بروفايل| «هيكل».. ذكرى لا تموت

كتب: إمام أحمد

بروفايل| «هيكل».. ذكرى لا تموت

بروفايل| «هيكل».. ذكرى لا تموت

«عندما كان قرب القمة كان الكل يهتمون بما يعرفه، وعندما ابتعد عن القمة تحوّل اهتمام الكل إلى ما يفكر فيه»، وصف دقيق لـ«الأستاذ»، صاغه فى عدد قليل من الكلمات أنتونى ناتنج، وزير الخارجية البريطانية فى حكومة إيدن، الذى استقال من منصبه اعتراضاً على مشاركة بلاده فى العدوان الثلاثى على مصر، واستطاع بإيجاز دبلوماسى شديد أن يستوعب فى عبارة واحدة تجربة امتدت لأكثر من تسعين عاماً، هى تجربة الصحفى الذى كتب التاريخ، وكتبه التاريخ، بعد أن أصبح شاهداً على أحداث قرن كامل، وأيضاً جزءاً رئيسياً من تلك الأحداث التى شارك فى صناعتها من داخل الغرف المغلقة.

فى مثل هذا اليوم، قبل 94 عاماً، وُلد محمد حسنين هيكل فى قرية صغيرة على أطراف محافظة القليوبية، هى قرية باسوس، ربما لم يكن أحد يعلم أن المولود الجديد سوف يصبح أحد أهم رجال عصره، وسوف يهتم الجميع بما يعرفه وما يفكر فيه، كما قال «أنتونى»، لكن الأمور سارت على هذا الطريق بالفعل، وشيئاً فشيئاً أخذت مساحة جديدة بين الصحافة والثقافة والسياسة تتشكل وتتسع تدريجياً، حدثاً وراء حدث وحقبة بعد حقبة، حتى اكتملت هذه المساحة فى هيئة رجل واحد.. هو «هيكل».

الرجل الخارق للطبيعة لم تنحصر قدراته المعلوماتية والتحليلية عند حدود دائرة الشأن الداخلى فقط، بل امتدت إلى دوائر أخرى إقليمية ودولية، فاشتبك مع قضايا عديدة ومتنوعة حول الكرة الأرضية كلها، وجالس أهم الملوك والأمراء والرؤساء وقادة المجتمعات، وتدريجياً تحول من نصف صحفى ونصف سياسى إلى ما يشبه وزارة كاملة متنقلة لديها أجهزتها الدبلوماسية والإعلامية والاستخباراتية التى عملت بكفاءة عالية فى كل مكان على سطح الأرض، ولم توقفها عوامل الجغرافيا، ولم تقلل من فعاليتها عوامل التاريخ، حتى تمكنت من الاستمرار بكل هذا الوهج الطاغى حتى اليوم الأخير، ذلك اليوم الذى رفض فيه «هيكل» خوض تحدٍ جديد ليس مع التاريخ ولا الجغرافيا ولا السياسة والسلطة هذه المرة، ولكن مع شىء آخر أكثر قوة لا يمكن معه التحدى، فقرر طواعية أن يستسلم له وهو يقول بلسان الحكمة: «الرحلة انتهت، لا تعاندوا القدر».

ولد «هيكل»، عاش «هيكل»، مات «هيكل»، رواية طويلة من ثلاثة فصول بدأت فى الربع الأول من القرن العشرين وانتهت فى الربع الأول من القرن الواحد والعشرين، لكنها ما زالت مليئة بالمعلومات، ومكدسة بالأسرار، ومزدحمة بتحليلات الماضى والحاضر والمستقبل أيضاً.


مواضيع متعلقة