أصبحت أمام الجميع، والأكثر من ذلك مشاهد فرار جيرانه وأقاربه من جحيم العدوان الإسرائيلى فى قوارب صغيرة، حفرت جميعها فى وجدانه. لم يصدق نفسه حين رأى والده يفكك أثاث البيت وأمه تلملم الملابس والمقتنيات، استعدادا لمغادرة مدينته العزيزة على قلبه، وطى الصفحة الأجمل فى حياته. «كان أحمد بيلعب معى الكرة وسط أشجار الفاكهة.. هو فعلا مات ومش هشوفه تانى؟ يا ريته ما ركب القارب الصغير ولا أبوه فكر يسيب البلد، جرى من رصاص الصهاينة فغرق فى مياه القناة». قصة جاره الذى غرق وقصص المجهول الذى ينتظره، سطرها بأنامله الصغيرة فى رواية «حنين على ضفاف القناة»، وهو فى الصف الثالث الإعدادى بالقاهرة، ورغم الحزن الذى كان يفوح منها، فإنها كانت مصدراً لسعادة معلميه، الذين كانوا يحبونه ويفرحون بتميزه، بل ويأخذونه من يديه ويمرون على باقى فصول المدرسة، باعتباره نموذجا مشرفا للطالب المثالى ولا بد أن يحتذيه باقى الطلاب. رفض الظلم والحرص على نصرة الحق والثورة على كل القيود، معانٍ ظلت تكبر داخله دون أن يشعر، منذ أن كان طالباً متميزاً فى المدرسة، ثم الأول على كلية الحقوق، وحتى أثناء فترة تجنيده بالجيش، وحصوله على درع القوات المسلحة لكونه ضابطا كفئا. يسافر لإلقاء بيان أمام الاتحاد الدولى عن حالة حقوق الإنسان فى مصر، يقود مظاهرات للمطالبة بحقوق الأقباط، يظهر فى الفضائيات لتحليل المشهد السياسى، كلها أمور انشغل بها ووجد ضالته فيها، والفضل يرجع لذكريات النكسة بكل تفاصيلها، التى كان يربطها بالحاضر دون أن يدرى، فحين شاهد التليفزيون المصرى ينشر أنباء كاذبة عن الميدان والثوار، تذكر على الفور «قواتنا المسلحة على أبواب تل أبيب، وطائراتنا تحلق فى الجو وتسقط طائرات العدو»، وغيرها من الأنباء المغلوطة التى اعتاد الإعلامى أحمد سعيد ترديدها وقت النكسة. دقت الساعة الخامسة مساء، فقام من أمام جهاز الكمبيوتر، بعد أن اطلع على أهم الأحداث، وأخذ يلملم أوراقه، حتى لا يتأخر عن موعده فى تمام السابعة مساء، للظهور فى إحدى الفضائيات، ليتحدث عن انطباعاته حول الخطاب الأول للرئيس محمد مرسى بعد فوزه بالرئاسة. هو المستشار نجيب جبرائيل، رئيس الاتحاد المصرى لحقوق الإنسان.