ظن البعض أن عادة الجلوس فى المقاهى والالتفاف حول أجهزة التليفزيون لمتابعة مباريات كرة القدم تسرى فى دماء المصريين ولن تنتهى أبداً، إلا أنه ثبت بالدليل القاطع أن اهتمامات المصريين تغيرت ولم تعد تجمعهم مباراة تلعب فيها مصر، بل خطاب يلقيه مثلا رئيس الجمهورية أو بيان للمجلس العسكرى.
صيحات التشجيع فى المقاهى.. الرهان على «المشاريب».. العراك بين المشجعين حول الفريق الفائز، بل والتفاف الأسرة بأكملها حول جهاز التليفزيون قبل المباراة وبعدها لمتابعة استوديو التحليل، جميعها مظاهر رياضية صارت تحدث على استحياء بعد الثورة؛ فالسياسة «أكلت الجو» من الجميع بما فيها كرة القدم.
خروج المنتخب المصرى من تصفيات كأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية على التوالى، الذى وصفه خبراء الرياضة بأنه فضيحة كروية، أكبر مثال على ذلك؛ حيث لم يلتفت المصريون كثيرا للخبر، واعتبروه أمراً لا يستحق أن تقوم له الدنيا وتقعد، كما كان يحدث فى السابق.
«الكرة الآن أخذت حجمها الطبيعى».. هكذا وصف د. فتحى الشرقاوى، أستاذ علم النفس السياسى بجامعة عين شمس، حال كرة القدم بعد الثورة؛ حيث يرى أنها رياضة أفسدتها السلطة، بعد أن ركز ساسة النظام السابق، وعلى رأسهم رئيس الجمهورية وأسرته، على الجانب السياسى منها والأزمات الدبلوماسية التى تصاحبها، مثل مباراة مصر والجزائر، دون الاهتمام بأخلاقيات اللعبة ومناقشة مشاكل الرياضة فى مصر، قائلاً: «لم تشهد رياضة كرة القدم أى تطوير حقيقى فى عهدهم، بل على العكس وجدنا تدهوراً فى أخلاقيات اللاعبين، وتدنيا فى مستوى الملاعب الرياضية، وهو ما يعنى أن التقديس، الذى أعطاه الرئيس السابق لكرة القدم، كان الهدف منه إلهاء الجماهير عن أحوال البلد السياسية».
وكما عادت كرة القدم إلى وضعها الطبيعى فى لائحة اهتمامات الجماهير المصرية، عاد أيضاً اللاعبون إلى حجمهم الطبيعى، وفقاً للدكتورة هدى الساعاتى، أستاذة علم الاجتماع بجامعة الزقازيق، التى ترى أن الهالة الزائفة لهؤلاء اللاعبين سقطت بعد الثورة.
فقبل الثورة كانت هناك حالة من التقديس، أعطتها الجماهير المصرية للاعبى رياضة كرة القدم، الذى جاء نتيجة شعور تلك الجماهير بالقهر فى كل ميدان باستثناء ميدان الرياضة، فى رأى الساعاتى، فارتبطوا لا شعورياً بهم، وللأسف استغل هؤلاء اللاعبون هذا التقدير بشكل سيئ، وكانوا يتصرفون كما لو كانوا قادة سياسيين، وهو ما لم يعد ممكناً عقب الثورة.