«المنطقة الحرة»: مصنع وحيد منهوب.. وآخر تحت الإنشاء

كتب: رجب آدم وأحمد عصر

«المنطقة الحرة»: مصنع وحيد منهوب.. وآخر تحت الإنشاء

«المنطقة الحرة»: مصنع وحيد منهوب.. وآخر تحت الإنشاء

على بُعد 27 كيلومتراً من مدينة قنا، حيث أراضى المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية الأولى بكلاحين قفط، كانت بوابة حديدية كبيرة لم يحطها سور، أمامها وُضعت لافتة كُتب عليها بخط واضح: «المنطقة الصناعية الحرة العامة»، وبجوارها ذلك المبنى الإدارى الصغير، الذى يطل على مساحة كبيرة من أراضٍ لم تُستغل بعد، طرقها ترابية، وأرصفتها غير مكتملة، وأماكن بها دلت على أن أشجاراً كانت هنا يوماً، وفى الداخل لم يكن ثمة مصنع واحد يعمل، فقط صرح كبير على بعد مئات الأمتار، حولته الأعوام الماضية إلى «خرابة» تعوى بها الكلاب وتلجأ إليها الحشرات والزواحف تحتمى فيها بما بقى من معدات، مصنعَى «هيبى للمستلزمات الدوائية والطبية»، الوحيدين اللذين كانا يعملان فى المنطقة الحرة، إلى أن توقفا منذ بضعة أعوام، ليتم نهب ما يمكن نهبه منهما.

مجموعة من أفراد الأمن يتخطى عددهم 20 فرداً، هم من يتولون حماية هذا الصرح الكبير بعد أن تم نهب أغلبه، وجاء بهم المسئولون عن المصنع ليحموا ما بقى منه لحين اتخاذ قرار تشغيله مرة أخرى، وكان على رأس هذه المجموعة «بخيت دنجل»، الذى جاء مسرعاً بسيارته بمجرد علمه بأن أحداً يريد دخول المصنع، وبعد اتصالات هاتفية أجراها، شرع فى الحديث عن قصة الصرح الكبير الذى تحول إلى «خرابة»: «محدش كان قادر يدخل المصنع ده من كتر الناس والسلاح اللى كان فيه، وده لأن عمال الأمن اللى كانوا مسئولين عنه قعدوا نحو 6 شهور بعد ما المصنع قفل ميقبضوش، وآخر ما زهقوا سابوه ومشيوا». تولى «دنجل» مسئولية أمن ما بقى من المصنع فى منتصف عام 2014، فما كان منه إلا الشروع فى السيطرة على الموقف ومنع عمليات السرقة التى كانت ما زالت جارية.

{long_qoute_1}

حياة قاسية يعيشها أفراد الأمن بالمصنع، فهم داخل مبنى وحيد وسط مساحات شاسعة من الصحراء، بلا أكل ولا مياه ولا أى خدمات تهون عليهم 12 ساعة متواصلة يقضونها داخل المصنع، حسب ما قال «سعيد أحمد»، أحد أفراد الأمن، أقرب مكان لينا هنا ممكن نشترى منه أكل أو شرب أو أى حاجة تانية على بعد نص ساعة بالعربية».

حال وصل إليه المصنع لم يرضَ عنه «سعيد»، فهو كان يعلم بهذا المصنع قبل أن يتوقف، وعندما جاء يحرسه تعجب مما وصل إليه: «الناس خربوه، وبقوا يكسروا أى حاجة قدامهم عشان ياخدوها قطع غيار، وفيه معدات جوا بملايين أكتر من نصها اتنهب، حتى الأسانسير بتاع المصنع فكوه وخدوه، الحاجة الوحيدة اللى فضلت هى المبانى والمعدات الضخمة».

حياة برية يعيشها أفراد أمن المصنع بسبب غياب الخدمات كاملة عن المنطقة، يحكى عنها «عبدالله يحيى»، فرد الأمن، بعد أن وجد نفسه يعيش بين مجموعة من الحشرات لا يعرف أسماءها تأكل كل ما يأتى فى طريقها، فضلاً عن الثعابين والعقارب التى اعتاد منظرها: «النخل كله وقع ومات، وفيه تعبان كبير جداً شُفناه مرة واحدة بس وبعد كده بقينا نشوف الآثار بتاعته ومش عارفين دلوقتى هو فين بالظبط وعامل لينا رعب».

من جانبه، يقول المهندس بريقع توفيق، المندوب المفوض، ونائب رئيس مجلس إدارة مصنع «هيبى»، إن هيبى كان لها مصنعان، أحدهما لإنتاج المستلزمات الطبية أنشئ عام 1997، وكان يعمل به قرابة 400 عامل، وكان ينتج سنوياً قرابة 2600 طن من الأنسجة الصناعية، بالإضافة إلى مصنع المستلزمات الدوائية الذى أنشئ عام 2003، ليكون، حسب قوله، واحداً ضمن أكبر خمس مصانع فى هذا الشأن على مستوى العالم، والأكبر من نوعه فى الشرق الأوسط لإنتاج الخامات الخاصة بالمضادات الحيوية، وكان ينتج سنوياً قرابة 500 طن، جزء منها للسوق المصرية والباقى كان يتم تصديره.

وكانت الديون الضخمة من أكبر معوقات إعادة تشغيل مصانع «هيبى» من جديد، حسب ما قال «بريقع»، حيث بلغ إجمالى الديون نحو 60 مليون دولار، فضلاً عن احتياج المصنع إلى 28 مليون دولار لإمكانية تشغليه مرة أخرى، ليضيف قائلاً: «علينا ديون جمركية نحو 19 مليون جنيه فرضت دون وجه حق على خامات ومنتجات أدوية تم إعدامها بقرار من المنطقة المركزية الحرة فى قفط، مشيراً إلى أن حل أزمة الشركة التى تضم مصنعين يكمن فى تخفيف الديون عنها ورفع الفوائد عنها على أن يتم دفعها بعد تشغيل المصنع.

وقال مصدر مسئول بإدارة المنطقة الحرة العامة، رفض ذكر اسمه، إن المشكلات التى تعانى منها المنطقة الحرة هى نفس المشكلات التى تعانى منها كافة المناطق الصناعية الأخرى بالمحافظة، ورغم أن المنطقة تم تأسيسها فى عام 2005، فإنها لم تبدأ بشكل فعلى حتى الآن، حسب قول المصدر، حيث لا يوجد بالمنطقة سوى مصنعى المستلزمات الدوائية والطبية المتوقفين، ومصنع آخر جارٍ إنشاؤه، مرجعاً ذلك إلى معوق رئيسى مصاحب للمنطقة منذ إنشائها، متمثل فى صعوبة عملية التصدير.

وضع مختلف تحتاجه المناطق الصناعية الحرة، حسب قول المصدر، بعيداً عن مشكلات البنية التحتية، فإنها كلها مشكلات «عادية»، وإنما يكمن المقوم الرئيسى لازدهار أى منطقة صناعية حرة فى قرب أماكن التصدير، وهو غير المتوافر فى المنطقة الصناعية الحرة بقنا، حيث يعد أقرب ميناء بحرى لها يحتوى على رصيف حاويات، هو ميناء العين السخنة: «المنطقة دى يوم ما اتعملت كان من ضمن المخطط إنها هيتعمل لها رصيف حاويات فى ميناء سفاجا لأن التصدير عن طريق أى مينا تانى هيكون صعب جداً لبعد المسافات واللى ممكن توصل لنحو 600 كيلو، فى حين إن بينى وبين ميناء سفاجا 170 كيلو بس، يعنى لو كان اتعمل فيها رصيف حاويات زى ما كان مخطط المنطقة دى مش هيكون فيها شبر فاضى، إنما دلوقتى مكان التصدير بعيد جداً عن المنطقة، عشان كده مفيش إقبال كبير هنا عشان ارتفاع تكلفة النقل والتشغيل»، مشيراً إلى أن إدارة المنطقة تطالب بتوفير هذا الأمر منذ عام 2005 من خلال التواصل مع كافة الجهات، إلا أن أحداً لم يسمع لهم.


مواضيع متعلقة