منطقة صناعية «ممنوعة من الصرف»

كتب: أحمد العميد ونظيمة البحراوى

منطقة صناعية «ممنوعة من الصرف»

منطقة صناعية «ممنوعة من الصرف»

نشاط محموم يدور داخل أحد مصانع الطلمبات والمواتير، يتسع لنحو 1000 متر تقريباً، منذ بدء إقامة المصنع قبل 5 سنوات لم تصله المياه العذبة أبداً، فوجئ أصحاب هذا المصنع بأن المياه الموجودة فى المنطقة كلها غير صالحة للشرب حيث إنها صادرة من آبار ارتوازية ومالحة لا تستخدم فى الشرب وأعمال الطهى، ما دفع المصنع إلى شراء تانك مياه كبير يتسع لنحو 1000 لتر بداخله، لتخزين هذه المياه المالحة لاستخدامها فى دورات المياه وتطهير بعض المعادن التى تحتاج إلى تنظيف داخل المصنع، أو حتى أرضيات بعض أجزاء المصنع ومكاتبه، فيما يعتمد العمال فى مياه شربهم على سيارات تجوب المنطقة أو التوجه إلى مصنع كبير بجوارهم لملء بعض أوعية المياه.

يقول «خالد. ع»، أحد المسئولين بالمصنع، إن المياه تأتى فى اليوم مدة 3 ساعات فقط، من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الساعة الحادية عشرة، مشيراً إلى أنه يستغل هذه المدة فى ملء خزان مياه ليستخدمه فى بقية اليوم، ويوضح أنه محظوظ لأنه لا يحتاج فى صناعته كميات كبيرة من المياه العذبة الصالحة للشرب، حيث إن عمله يقتصر على غسل بعد المعادن التى يتم تركيبها أو للاستخدام الشخصى فقط، موضحاً أن المياه فى المنطقة الصناعية ببلبيس هى مياه من آبار ارتوازية نسبة الملوحة بها عالية، ما يدفع عدداً من أصحاب المصانع إلى جلب المياه من الخارج، ويضيف «خالد» أن بعض المصانع الموجودة فى منطقة بلبيس يكون لها فروع أخرى فى المنطقة الصناعية بـ6 أكتوبر أو العاشر من رمضان، فيقوم عدد من سيارات الشركة التى تذهب إلى المصنعين بملء المياه من المنطقة الصناعية فى العاشر أو فى 6 أكتوبر وجلبها إلى المنطقة الصناعية فى بلبيس، وغالباً تستخدم فى الأغراض الشخصية ومياه الشرب، لافتاً إلى أن بعض رجال الأعمال يقومون بأعمال خيرية فى توزيع مياه نظيفة وعذبة تصلح للشرب على أصحاب المصانع، أو حتى بوضع تانكات كبيرة أمام مصانعهم ليستخدمها عمال المصانع الأخرى وزوار المنطقة الصناعية، مضيفاً: «أنا أصلاً بصنع طلمبات مياه ومواتير، ولو كانت الأرض هنا فيها ميه نضيفة كنت ركبت لنفسى طلمبة وسحبت ميه نضيفة زى ما أنا عايز وما كنتش أستنى شركة الميه لو المحطة اللى فيها عطلت لكن مفيش أمل غير مد خط ميه حلوة من بره».

{long_qoute_1}

ويضيف مسئول آخر بالمصنع إن أصحاب المصانع قدموا شكاوى كثيرة فيما يخص مياه الشرب، والرد كان دائماً بأنه سيتم نقلها إلى المسئولين بالمحافظة وسيتم حل المسألة فى أقرب وقت، مشيراً إلى أن المصنع على الرغم من أنه لا يحتاج إلى كميات مياه كبيرة إلا أن المشكلة تسبب القلق للعمال الذين يحتاجون إلى مياه نظيفة باستمرار، موضحاً أن هذه المشكلات ليس من المفترض أنها تكون موجودة حيث إن المياه النظيفة من الاحتياجات الأساسية التى من المفترض أن تتوفر لأى بيئة يوجد فيها بشر وليس منطقة صناعية تجذب المستثمرين وتشجعهم على إقامة مصانع وتطوير صناعات، متسائلاً عن نداءات الحكومة والمسئولين بتشجيع الصناعة فى مصر ودعم المستثمرين فى حين لا تتوافر لديهم أبسط الاحتياجات الأساسية لاستيطان مجموعة من الناس وليس مجموعة من الصناع يفكرون ويطورون.

على بعد نحو أقل من 100 متر فقط، تتراص مكعبات كبيرة من الإسفنج الصناعى المتنوع فى ألوانه، وبين هذين المصنعين تقع بركة من مياه صرف بعض المصانع، وبالكاد تحتوى على بعض المخلفات بداخلها أو فى محيطها، وبعض الحيوانات تزورها بين الحين والآخر لتلطف أجسامها من حرارة الشمس الحارقة، كانت مكعبات الإسفنج الكبيرة دليلاً على المصنع الذى ينتجها، حيث توجهنا إلى هذا المصنع لنسمع من مسئوليه ما يعانونه داخل المنطقة الصناعية فى بلبيس.

«علاء الجندى»، مسئول حسابات المصنع، يؤكد أن المشكلة الكبيرة التى يعانيها المصنع تتلخص فى مياه الشرب، ما دفع المصنع لأن يشترى المياه عبر سيارات يتم بيع المياه من خلالها، حيث إن هناك مجموعة من «العرب» المحيطين بالمنطقة الصناعية يقومون ببيع المياه عبر سيارات كبيرة، محددين سعر «النقلة» بـ160 جنيهاً، مشيراً إلى أن المصنع يحتاج نحو ثلاث نقلات فى الأسبوع الواحد، وتكون فقط لتلبية احتياجات العمال من المياه النظيفة ولجزء بسيط فى إنتاج الإسفنج، ويشير «الجندى» إلى أن المصنع تم تأسيسه قبل نحو عامين فقط، وتعد أزمة المياه هى الأزمة الكبيرة التى تعرض لها المصنع، والمستمرة حتى الآن بلا حل جذرى، موضحاً أن شراء المياه حل مؤقت، لأنه قد يختفى العرب الذين يبيعون لنا المياه، ما سيضطرنا إلى البحث عن وسيلة لجلب المياه، وهو المناخ غير المشجع للصناعة والاستثمار، موضحاً أن المصنع تقع أمامه بركة مياه هى موطن الصرف الصحى للمنطقة الصناعية، حيث إن مياه الصرف الصحى بالمنطقة الصناعية يتم تصريفها عبر طرنشات يتم كسحها من حين لآخر، وأن الساحة التى تقع أمام مصنعه هى موقع لإلقاء مياه صرف بعض المصانع التى تزيد عن طاقة الطرنشات قبل موعد كسحها، معلقاً: «لكن رغم كل ده المشكلة العامة تبقى المياه لأن مثلاً مصنعى بيخلف مياه صرف كتير، وكده كده العربيات تيجى تكسح الطرنشات من وقت للتانى، لكن الميه ده احتياج يومى».

{long_qoute_2}

على بعد مسافة قريبة من محطة مياه الشرب والصرف الصحى بالمنطقة الصناعية، يقف شعبان شفيق، خفير بأحد المصانع بالمنطقة، على باب المصنع الذى يقوم بحراسته متحدثاً فى الهاتف للاطمئنان على سائق السيارة التابعة للمصنع إن كان اقترب من المصنع ليعاونه فى إنزال حمولة المياه العذبة، منذ أن عمل خفيراً بهذا المصنع الذى ينتج مولدات كهرباء، قبل 4 سنوات، وهو اعتاد على أن يقيم علاقة جيدة مع سائقى الشركة حتى لا تغيب احتياجاته من المياه عن ذاكرتهم خلال عملهم الشاق، فما زال يرسل توصياته اليومية لسائقى النقل بالشركة حتى يدخروا له مياهاً نظيفة من فرع المصنع بمنطقة العاشر من رمضان، ليتمكن خلال فترة حراسته من شرب مياه نظيفة أو لطهى طعام يكفيه مدة حراسته وهو ورفاقه، ويضيف «شفيق» أن مشكلة المياه هى التى تؤرقه فى عمله وأنها حظيت بكل اهتماماته، فأصبح يتقصى حال محطة مياه الشرب والصرف الصحى، ليصل إلى معلومات توافرت لديه من أنها فى مرحلة تأسيس شبكة جديدة تأتى للمنطقة بمياه عذبة، لكن صبره نفد من بطء توصيل المياه العذبة إلى المنطقة حتى علم أنها مجرد شائعات وحسب، ما دفعه إلى الإلحاح على مصنع لنصب طلمبة إلا أنها أتت بنفس المياه المالحة التى تأتى للمصنع من مواسير المياه العامة، ليصاب بخيبة أمل فى حل مشكلة المياه، ويظل معتمداً على حسن علاقته بسائقى الشركة لجلب المياه له من القاهرة أو من فرع المصنع الآخر بالعاشر من رمضان. {left_qoute_1}

وحول الحالة الأمنية فى المنطقة الصناعية ببلبيس، يقول شفيق: «العرب هنا مسيطرين على المنطقة وبياخدوا شهرية من أصحاب المصانع»، مشيراً إلى أن العرب يقومون بحراسة المنطقة الصناعية من أى حالات سرقة فى الليل ويوجدون خارج المدينة فى النهار، وأن خدماتهم تقدم مقابل مبلغ شهرى يدفعه لهم أصحاب المصانع للحفاظ على ممتلكاتهم، وأن الشرطة أو أمن المدينة الصناعية لا يتمكن من التصدى لأى عمليات سرقة وحده، وأنه لا بد من مساعدة العرب فى حماية المنطقة الصناعية.

ويؤكد حديث «شفيق» سيد أحمد، مسئول بمصنع «الاتحاد لإنتاج المعلبات البلاستيكية» داخل المنطقة الصناعية، حيث إن المصنع يقدم مبلغاً مالياً كل شهر للعرب لحماية المصنع من النهب أو السرقة، مشيراً إلى أن هذا الأمر موجود منذ فترات طويلة، وأن أصحاب المصانع مجبرون على دفع هذه المبالغ كل شهر حتى يطمئنوا على ممتلكاتهم داخل هذه المنطقة الصناعية التى يغيب عنها الوجود الأمنى، مؤكداً أن العرب هم من مجموع السكان المحيطين بالمنطقة الصناعية فى بلبيس.

وأوضح «أحمد» أن مصنعه من أقدم مصانع المنطقة الصناعية، حيث أقيم قبل نحو 10 سنوات ومتخصص فى صناعة العلب البلاستيكية، وأن مشكلة الأمن لم تكن الوحيدة بل إن مشكلة المياه تبدو أيضاً مشكلة كبيرة يصعب حلها فى وقت تعمل فيه محطة المياه لكنها تنتج مياهاً غير صالحة للشرب، مشيراً إلى أن عدداً من عمال المصنع يشربون من هذه المياه المالحة لرى عطشهم فى حالة تأخر سيارة مياه الشرب، موضحاً أن المصنع لأنه من أقدم المصانع ظهرت على العمال القدامى الموجودين فيه آثار هذه المياه المالحة من خلال إصابتهم المتعددة من آلام فى الكلى وبعض آخر أصيب بـ«حصى».

ويندد «أحمد» بالبيئة الاستثمارية فى المنطقة الصناعية، التى تعكس البيئة الصناعية فى مصر، حيث إن المناخ غير مناسب للاستثمار وتطوير الصناعات وتقدمها وتقديم تيسير لأصحاب المصانع ورؤوس الأموال، مشيراً إلى أن الحديث الآن جار عن مشاكل خاصة بمياه الشرب ومياه الصرف الصحى، فكيف بعوامل التنمية الصناعية الأخرى طالما الأمور الأساسية بها مشاكل، موضحاً أن صناعته تأثرت كثيراً بالمناخ العام فى المنطقة الصناعية، إضافة إلى أزمات الاقتصاد التى تعرضت لها مصانع عدة بسبب تعويم سعر الجنيه المصرى، موضحاً أن المدينة لا يوجد بها فهرس لإرشاد الغريب إلى جهته تجاه المصانع التى يود الذهاب إليها، معلقاً: «ده شغل عشوائى ما فيش أرقام ولا نمر ولا أسماء شوارع ولا أى حاجة»، ويتابع: «المادة الخام كنت بجيبها بقيمة 11.7 ألف جنيه للطن الواحد دلوقتى بقت بـ37 ألف جنيه، والكهرباء زادت وكل حاجة زادت فى ظل إنك فى منطقة ما فيهاش الحاجات الأساسية اللى تساعدك إنك تعيش مش تصنع وتطور أصلاً»، موضحاً أن ارتفاع أسعار الكهرباء مع عدم تقديم الخدمات اللازمة للمنطقة الصناعية بجانب الكثير من المشكلات الخاصة بالنظافة يؤثر بالسلب على النشاط الصناعى فى المنطقة الصناعية، فى ظل غياب وزارة الصناعة والجهات المسئولة عن الحفاظ على الصناعات المصرية، مؤكداً وجود مصانع أغلقت أبوابها بسبب أزمة الدولار وبيئة النشاط الصناعى فى مصر.


مواضيع متعلقة