مجندو الداخلية يروون تفاصيل إصابتهم أثناء فض اعتصام «رابعة»
كانت الليلة شديدة القسوة على مصر كلها، ربما لن يستطيع المصريون أن ينسوها، وستظل ذكراها محفورة فى مخيلتهم، أما هؤلاء الجنود فقد حُفرت تفاصيل تلك الليلة الدامية على أجسادهم بندبة فى اليد أو طلقة فى القدم أو حتى فى الرقبة، مجندون بسطاء ساقتهم فترة خدمتهم إلى «رابعة العدوية» لفض اعتصام أنصار الرئيس المعزول، واليوم فى مستشفى الشرطة بمدينة نصر يستلقى عشرات الجنود على أسرّة المرضى لتلقى العلاج، إصاباتهم تنوعت ما بين طلقة فى القدم وأخرى فى الرقبة وثالثة فى اليد وما بين كسور وجروح قطعية، وبرغم الآلام التى يعانون منها فإن معظمهم رفضوا إخبار أسرهم بما أصيبوا به خوفاً عليهم من هول الصدمة، وحتى لا يتكبدوا عناء السفر من محافظاتهم فى هذه الظروف الصعبة. «الوطن» زارت مجندى الشرطة الذين أصيبوا فى أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، ليرووا تفاصيل ليلة دامية قضوها فى مواجهة الإخوان وأنصارهم.
على البوابة الرئيسية لمستشفى الشرطة بمدينة نصر جلس «هانى»، 21 سنة، فى جلباب منزلى، حوله عدد من زملائه وأقاربه، بصعوبة شديدة فرد هانى قدمه أمامه، وبصعوبة أشد راح يروى اللحظات التى صاحبت إصابته أمام مسجد رابعة العدوية صباح أمس الأول: «كان فيه قناصة فوق العمارات اللى حوالين رابعة، لقيت رصاصة جاية لى من فوق، ولقيت نفسى مش قادر اتحرك، الرصاصة دخلت فخدى وزمايلى جابونى هنا للمستشفى بسرعة، والحمد لله الدكاترة قدروا يخرجوا الرصاصة». أقارب هانى الذين علموا بالحادث وقت وقوعه جاءوا من شبرا الخيمة حيث تعيش أسرته ليطمئنوا عليه، وفوجئوا بخروجه بعد انتهاء علاجه، فقرروا اصطحابه لمنزله.
داخل الحجرة الصغيرة انساب صوت التليفزيون المفتوح على إحدى القنوات التى تذيع تقارير إخبارية عما جرى فى رابعة العدوية، جلس رضا حامد، 21 سنة، من البحيرة على فراش أبيض فارداً قدمه المربوطة أمامه، رضا جندى أمن مركزى كان موجوداً، حسبما يقول، أمام مسجد رابعة العدوية مع زملاء له كُلفوا بتأمين خروج المعتصمين، لم يكن يعلم أن آخر الخدمة سيكون رصاصة حية فى رجله اليمنى: «الطلقة جات لى من ناحية المتظاهرين، وقعت على الأرض وماكانش فيه إسعاف فزمايلى جابونى فى تاكسى لغاية المستشفى». آثر «رضا» ألا يخبر أهله المقيمين فى محافظة البحيرة خبر إصابته: «ماينفعش أبلّغهم عشان ما يقلقوش»، رغم أنه يتوقع أن تطول فترة إقامته فى المستشفى: «الدكاترة ما خرّجوش الرصاصة من رجلى عشان فيها كسر، وبيقولوا لازم العضم يلمّ الأول وبعدين يخرّجوا الرصاصة».
ممسكاً بجريدة الوطن بين يديه راح محمد على، 20 سنة، يقرأ الأخبار بنهم، لم تشغله على ما يبدو قدمه المربوطة بشاش أبيض، قال إن رصاصة نارية أصابتها عندما كان واقفاً فى خدمته كجندى أمن مركزى أمام محطة البنزين المواجهة لمسجد رابعة: «الرصاصة جات لى وأنا وسط الأحداث، كانت الساعة 2 الضهر تقريباً، والدنيا كانت بايظة»، الرصاصة التى يقول محمد إنها جاءت له من ناحية المتظاهرين لم تكن الوحيدة، فحسب وصفه هناك زملاء كثيرون تعرضوا للضرب بالخرطوش والرصاص الحى فى أماكن متفرقة من أجسادهم، خاصة -كما يقول- أن المعتصمين كان بحوزتهم أسلحة كثيرة ومتنوعة: «كان معاهم سلاح روسى وخرطوش وطبنجات 9 مللى». ولأن محمد أنهى علاجه بعد أن تمكن الأطباء من استخراج الرصاصة من قدمه فقد فضّل ألا يُبلغ أهله المقيمين فى الفيوم بخبر إصابته حتى لا يرهقهم، خاصة أن الأطباء أبلغوه بقرب خروجه من المستشفى، كما أن قائد كتيبته حرص على زيارته وزملائه والاطمئنان عليهم منذ أن دخلوا المستشفى للعلاج.[SecondImage]
من طنطا جاء شاكر كمال، 21 سنة، ليؤدى الخدمة العسكرية كمجند فى قطاع الأمن المركزى، وساقه حظه ليكون ضمن قوة التأمين أثناء فض اعتصام رابعة العدوية: «كنا واقفين قدام محطة البنزين اللى قدام جامع رابعة، لقيت رصاصة دخلت دراعى، وكانت جاية من ناحية المتظاهرين، الساعة 9 الصبح، والوقت كان بدرى قوى، لقيت زمايلى شالونى وجابونى على هنا، وكان فيه اهتمام بينا والدكاترة خرّجوا لى الرصاصة»، يروى شاكر اللحظات التى سبقت إصابته: «واحد من زمايلى خد طلقة فى رجله، وفيه ظابط جات له طلقة فى بطنه، والحمد لله إنها جات على قد كده». شقيق شاكر الذى يقول إنه علم بالخبر من أحد زملائه كان يشاركه الغرفة التى يرقد فيها، يقول إن والده ووالدته علما بالخبر وكانا يريدان أن يأتيا للقاهرة حتى يطمئنا عليه، لكنه فضّل ألا يحدث ذلك، خاصة مع ظروف حظر التجول والقلق الذى تمر بها البلاد.
أما «حارس»، 22 سنة، مجند أمن مركزى من أسيوط فلم يقو على الحديث، تمدد بكامل جسده على سرير المستشفى ويداه مربوطتان بالشاش الأبيض فيما تستقر لاصقة طبية كبيرة على رقبته، بصعوبة بالغة قال إنه أصيب بطلق نارى أثناء فض اعتصام رابعة، ثم أغلق عينه وعاود النوم مرة أخرى فى هدوء بدا أنه يسيطر على مستشفى الشرطة رغم كل ما مر من أحداث.