بالفيديو| قطار «البهوات» تحول إلى «قشاش الغلابة»

كتب: ميسر ياسين وسمر صالح

بالفيديو| قطار «البهوات» تحول إلى «قشاش الغلابة»

بالفيديو| قطار «البهوات» تحول إلى «قشاش الغلابة»

يتكدس الركاب على الرصيف رقم 20، فى محطة مصر، ينظر أحدهم فى ساعته بعد أن تجاوزت العاشرة صباحاً بخمس دقائق، ثم يوجه سؤاله إلى أحد أفراد الأمن: «هو قطر الإسكندرية ميعاده الساعة كام»، وبلا مبالاة يرد فرد الأمن «لسه بدرى، هو ميعاده عشرة بس مش بييجى قبل عشرة وربع»، يقطع حديثهم صافرة القطار المدوية فى أرجاء المكان معلنة قدومه، وفى عجالة، يحزم الجميع أمتعتهم، ليصعدوا عبر أبواب متهالكة، بعضهم استقر على مقعد ملقياً برأسه المثقل بالهموم على جدار نافذة مهشمة، وبعضهم لم يجد مكاناً أنسب لراحة جسده سوى «افتراش الأرض».

يبدأ القطار «القشاش» رحلته من القاهرة إلى الإسكندرية، كعادته متأخراً، يتوقف فى 12 محطة، قبل أن يصل كفر الزيات، تماماً كما كان الحال قبل 164 عاماً، عندما افتتحه عباس الأول حفيد محمد على، وأنشأه الاحتلال الإنجليزى، وهو أول خط سكة حديد فى مصر، والثانى على مستوى العالم.

عند زيارة أقاربه فقط، يضطر «محمد جابر»، الذى تجاوز الثمانين من عمره، لاستقلال القطار من محطة بنها، حيث يسكن، إلى طنطا، وقبل أن يستقر به المطاف ببنها، كان يدرس فى مدرسة الملك فاروق بالعباسية، بعد سنوات طويلة لا يتذكر «جابر» ثمن أول تذكرة قطار استقله، لكنه يؤكد: «كانت التذكرة غالية جداً، يعنى لو مدرس كان بيقبض 14 جنيه، ممكن يصرف ربع مرتبه لو حب يركب القطار».

{long_qoute_1}

لم يكن القطار، أو «الوابور» كما يطلق عليه «جابر»، وسيلة مواصلات شعبية فى فترة الخمسينات: «كانت مواصلة البهوات مايركبهاش الغلابة.. الخدمة كانت أحسن ومفيش بياعين ولا كراسى مكسرة زى دلوقتى»، ينظر فى ساعته مع اقتراب نزوله، ثم يقول: «زمان مشوار زى ده لو ماكناش نروحه بالقطر كان بياخد مننا ساعات، دلوقت تلت ساعة بالكتير وأكون فى البيت».

رحلتان فقط على متن «قطار الغلابة» أعطت «ربيع» الشاب الثلاثينى، الشجاعة الكافية لإشعال سيجارته بعيداً عن الباب المفتوح ووسط الجالسين على المقاعد، وهو الأمر الذى كان بمثابة شرارة لمشاجرة نشبت بينه وبين أحد الركاب، الذى طلب منه إطفاء السيجارة، وأمام تجاهل «ربيع» هدده أحد الركاب قائلاً: «غرامة شرب السيجارة فى القطر 500 جنيه». وأمام اعتراض عدد أكبر من الركاب اضطر «ربيع» إلى مزاحمة الركاب الواقفين جوار الباب المفتوح، يتحدث لـ«الوطن»: «مفيش حاجة اسمها غرامة فى القطر، ما هو كل الناس بتشرب أهو محدش بيتكلم»، ووفق القانون الذى صدر عام 2007، فإن غرامة التدخين فى الأماكن العامة والتى من بينها القطار تصل إلى 100 جنيه فقط. من رصيف محطة طنطا، صعدت سيدة خمسينية يبدو عليها التعب من مشقة الطريق، بعد أن فضلت استقلال القطار للذهاب إلى دمنهور، حيث يقطن أقاربها، تهرول مسرعة باتجاه مقعد فارغ، فتجلس لتلتقط أنفاسها وتمسح جبينها الذى يتصبب عرقاً، متمتمة بصوت خافت: «بقالى سنة ماركبتش القطر بس أريح فى القعدة وأسرع من المواصلات».

تتذكر آخر مرة ارتادت فيها القطار فى العام الماضى وتقول: «ماتغيرش ولا بيتغير من سنين، التذكرة بتغلى شوية والخدمة زى ما هى»، مشيرة إلى أن القطار لم يعد وسيلة آمنة بعد الحوادث المتكررة، ولكن أسرع من المواصلات وزحمة الطريق. الساعات التى تستغرقها الرحلة من القاهرة إلى الإسكندرية على أول خط قطار سكة حديد فى مصر، هو سؤال ليس له إجابة دقيقة.. «اديله تلات أو أربع ساعات كده حسب التساهيل»، تلك كانت إجابة «الكمسارى» على سؤال أحد ركاب القطار، قبل أن يطلب منه 6 جنيهات، ثمن التذكرة من محطة بنها إلى الإسكندرية، قبل أن ينظر إلى أعلى ليخاطب راكباً مستلقياً على «رف الحقائب»: «تذكرتك يا أستاذ». قبل أكثر من 160 عاماً، كانت رحلة القطار تستغرق من القاهرة إلى الإسكندرية 7 ساعات فقط، والطريق البديل كان الزوارق البحرية التى تمر على الترع وتستغرق رحلتها 42 ساعة، وبعد مرور كل هذه الأعوام، مدة الرحلة لا تزال كما هى أو مقاربة لها، وبحسب «محمود السيد» الذى اعتاد قبل 4 سنوات استقلال القطار من القاهرة إلى الإسكندرية، «أحياناً بوصل فى 6 ساعات».

10 دقائق سكن فيها القطار قبل وصوله إلى محطة كفر الزيات هدأت فيها أصوات المحركات لتحل محلها أصوات الباعة والمتسولين مختلطة بتمتمة الركاب ضجراً من الانتظار، يسرع «محمود» إلى باب القطار ليدخن سيجارة، ثم يكشف سبب التوقف المفاجئ: «القطر بيخزّن عشان فيه دعم جاى»، ثم شرح مقولته: «أكيد فيه قطر متعطل فى الطريق فبعتوله جرار يشده، والقطر اللى إحنا راكبينه ركن على جنب عشان الجرار يعدى أو فيه قطر سريع معدى وبيوسع له الطريق»، متوقعاً تأخيراً من عشر دقائق إلى ربع ساعة فى رحلته.

بالقرب من نافذة القطار المتهالكة لمح «عادل سعيد»، أحد العاملين فى السكة الحديد، مزلقاناً مزدحماً بالسيارات التى تنتظر مرور القطار، يبدى دهشته: «تانى أقدم قطر فى العالم 160 سنة مرت عليه ومفيش مسئول فكر فى حل لمشكلة المزلقانات بشكل جيد.. شىء غريب».

يتذكر «سعيد» أنه قرأ فى يوم إحصائية تشير إلى أن عدد ضحايا المزلقانات فى مصر يعادل 3 حالات وفاة يومياً، وهو رقم كبير جداً، مضيفاً: «ليه مفيش مسئول فكر لحد دلوقت فى إنشاء كبارى مشاة فوق كل مزلقان.. ماعتقدش هتكلف الدولة كتير».


مواضيع متعلقة