جزيرتا «الحمودى» و«العبل»: الدراسة داخل فصول عشوائية.. ومبانٍ تحولت إلى حظائر مواشٍ

كتب: أحمد عصر

جزيرتا «الحمودى» و«العبل»: الدراسة داخل فصول عشوائية.. ومبانٍ تحولت إلى حظائر مواشٍ

جزيرتا «الحمودى» و«العبل»: الدراسة داخل فصول عشوائية.. ومبانٍ تحولت إلى حظائر مواشٍ

سور من الحجارة البيضاء متوسط الارتفاع لم يتم طلاؤه بعد، يتوسطه باب حديد صدئ يطل من الداخل على فناء صغير أحيط من جوانبه الثلاثة بمبانٍ اختلفت فى أشكالها، فعلى يمين الداخل، كان ذلك المبنى الصغير، يشتمل على بعض الفصول والغرف الإدارية، وبجواره كان المبنى الرئيسى للمدرسة المكون من طابق وحيد فوق الطابق الأرضى، وفى الجهة المقابلة له كانت بعض الغرف ذات الأسقف الخشبية المهدمة، وفى الأعلى من المبنى الرئيسى كانت لافتة كُتب عليها «مدرسة جزيرة الحمودى الإعدادية المشتركة»، حيث الفترة الثانية للمدرسة التى تبدأ يومها بطلاب المرحلة الابتدائية تحت الاسم نفسه.

{long_qoute_1}

معلم بالمرحلة الإعدادية للمدرسة، رفض ذكر اسمه، تحدث عن فصول المدرسة «غير المهيأة» للعملية التعليمية، فضلاً عن مساحتها الصغيرة التى تؤدى إلى ارتفاع كثافة الطلاب بها بصورة كبيرة، ورغم كثرة الشكاوى إلا أن الأمر لم يقع تحت طائلة اهتمام المسئولين، على حد قوله: «كل اللى بيتم فى المدرسة إنهم كل فترة يعملوا عمليات الصيانة البسيطة، بس مبنى زى ده محتاج إحلال وتجديد من الأول مش مجرد عمليات صيانة بسيطة، وعشان نطلع ونتكلم بنتبهدل، ويوم ما واحد زميلنا كتب بوست على الفيس بوك قال فيه كلمة حق اتحول شئون قانونية وكان هيروح فى داهية».

زيارة للمدرسة اشتملت على عدد من قيادات المحافظة، مر عليها أيام قليلة، نقل من خلالها معلمو المدرسة وأولياء الأمور مشاكلهم على حد سواء، إلا أن الزيارة كانت كغيرها، لم تؤت ثمارها بعد: «آدى الدراسة بدأت، يعنى مش هيعرفوا يعملوا حاجة لأن مفيش أماكن تانية بديلة للطلاب، وكل ده بيأثر على مستوى الدراسة بشكل كبير، وحتى إحنا كمدرسين مبنلاقيش مكان نقعد فيه فى أوقات الراحة بتاعتنا».

أنشئت مدرسة «الحمودى» دون سور، وظلت على هذا الوضع حتى العام الماضى، حيث لم تستجب الجهات المعنية للشكاوى المترددة عليها فى هذا الشأن خلال أعوام طويلة، ليتجه الأهالى بعد ذلك إلى جمع تبرعات من أجل بناء السور، إلا أن التبرعات لم تكن كافية لطلائه، حسب ما قال على حسن، أحد أولياء الأمور، الذى أوضح أن أرض المدرسة نفسها كانت عبارة عن تبرع، إلا أن الجهات المعنية فى بعض الأحيان تعيق حتى عمليات تبرع الأهالى، وفق قوله: «لما لقينا الفصول ضاقت على الطلاب اللى فيها بنينا كام فصل عشان نوسع عليهم، بس لجنة جت من المحافظة بعد كده وهدوا الفصول دى وقالوا طلعوا الطلبة واتصرفوا».

ويقول مدكور أبوالمجد، 47 سنة، أحد أولياء الأمور، إن مبانى المدرسة فى حاجة إلى الهدم بشكل كامل وإعادة بنائها من جديد حتى تكون مثلها مثل أى مدرسة أخرى طبيعية، إلا أن الروتين يمنع ذلك، حسب ما قال «مدكور»، ليكمل قائلاً: «حتى يوم ما جت جمعية خيرية قالت هتعمل جناح تانى للمبنى اللى موجود رفضوا وقالوا إن المبنى الجديد هيلغى الحوش، بس إحنا فى حالتنا دى لازم نمشى بقاعدة نص العمى ولا العمى كله، ولما يبقى عندنا مدرسة من غير حوش أحسن ما يبقى معندناش مدرسة خالص، أو على الأقل المبانى دى يتعملها أساسات كويسة وتطلع 5 أدوار بدل ما هى دور واحد كده».

لم يتوانَ «مدكور» وغيره من أولياء الأمور عن تقديم الشكاوى المتعددة للجهات المعنية بذلك، فهم يتعاملون مع مدرسة قريتهم على اعتبارها بيتهم الثانى، حسب قوله، إلا أن عادة ما تكون «العين بصيرة والإيد قصيرة»: «إحنا ممكن نعرف نبنى فصل أو نعمل سور للمدرسة زى ما حصل، لكن معندناش الإمكانيات اللى تخلينا نعمل مدرسة كاملة».

{long_qoute_2}

وداخل بيته استقبلنا مدير إحدى المدرستين، رفض ذكر اسمه، خوفاً من التنكيل به من قبَل الإدارة، يحكى لنا عن معاناته وأهل الجزيرة من عدم الاهتمام بهم من الناحية التعليمية، حيث تشتمل الجزيرة على مدرسة تعليم أساسى وحيدة بالإيجار، وأخرى تعليم أساسى نهاراً ومرحلة إعدادية فى الفترة الثانية، إلا أنها لا يمكن أن تدرج ضمن قائمة المدارس حسب قوله، وهو ما يعنى أن الجزيرة تعتبر بلا مدارس: «فصول مدرسة الحمودى اللى فى الجزيرة هنا أهالى البلد هى اللى عملتها بالمجهودات الذاتية، حتى مكانش فيه سور حواليها وفضلنا سنين نطالب بالسور ده، وآخر ما زهقنا إحنا اللى جمعنا وعملناه برضه».

لجنة من النيابة الإدارية جاءت فى زيارة مفاجأة بداية العام الدراسى الماضى، واتخذت قراراً بهدم الفصول التى قام الأهالى ببنائها من أجل التوسعة على أبنائهم الطلاب، بحجة أنها فصول عشوائية وآيلة للسقوط ويجب أن يتم بناؤها بمعرفة هيئة الأبنية التعليمية: «لحد دلوقتى معملوش غيرها، والطلاب بقت تتلم كلها فى أوضة الكمبيوتر عشان ياخدوا الحصص، ويوم ما بنتكلم ونقول اللى عندنا بنتئذى».

رغم عدم وجود مدرسة حقيقية فى الجزيرة، إلا أن التعنت فى الروتينيات يعيق بناء مدرسة أخرى رغم توافر الأرض المخصصة لها منذ أعوام طويلة، حسب ما قال مدير المدرسة، حيث هناك قطعة أرض تم التبرع بها منذ ما يقرب من 15 عاماً لكى يتم بناؤها كمدرسة تعليم أساسى، إلا أن هذه الأرض لم يتم بناؤها حتى الآن: «من ساعتها وإحنا بنخلص فى إجراءات البناء، ورغم إن جميع الإجراءات اللى همّا طلبوها منتهية إلا أننا لحد دلوقتى مش عارفين نبنيها، وسامعين إن فيه خناقة بين محافظ قنا وهيئة التعمير على تمن الأرض، المحافظ يبعت يقول إنه عايز الأرض بالمجان، والهيئة تطلب تحديد تمن للأرض».

«قرار جرىء» هو كل ما تحتاجه أزمة هذه الأرض، حسب ما قال مدير المدرسة، فهى أرض ملك للدولة وكذلك المدرسة ستكون ملكاً للدولة، لا سيما مع الوضع السيئ لمدارس الجزيرة بشكل عام، حيث لم تنشأ فصولها بالشكل النموذجى للفصول التعليمية، وبلغت كثافتها أكثر من 50 طالباً فى الفصل الواحد، خاصة أن عدد سكان الجزيرة يزيد على 15 ألف نسمة، وفق قوله: «يعنى إحنا اللى عندنا فى الجزيرة فصول عشوائية مش مدارس، وخاطبنا أعضاء مجلس النواب والمحافظ وكل الهيئات وكل الجهات المختصة عشان أوضاع المدارس اللى هنا وعشان يطلع لنا قرار بتخصيص الأرض لمدرسة، وكل اللى طلبوه جبناه، وكل شوية لجنة رايحة ولجنة جاية ومفيش حاجة بتحصل».

ومن الناحية الجنوبية، فى جزيرة العبل تحولت مدرسة إعدادية قديمة، صدر بحقها قرار إزالة منذ 20 عاماً من قبَل هيئة الأبنية التعليمية، إلى «خرابة» وحظيرة مواشٍ، ما تسبب فى تزايد الكثافة الطلابية فى المدارس الأخرى.

يقول سيد إسماعيل، أحد أبناء جزيرة العبل، وموظف، إن جزيرتى الحمودى والعبل بهما كثافة سكانية عالية، والمواقع التعليمية متهالكة، مشيراً إلى أن المدرسة الابتدائية بجزيرة العبل صدر لها قرار إزالة عام 97 وأخليت المدرسة خوفاً من سقوطها على الطلاب، وتم إلحاق الطلاب فى مدرسة جزيرة العبل الابتدائية، ما أدى إلى حرمان الطلاب من الأنشطة المدرسية وتحولها لفترتين، وتحول موقع المدرسة إلى إلقاء المخلفات وحظيرة لتربية المواشى من قبَل مزارعى القرية.

وتابع «سيد»: «عقب إخلاء المدرسة من الطلاب تنفيذاً لقرار الإزالة، شرعنا فى المطالبة بإعادة بناء المدرسة من الجهات المختصة بداية من التربية والتعليم المتمثلة فى هيئة الأبنية حتى السيد محافظ الإقليم، وأعضاء مجلس النواب السابقين والحاليين، وعند أخذ الموافقات عمل لها ملف فى المحافظة ولم يتم البت فى الموضوع بحجة أن الأرض عليها خلافات مع إدارة حماية النيل، وعلى هذا الحال لينا 20 عاماً وكأن الدولة متعمدة فى إفشال سير العملية التعليمية بالجزيرة بمنع بناء مدارس جديدة وزيادة تسرب الطلاب بسبب عدم قدرتهم على الفهم والاستذكار فى فصول كثافتها أعلى من المعدل المحدد وفقاً لمعايير جودة التعليم».

 

حمامات مدرسة الحمودى لا تصلح للاستخدام

أهالى الجزيرة أنشأوا الفصول بالجهود الذاتية


مواضيع متعلقة