وزير الخارجية الأسبق لـ«الوطن»: الوضع فى سوريا وليبيا يهدد أمننا القومى.. وخلافاتنا مع قطر قديمة

الخميس 19-10-2017 AM 09:58
كتب: سيد جبيل
تصوير: محمود صبرى
وزير الخارجية الأسبق لـ«الوطن»: الوضع فى سوريا وليبيا يهدد أمننا القومى.. وخلافاتنا مع قطر قديمة

السفير محمد كامل عمرو

  • القول إن أمريكا وإسرائيل وراء نكباتنا مضيعة للوقت
  • مناقشات «مرسى» مع القوى السياسية حول احتواء أزمة السد عقَّدت العلاقة بين البلدين وملابسات إذاعتها على الهواء ما زالت غامضة
  • «أديس أبابا» عمدت إلى تسريب الجوانب الإيجابية فقط للتقرير رداً على «مؤتمر مرسى» بهدف إحراجنا
  • إثيوبيا استغلت الاضطرابات التى أعقبت أحداث «25 يناير» وحولت مشروعها من سد صغير إلى سابع أكبر سد فى العالم
  • لو كنت رئيساً للحكومة لطلبت من كل مسئول فى الدولة أن يعتبر قراءة تقرير جامعة «ييل» الأمريكية عن النيل واجباً
  • الجامعة العربية لم تلاحق التطورات التى شهدتها المنظمات الإقليمية المشابهة فى العالم.. ودورها يكاد يقتصر على بيانات الشجب والاستنكار
  • الأمين العام للجامعة يده مغلولة بنظامها الذى يشترط اتخاذ القرارات بالإجماع.. والميزانية المتواضعة.. وكل هذا يجعل أداءها أقل من المطلوب
  • مصر تقع تحت خط الفقر المائى ومتوسط حصة المواطن 660 متراً مكعباً سنوياً فقط مقارنة بـ9800 فى الولايات المتحدة
  • مشكلة سد النهضة أن اللجنة الفنية لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن والجانب الإثيوبى يواصل البناء وتشغيل السد العام المقبل
  • هذه أول مرة فى التاريخ يحدث أن يوجد سدان بهذا الحجم على مجرى مائى واحد دون اتفاق أو تنسيق بين الدول المعنية
  • عودة سوريا موحدة أمر صعب.. والمدن هناك تشبه «هيروشيما ونجازاكى» فى اليابان بعد ضربهما بالقنابل النووية
  • ولى عهد السعودية توسط لتصفية الأجواء بين القاهرة والدوحة وقال: «مصر مصر.. وقطر قطر».. و«مبارك» قبل الوساطة على مضض
  • قطر تتدخل فى شئون دول شقيقة وتدعم قوى تزعزع استقرار المنطقة.. وما لم تغير نهجها فسيكون من الصعب حل أزمتها مع الدول الأربع

قال السفير محمد كامل عمرو، وزير الخارجية الأسبق، إن الوضع الإقليمى المضطرب، وقضية المياه وليس سد النهضة وحده، وتراجع مستوى التعليم لدينا هى أكبر 3 أخطار تهدد أمننا القومى. وكشف «عمرو»، فى حواره مع «الوطن»، عن تفاصيل تُنشر لأول مرة عن أزمة سد النهضة التى عاصرها، منذ لحظاتها الأولى كوزير لخارجية مصر. وأضاف «عمرو» أن مشكلة سد النهضة أن اللجنة الفنية المعنية بالوصول لإجابات لكل ما يشغلنا عن هذا المشروع لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن، والجانب الإثيوبى يواصل البناء، ويقال إن تشغيل السد العام المقبل، وتابع: «هذه أول مرة فى التاريخ يحدث أن يوجد سدان بهذا الحجم على مجرى مائى واحد دون اتفاق أو تنسيق بين الدول المعنية». واستبعد «عمرو» أن تعود سوريا موحدة كما كانت عند نهاية الصراع الذى خلف دماراً يشبه ما تعرضت له مدينتا هيروشيما ونجازاكى بعد ضربهما بالقنابل النووية. وتمنى وزير الخارجية الأسبق أن تسعى الدول العربية لتطوير الجامعة العربية التى يقتصر دورها الآن على بيانات «نشجب» و«نستنكر» و«ندعو الجميع لتحمل مسئولياته».. أضاف «عمرو» أن الحكومة الحالية تسعى أن تفعل الآن ما كان يجب أن يتم على مدار أكثر من 40 عاماً أى منذ عام 1977 عندما توقف الرئيس الراحل محمد أنور السادات عن محاولة إصلاح منظومة الدعم نتيجة مظاهرات يناير، لكنه حذر من أخذ توصيات الصندوق على أنها مسلمات لأن للصندوق سوابق غير مشجعة وسياساته لا تراعى خصوصيات الدول.

عام 1995 شهد أزمة بسبب وصف «أمير قطر الأسبق» لنا بـ«الكذابين» و«عبدالله» قال لنا: «لا تهبطوا لمستواهم»

المنطقة بأكملها تعيش لحظة تحولات كبرى، ومصر ليست بعيدة عن هذا المحيط المضطرب. ما أكثر ما يقلقك؟

- هناك الكثير مما يقلقنى إقليمياً سواء على حدودنا مباشرة أو بعيداً عن حدودنا لكن ليس بعيداً عن أمننا ومصالحنا، ويقلقنى جداً على وجه التحديد الموقف فى سوريا وليبيا وحوض النيل وقضية المياه بصورة عامة. وقد يدهشك أن تعلم أنه مما يقلقنى أيضاً، وبنفس القدر، تراجع مستوى التعليم لدينا، وهو ما أعتبره قضية أمن قومى لمصر.

دعنا نبدأ بسوريا التى كنت شاهداً على اللحظات الأولى لاندلاع أزمتها كوزير للخارجية.

- هذه المأساة المستمرة منذ 2011 أسفرت حتى الآن عن أكثر من 300 ألف قتيل وأكثر من 5 ملايين نازح ولاجئ، وتتعرض مدن سوريا التاريخية لحالة من الدمار، لا تقل عن الدمار الذى تعرضت مدن ألمانيا فى الحرب العالمية الثانية، ولا أبالغ حتى لو قلت إن كثيراً من مدنها باتت تشبه مدينتى هيروشيما ونجازاكى اليابانيتين بعد ضربهما بالقنابل النووية الأمريكية، والمشكلة الأكبر من كل هذا هو أن الأفق مسدود وفرص الحل تبدو معدومة.

هل هذا يعنى أنك لا ترى حلاً قريباً لهذه المأساة؟

- أدعو الله أن يكون هناك حل، ولكن لا أستطيع أن أتخيل وجود حل يعيد سوريا موحدة كما كانت، لأن الصراع هناك ليس بين طرفين بل بين أطراف متعددة: قوى عالمية مثل الولايات المتحدة وروسيا، وقوى إقليمية مثل إيران وتركيا، ودول الجوار المباشر، مثل العراق ولبنان والأردن، فضلاً عن دول الخليج، علاوةً على وجود أطراف محلية كثيرة ومتصارعة، وهناك على أقل تقدير 35 منظمة كبيرة مسلحة تسيطر على أراضٍ سورية، ومن يحتل أراضى ويملك سلاحاً يصعب أن يقبل بأى حل لا يوافق مصالحه، والمصالح متعارضة، وإذا استقرت الأوضاع سنجد أنفسنا أمام ماراثون طويل جداً لإعادة إعمار هذا البلد المدمر. ومن تجاربى، أرى أن الوعود بالمساهمة فى إعادة البناء كثيرة لكن عند التنفيذ لا تجد إلا القليل، فالموارد متوافرة للسلاح والدمار فقط لكنها تكون شحيحة جداً عند إعادة الإعمار.

إلى أى حد تتفق مع وجهة النظر التى تقول إن الولايات المتحدة لعبت دوراً فى هذه المأساة بهدف تقسيم سوريا وتفتيتها خدمة لإسرائيل؟

- هذا هو الطرح الذى نسمعه كلما تعرض بلد عربى لنكبة، وأعتقد أنه مضيعة للوقت، ليس مهماً ما تريده أمريكا أو إسرائيل أو غيرهما، المهم كيف نواجه نحن العرب هذه المخططات للحفاظ على مصالحنا ومستقبلنا.

ماذا تقصد؟

- أقصد أن كل الدول تبحث عن مصالحها فقط، والسؤال ليس ما هى مصالح هذه الدول ولماذا؟ ولكن ماذا نحن فاعلون؟ ودعنى أضرب لك مثالاً يستحق التوقف والتأمل وهو الصين، التى بدأت حياتى المهنية فيها أواخر السبعينات بعد وفاة الزعيم الصينى ماو تسى تونج فى عام 1976. وقتها كانت الصين مجرد دولة نامية لا يميزها عن باقى دول العالم الفقير إلا امتلاكها للسلاح النووى وتكنولوجيا نووية، وخلاف ذلك لا شىء، لكنها خلال 30 عاماًً فقط أصبحت ثانى أكبر قوة اقتصادية فى العالم ورفعت أكثر من 500 مليون مواطن من الفقر للطبقة الوسطى. وأتساءل: هل كان الأمريكان يباركون أو يدعمون هذا النجاح؟ هل الأمريكان راضون أن تكون الصين هى القوة البازغة التى تحاول إخراجهم من منطقة المحيط الهادئ؟ الصين أدخلت مؤخراً للخدمة أول حاملة طائرات محلية الصنع منذ نحو 3 شهور وقبلها حاملة طائرات روسية قديمة كانت قد جددتها، ومهمة هذه الحاملات ببساطة أن تنقل أرضك للخارج. الصين الآن تلتف حول الهند وتقيم قاعدة عسكرية كبيرة فى باكستان، وأنشأت قاعدة عسكرية فى جيبوتى، وتقيم جزراً صناعية من لا شىء فى بحر الصين الجنوبى وتضع عليها مطارات وقواعد عسكرية، وتبدأ حساب حدودها من هذه الجزر، ما يعنى أن بحر الصين كله أصبح ملكاً لها. أمريكا غير راضية عن كل ذلك بالطبع، لكن الصين فرضت الأمر الواقع. ما أريد أن أقوله أن قوتك الذاتية وليس أجندات الآخرين هى المحدد الأساسى، ويجب علينا كعرب أن نخرج من فكرة المؤامرة وأن نركز على «إحنا قادرين نعمل إيه مش إحنا بيتعمل فينا إيه»، هذا هو شأن العلاقات الدولية، كل طرف يبحث عن مصالحه و«مفيش حد هيحن علينا لله».

ليبيا بلد تضربه الفوضى.. والوضع هناك خطر كبير.. فلدينا ألف كيلومتر من الحدود معها مما أدى إلى دخول كم كبير من السلاح للجماعات الإرهابية.. إيران دولة إقليمية مهمة وكبيرة ولا يمكن أن نتجاهلها لكنها تتدخل فى شئون كثير من دول المنطقة مستغلة العنصر العقائدى.. وهذا غير مقبول فى مصر

وماذا عن ليبيا؟

- الوضع الليبى خطر كبير، وكل قيادات الدولة منتبهة لهذا الخطر، فلديك ألف كيلومتر من الحدود المشتركة مفتوحة مع بلد تضربه الفوضى منذ عدة سنوات، ما أدى لدخول كم كبير من السلاح للجماعات الإرهابية، ولذلك نحن نحتاج إلى حل حازم لا يترك ذيولاً، وهذا ما تسعى إليه الدولة المصرية الآن. الحقيقة أن المشكلات الإقليمية التى تؤثر علينا كثيرة.

لكن الدول العربية إما منكفئة على أوضاعها المنهارة أو تحكمها اعتبارات أخرى، كما هو الحال مع السعودية التى يحركها الخوف فى كثير من القضايا، منها الخوف من إيران.

- نقص الرؤية الموحدة والبعيدة واحدة من مشكلات العرب، ولو تصرفنا بمنطق أننا جميعاً فى قارب واحد، سننجو سوياً أو لا قدر الله نغرق سوياً، ستتغير أموراً كثيرة للأفضل.

وأين الجامعة العربية من كل ذلك؟

- الجامعة العربية واحدة من أقدم المنظمات الإقليمية على الساحة، وهذا جيد لكنها لم تتطور، فالمنظمات الدولية 3 أجيال؛ الجيل الأول الذى تنتمى إليه الجامعة العربية عبارة عن مجموعة من الدول التى تنضم لمنظمة ما، لكنها ترفض أى تنازل ولو ضئيلاً من سيادتها لصالح هذه المنظمة، والجيل الثانى منظمات تتنازل الدول المنضمة إليها عن بعض صلاحياتها، ومنها مثلاً محكمة العدل الأوروبية التى تلزم الدول الأوروبية بأحكامها، وهناك الجيل الثالث مثل الاتحاد الأوروبى الذى تكون له العديد من الصلاحيات فوق سيادة الدول الأعضاء فيه. طبيعة الجيل الأول من المنظمات كان مناسباً لوقت التأسيس فى الأربعينات، أما الآن فإن الأوضاع تقتضى تغييراً فى ميثاق الجامعة ولوائحها. أنا لن أقارن الجامعة بالاتحاد الأوروبى، ولكن بمنظمة إقليمية أحدث منها وهى الاتحاد الأفريقى الذى أصبح أكثر فعالية فى إدارة شئون أعضائه، ولديه الآن لجنة تسمى «مراجعة النظراء»، تقبل الدول التى تنضم لها طواعية بإشراف الاتحاد على بعض شئونها. للأسف الجامعة لم تتحرك عن المثال الأول للتجمعات الإقليمية، وهذا ليس عيباً فى الجامعة لأن نظامها انعكاس لإرادات الأعضاء.

إلى أى حد شخصية الأمين العام تسهم فى أداء الجامعة؟

- أى أمين عام يده مغلولة بنظام الجامعة الذى يشترط اتخاذ القرارات بالإجماع، ثم إن ميزانية الجامعة متواضعة جداً مقارنة بما تنفقه الدول الأعضاء على أمور أخرى ربما تكون أقل أهمية من دعم دور الجامعة. كل ذلك من نتيجته أن أصبح أداء الجامعة أقل من المطلوب، خصوصاً فى هذه الظروف المصيرية التى يمر بها العالم العربى، ويكاد يقتصر دور الجامعة على بيانات «نشجب» و«نستنكر» و«ندعو الجميع لتحمل مسئولياته».

بصراحة هل تجاوز الزمن الجامعة العربية؟

- وجود محفل الجامعة بحد ذاته أمر مهم، لكن من المهم أيضاً أن تواكب الجامعة التطور الذى شهدته تجمعات إقليمية مماثلة، لكن الأمل ما زال قائماً فى أن تدرك الدول العربية هذا الخلل وتعالجه، حتى تكون الجامعة قادرة على العمل بفاعلية. هل يتحقق هذا أما لا، أمر لا أستطيع أن أتنبأ به.

هل تعتقد أن علاقتنا الباردة بإيران ترجع إلى خلافات حقيقية مع طهران أم مجرد مجاملة لأشقائنا فى الخليج؟

- إيران دولة إقليمية مهمة وكبيرة ولا يمكن أن نتجاهلها، وفى نفس الوقت هى تتدخل بالفعل فى شئون كثير من الدول، وتوظف العنصر العقائدى فى سياساتها الخارجية، وهذا بالنسبة لنا فى مصر، المشهود باعتدالها الدينى، غير مقبول. شيخ الأزهر الإمام محمود شلتوت أجاز التدريس والتعبد بالمذهب الشيعى، وحبنا لآل البيت معروف، وليس لدينا أى حساسيات، لكن ليس من مصلحتنا إذكاء أى حساسيات طائفية، فنحن لا نحتاج عنصراً جديداً يضر بفكرة المواطنة. وطبعاً كل هذه الشواغل المتعلقة بسياسات إيران تحظى باهتمام مضاعف فى دول الخليج.

الحكومة تفعل الآن ما كان يجب أن يتم منذ 1977 عندما توقف «السادات» عن إصلاح منظومة الدعم نتيجة مظاهرات يناير.. لو أجرت الحكومات السابقة عمليات إصلاح تدريجية ما كان على صانع القرار أن يضطر لاتخاذ هذه الإجراءات المؤلمة فى 3 سنوات

سد النهضة مصدر قلق للكثيرين داخل وخارج مصر، إلى أى حد تعتقد أنه يمثل خطراً على أمننا القومى؟

- كنت تسألنى فى البداية عن أكثر ما يقلقنى، وقلت لك إن رقم واحد هو الوضع الإقليمى المضطرب، ورقم اثنان هو وضعنا المائى بصفة عامة وليس سد النهضة وحده، هناك تقرير مهم جداً بعنوان «النيل الذى يختفى.. نهر محاصر بتهديدات كثيرة» صدر فى أبريل الماضى عن جامعة ييل الأمريكية. هذا التقرير لو كنت رئيساً للحكومة كنت سأطلب من كل مسئول فى الدولة أن يعتبر قراءته واجباً، لأنه يشرح حقيقة أوضاعنا المائية الصعبة لأسباب متعددة منها سد النهضة الذى تسأل عنه، والتغير المناخى الذى أدى لارتفاع مستوى البحر عن الدلتا مما يؤدى إلى تآكل الدلتا وارتفاع نسبة الملوحة، ما يضر بخصوبة التربة، هذا بالإضافة إلى تراجع حصة الفرد فى مصر، الواقعة بالفعل الآن تحت خط الفقر المائى، من موارد النيل بسبب زيادة النمو السكانى.

كيف بدأت أزمة سد النهضة الإثيوبى؟

- إثيوبيا بدأت مشروعها بسد صغير سموه وقتها «السد الحدودى» بسعة 11 مليار متر مكعب ثم استغلت فترة الاضطرابات التى أعقبت أحداث 25 يناير 2011 فى مصر لتطوير هذا المشروع إلى ما أصبح يعرف بـ«سد النهضة العظيم» بسعة 72 مليار متر مكعب من المياه، ليحتل المركز السابع بعد السد العالى الذى يحتل المركز السادس فى قائمة أكبر السدود فى العالم، من حيث سعة التخزين، وقرروا بناءه على مسافة لا تبعد أكثر من 20 كيلومتراً من حدودهم مع السودان. لاحظ أن معدل الميل فى هضبة الحبشة فى هذه المنطقة متر لكل كيلومتر، مقابل معدل ميل يبلغ 10 سنتيمترات فقط لكل كيلو من السودان إلى مصر، ما يعنى أنه إن لم يكن معدل الأمان مثالياً، فستكون هناك كارثة -لا قدر الله- على السودان أولاً وطبعاً سنتأثر بها لكن بالدرجة الثانية.

هل سبق أن تعاملت مع هذه الأزمة أثناء عملك فى البنك الدولى؟

- نعم تعاملت مع مشكلة السدود بشكل عام. وأذكر أنه فى بداية عملى هناك فى عام 1998 زار جيمس ويلفنسون، رئيس البنك آنذاك، إثيوبيا وشكا له المسئولون رفض البنك الدولى تمويل أى مشاريع لهم على نهر النيل مراعاة لرغبة مصر فى عدم إقامة سدود قد تؤثر على حصتهم من مياه النيل، ما يهدر عليهم استغلال كم هائل من المياه يمكن أن يفيدهم فى تحقيق التنمية التى يحتاجونها بشدة، وتعاطف «ويلفنسون» معهم، وتحمس للفكرة ووعدهم بتمويل مشاريعهم، وعلمت أنا بذلك فتواصلت على الفور مع الدكتور إبراهيم شحاتة، الذى كان يعمل وقتها مستشاراً قانونياً للبنك، وهو رجل كان يتميز بأمرين؛ أولهما وطنية وحب بالغ لبلده، والأمر الثانى النفوذ داخل البنك، فقد كان -رحمه الله- أكثر مستشار قانونى تأثيراً فى تاريخ البنك، وكانت فتاواه تؤثر على كل المؤسسات الدولية المرتبط بالبنك أيضاً، فأصدر فتوى قانونية خلاصتها أن البنك الدولى لا يساهم فى المشاريع المقامة على ممر مائى دولى إلا بموافقة كل الدول الواقعة عليه دون الإشارة إلى مصر أو إثيوبيا أو غيرهما.

وكيف أفادتنا هذه الفتوى؟

- كانت هذه الفتوى كفيلة بإثناء أديس أبابا عن التقدم بأى طلب للحصول على تمويل، لأنها تعلم أن الرد سيكون بـ«لا». وفى هذه الأثناء لعبت وزارة الخارجية المصرية دوراً مهماً فى توصيل رسالة لكل الدول فحواها أن أى قروض رسمية من الدول لتمويل سدود على النيل ستعتبره مصر عملاً عدائياً، واحترمت كل الدول هذه الرسالة وامتنعوا عن تقديم أى تمويل لإثيوبيا، لكن ما لا تستطيع مصر منعه هو حصول أديس أبابا على قروض غير رسمية من شركات خاصة مثلاً. وعندما أعلنت إثيوبيا عن بناء السد ذكرت أنه سيكون بتمويل ذاتى، وقالت إنها وفرت 5 مليارات دولار، من خلال اكتتاب مواطنيها فى الداخل والخارج للمساهمة فى بناء السد الذى اعتبروه مشروعاً قومياً حشدوا له كل مواردهم. ولست واثقاً حتى هذه اللحظة من قدرة إثيوبيا حقيقة على هذا.

كل الدول تبحث عن مصالحها ومفيش حد هيحن علينا لله.. وما ينبغى أن نركز عليه هو «إحنا قادرين نعمل إيه.. مش إحنا بيتعمل فينا إيه».. الوصول لاتفاق مع صندوق النقد شهادة «حُسن سير وسلوك» مهمة أمام العالم لكن وصفته لا تراعى خصوصية كل دولة على حدة

وما هى الشركة التى تعاونت معهم؟

- استعانوا بشركة إيطالية سبق أن بنت لهم 5 سدود صغيرة انهار أحدها، ونفس الشركة أعدت دراسة الجدوى وقامت بالتنفيذ، وهذا تعارض غير عادى فى المصالح، وهذه الشركة أقنعتهم بأنهم سيولدون 6.4 جيجاوات (ألف ميجا) كهرباء مقارنة بـ2.1 فى وقت الذروة من السد العالى.

ماذا دار فى أول اجتماع لك كوزير خارجية مع رئيس الوزراء الإثيوبى؟

- زرت إثيوبيا فى سبتمبر 2011 أثناء القمة الأفريقية، بعد أقل من شهرين من دخولى الوزارة (21 يوليو 2011) وطلبت مقابلة رئيس وزرائهم الراحل ميليس زيناوى، وكان هذا فى فترة توتر شديد بين البلدين ناجم عن غضبهم نتيجة جهودنا فى منع تمويل السد عنهم واتهام «زيناوى» لنا بدعم القوى المضادة له. المقابلة استمرت ساعة ونصف الساعة، حاولت خلالها تصفية الأجواء دون التطرق فى البداية لسد النهضة، ولكن تطرقنا لقضايا أخرى مثل التطورات فى جنوب السودان، وكانت رسالتى الرئيسية له: دعنا نبدأ صفحة جديدة، وهو الأمر الذى رحب به، وأكد لى أننا لن نتأثر بأى شكل من سد النهضة، وبعدها جلست مع الدكتور هايلى مريام ديسالين، رئيس الوزراء الحالى، الذى كان يشغل منصب وزير الخارجية وقتها، وهو شخصية دمثة وخلوقة وتحدثنا فى أمور كثيرة، منها الاستثمارات المصرية فى إثيوبيا، مع العلم أن القطاع الخاص المصرى لديه بالفعل استثمارات كبيرة هناك. المهم رتبنا زيارة لـ«زيناوى» لمصر، وحضر بالفعل للقاهرة وأعلن فى مؤتمر صحفى مشهود أن إثيوبيا لن تسلب مصر زجاجة مياه واحدة. وقررنا تشكيل لجنة فنية مشكلة من خبراء فى السدود من 3 دول هى بريطانيا وجنوب أفريقيا وألمانيا لدراسة 3 أمور: عوامل الأمان وتأثير السد على البيئة وعلى دول المصب، واتفقنا أن نتائج تقرير اللجنة سوف تظل سراً تجنباً لضغوط الرأى العام فى البلدان الثلاثة. فى هذه الأثناء وتحديداً فى مايو 2013، قامت أديس أبابا بتحويل مجرى النيل، وهو إجراء معتاد فى المراحل الأولى لبناء أى سد، لكن صاحبه اهتمام وقلق كبيران من جانب الإعلام فى مصر، وكانت هناك حالة استنفار وغضب كبير على المستوى الشعبى أعتقد أن له ما يبرره لأهمية النيل لكل مصرى. وحدث وقتها إذاعة مناقشات الرئيس محمد مرسى مع بعض القوى السياسية لمواجهة الأزمة على الهواء فى أول يونيو 2013، الأمر الذى عقّد الأمور بين البلدين بدرجة كبيرة.

لماذا أذيع هذا الاجتماع المغلق على الهواء؟

- لا أعرف، وما زالت ملابسات إذاعته غامضة حتى الآن. لكن على العموم فى هذا الوقت كان تقرير اللجنة الفنية التى شكلناها قد صدر، وأشار التقرير إلى وجود مشاكل تتعلق بأثره السلبى على البيئة، وأمان السد والتأثير على دول المصب، ما يتطلب إجراء دراسات أكثر. وفى نفس الوقت أشار التقرير أيضاً إلى أن السد سيكون قادراً على توليد كهرباء كافية لسد احتياجات إثيوبيا ويمكنها أن تصدر الفائض منه لدول الجوار، ما يعود بالفائدة للجميع. وعمدت إثيوبيا إلى تسريب الأجزاء الإيجابية من التقرير، وإغفال مواطن الخطر رداً على «مؤتمر مرسى» بهدف إحراجنا.

ما طبيعة المشاكل البيئية أولاً؟

- المشكلة البيئية التى أشار إليها التقرير تتلخص فى أن المساحة الكبيرة التى يغطيها السد مليئة بالنباتات التى كان يجب تطهيرها قبل البناء، ورأى تقرير اللجنة أن تفاعل النباتات مع السد سيطلق غازات سامة تؤثر على جودة المياه التى تنزل من السد، ولأن هذه الخطوة كانت سترفع تكلفة السد بنحو 1.5 مليار دولار، فقد تجاهلتها إثيوبيا ضغطاً للنفقات.

فتوى الدكتور إبراهيم شحاتة منعت البنك الدولى من تمويل مشاريع إثيوبيا على النيل.. ووزارة الخارجية تكفلت بالباقى.. الصورة التى رسمها كتاب «اعترافات قرصان اقتصادى» للبنك الدولى مبالغ فيها.. وللتعامل مع البنك فوائد كثيرة بشرط ألا تسلِّم الدولة المقترضة نفسها لموظفيه وتحدد ما تريده بدقة

وكيف تعاملت مع تصاعد التوتر بين البلدين؟

- عقد مجلس الأمن القومى اجتماعاً وقتها وتم تكليفى بالذهاب إلى أديس أبابا لاحتواء الموقف وقد كان، والتقيت هناك وزير خارجيتها وجلسنا فى مباحثات من 9 صباحاً حتى صباح اليوم التالى، وكان هدفى هو التوقيع على بيان مشترك يؤكد على مطالبنا الأساسية التى تتلخص فى ضرورة عدم المساس بحصة مصر من المياه، وأن يتم على الفور استكمال الدراسات المتعلقة بآثار بناء السد على دول المصب حسب ما أشار تقرير اللجنة الفنية، وأن يتم الانتهاء من ذلك فى فترة زمنية قصيرة، ولتحقيق ذلك سيقوم وزير الرى المصرى بدعوة الدول الثلاث فى غضون أسبوع لاجتماع فى القاهرة لتحديد جهة فنية لإجراء هذه الدراسات، وأن تتم هذه الدراسة خلال 3 شهور، وهذا المطلب الثالث هو ما رفضه فى البداية وزير الخارجية الإثيوبى.

وماذا فعلت بعد هذا الرفض؟

- قلت لهم إذاً سأغادر دون توقيع البيان المشترك، وطلبت بالفعل من الوفد المرافق ومنهم مجموعة من الصحفيين مغادرة إثيوبيا، وبينما كنت أستعد للتوجه للمطار، اتصل بى وزير الخارجية الإثيوبى وطلب منى البقاء لأننا سنصل إلى الاتفاق، فطلبت من الوفد العودة، ووقعنا على البيان على النحو الذى أعددناه وكان ذلك فى 18 يونيو 2013. يومها قال لى وزير الخارجية الإثيوبى: «أنتم قلقون من فترة ملء السد وهذه الفترة ليست مشكلة لنا»، مضيفاً فى جلسة المفاوضات المغلقة بيننا «أننا لسنا فى عجلة من أمرنا، ولا نمانع فى إتمام عملية ملء السد فى الفترة التى ترونها مناسبة». وعقب ذلك فى مؤتمر صحفى سأله يومها الصحفى المعروف عماد الدين حسين سؤالاً ذكياً جداً: «كيف توافقون على المطالب المصرية بإجراء دراسات فيما أنتم مستمرون فى البناء؟»، فرد عليه: «سننتهى من الدراسات خلال 3 شهور، الأمر الثانى أن بناء السد يسمح بتعديله فى مراحله الأولى، وإذا توصل تقرير للجنة لوجود أخطار على دول المصب سوف نعدل السد بما يحفظ مصالحهم». واعتبرت كل ما تم فى هذا اليوم مكسباً كبيراً، وفى طريق عودتى مررت على الخرطوم، واجتمعت مع الرئيس السودانى عمر حسن البشير، وأحطته علماً بما حدث. وعند حضورى للقاهرة أبلغت رئيس الحكومة وقتها الدكتور هشام قنديل بضرورة الإسراع فى التواصل مع الأطراف المختلفة فى السودان وإثيوبيا، وحذرتهم من الوقوع فى فخ التسويف من جانب أى طرف لأن الوقت ليس فى صالحنا، لكن ما حدث أن الأحداث تسارعت فى مصر وصولاً إلى ثورة 30 يونيو ثم أحداث 3 يوليو 2013، التى انتهت بعزل الرئيس الأسبق محمد مرسى، وتغير المشهد السياسى برمته.

وماذا حدث بعد 3 يوليو 2013 فى هذا الملف؟

- تأجل كل شىء حتى ذهب الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى إثيوبيا، ووقع إعلان مبادئ هناك يؤكد على التزامهم بكل مطالبنا، لكن المشكلة أن اللجنة الفنية لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن والجانب الإثيوبى يواصل البناء، ويقال إن تشغيل السد العام المقبل، وطبعاً إثيوبيا مستفيدة من التأجيل ونحن متضررون منه، ولم تتم الإجابة عن أسئلة كثيرة مهمة، منها: ماذا سوف يكون الوضع حين يكون الفيضان منخفضاً وتضطر إثيوبيا لحجز المياه؟ وماذا سنفعل حينما لا تتوافر للسد العالى كمية كافية تسمح بتوليد الكهرباء التى تمثل أكثر من 20% من احتياجاتنا؟ وهل ستعوضنا أديس أبابا عن ذلك؟ وماذا عن المياه التى نحتاجها للرى؟ بعض التقارير الدولية تقول إن «هذه أول مرة فى التاريخ يحدث أن يوجد سدان بهذا الحجم على مجرى مائى واحد دون اتفاق أو تنسيق بين الدول المعنية»، والأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، الدكتور بطرس غالى، الذى شرفت بالعمل معه كان يحذر منذ الثمانينات من أن المياه ستكون سبباً رئيسياً فى اشتعال الحروب، خصوصاً فى أفريقيا، وهو الأمر الذى اتفق معه وتثبته التطورات كل يوم.

كنت وزيراً للخارجية فى فترة الدكتور محمد مرسى التى شهدت حماساً كبيراً من قطر لدعم مصر ثم تغير موقفها 180 درجة بعد سقوط إدارة الإخوان. كيف تحولت قطر من شريك لعدو؟

- الحقيقة أن خلافاتنا مع قطر قديمة. وأذكر عندما كنت سفيراً فى السعودية، وتحديداً فى ديسمبر 1995، أن حدثت أزمة كبيرة بسبب تصريح لحمد بن جاسم، الذى كان وقتها وزير خارجية لقطر، وصف فيه المصريين بأنهم «كذابون»، ما أثار غضباً عاماًً فى مصر، وسعى خادم الحرمين الراحل الملك عبدالله، الذى كان ولياً للعهد وقتها، لاحتواء الأزمة وكان يؤكد دائماً أننا يجب أن نترفع عن تجاوزات قطر لأن «مصر مصر وقطر قطر»، ولا يجب أن نهبط إلى مستواهم. وقتها عقد الملك الراحل عبدالله اجتماعاً فى الرياض مع الرئيس مبارك وأمير قطر وتم تصفية الأجواء، وتقبل الرئيس «مبارك» ذلك على مضض، إكراماً لوساطة خادم الحرمين. هذا مجرد مثال أردت أن أدلل به على علاقتنا المضطربة منذ سنوات مع الدوحة. وتقديرى أن مشكلة قطر أنها دولة صغيرة، وهذا لا يعيبها، لكنها ترى أن لديها إمكانيات كبيرة جداً هى إمكانيات مادية بالدرجة الأولى، تؤهلها لإحداث تغييرات فى محيطها، لكن عندما يتم ذلك برعونة وعندما تدعم الدوحة عمليات إرهابية تكون النتيجة توتراً كبيراً مع كل جيرانها، كما هو حادث الآن. الغريب أن قطر ربطت نفسها بجماعة الإخوان مع أنهم يؤكدون أنهم أكثر وهابية من المملكة العربية السعودية.

التقرير السرى للجنة الفنية الأولى أكد وجود مخاطر بيئية وطلب إجراء دراسات أوسع عن أمان سد النهضة وآثاره المحتملة.. التغير المناخى يهدد حصتنا من مياه النيل والدلتا فى خطر وكل شجرة يقطعها مواطن فى أفريقيا تؤثر علينا سلباً وإهمالنا لعلاقتنا بدول أفريقيا 30 عاماً أثر سلباً على مصر

كيف كانت ترى الحكومة فى عهد الرئيس محمد مرسى مساعى قطر الحثيثة للاستثمار الكثيف فى مصر، خصوصاً فى محور قناة السويس؟

- لم نكن مطلعين على تفاصيل هذه المساعى فى وزارة الخارجية، لكن كنت أعلم أن بعض أجهزة الدولة متحفظة على بعض هذه الاستثمارات، ومنها الاستثمار على مساحة كبيرة متصلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

إلى أين تتجه أزمة قطر مع الدول الأربع (مصر والسعودية والإمارات والبحرين)؟

- أزمات قطر مع الدول الأخرى ليست جديدة، ولكن الجديد هو المدى الذى وصلت إليه قطر فى تدخلها فى شئون دول شقيقة ودعمها لقوى تعمل على زعزعة الاستقرار فى المنطقة، من هنا فإننى أعتقد أنه ما لم تغير قطر نهجها هذا فسيكون من الصعب حل أزمتها مع الدول الأربع.

البعض يرى أن قطر تحظى بدعم أمريكا لأن لها دوراً وظيفياً فحواه أنها تقوم بمهام تريد الولايات المتحدة إنجازها لكنها دون أن تنسب إليها.. هل تتفق مع هذا؟

- بغض النظر عن أى آراء وتحليلات تخص أصحابها، فما هو معلن ومعروف أن قطر تستضيف أكبر قاعدة عسكرية لأمريكا فى الشرق الأوسط، ونقل هذه القاعدة لدولة أخرى ليس أمراً سهلاً، كما أن قطر لديها ثالث أكبر مخزون من الغاز فى العالم. صحيح أن أمريكا لا تحتاج هذا الغاز لكن حلفاءها فى آسيا مثل اليابان يحتاجونه. هذان العنصران يعطيان وزناً لقطر فى السياسة الخارجية الأمريكية، ويفسران لماذا تغير موقف أمريكا من الأزمة القطرية، بعد تهديدات «ترامب» لها. أقصد أن الإدارة الأمريكية اتخذت، تحت ضغوط «البنتاجون» و«الخارجية»، موقفاً تصالحياً لا يقسو على الدوحة.

كنت مديراً تنفيذياً فى البنك الدولى ممثلاً لـ13 دولة عربية لمدة 11 عاماً.. كيف ترى برنامج الإصلاح الاقتصادى الحالى؟

- الحكومة تفعل الآن ما كان يجب أن يتم على مدار أكثر من 40 عاماً أى منذ عام 1977، عندما توقف الرئيس الراحل محمد أنور السادات عن محاولة إصلاح منظومة الدعم نتيجة مظاهرات يناير التى سماها البعض «ثورة الجياع» وسماها السادات «انتفاضة الحرامية». لو كانت الحكومات المتتالية أحدثت عمليات إصلاح تدريجية، ما كان على صانع القرار اليوم أن يضطر لاتخاذ هذه الإجراءات المؤلمة على مدار 3 سنوات فقط، هى مدة برنامج الحكومة الذى يدعمه صندوق النقد الدولى.

بعد عملك لفترة طويلة فى مؤسسة شقيقة للصندوق وهو البنك الدولى.. ما تقييمك لسياسات صندوق النقد؟

- الوصول لاتفاق مع الصندوق هو أمر مهم للبدء فى عملية الإصلاح الاقتصادى، لأن الاتفاق فى حد ذاته يعطى للدولة ما يمكن وصفه بشهادة «حسن سير وسلوك»، يمكن بمقتضاها أن تتعامل الدولة مع المؤسسات المالية العالمية والدول الأخرى. وفلسفة الصندوق معروفة، وهى بالأساس تعتمد على آليات السوق وهو أمر محل توافق بين اقتصاديين عالميين ومحليين، لكن يأخذ البعض على هذا التوجه عدم مراعاة خصوصية وظروف كل دولة على حدة، لأن وصفته واحدة للجميع، وهذا أمر يحتاج إلى حذر، فتحرير العملة على سبيل المثال فى دولة مصدرة مثل كوريا الجنوبية مفيد، لكنه لا يأتى بنفس النتائج مع دولة أفريقية فقيرة تعيش على الاستيراد. وعندما كنت فى البنك شهدت مناقشات كثيرة بين خبراء الصندوق واثنين من أبرز منتقديه، وهم عالما الاقتصاد الحاصلان على نوبل فى الاقتصاد بول كروجمان وجوزيف ستيجلز، و«ستيجلز» الذى عرفته عن قرب عندما كان كبير اقتصاديى البنك الدولى، كتب كثيراً عن قناعاته بأن سياسات الصندوق تؤدى إلى عكس ما يريدون، وللصندوق طبعاً بعض السوابق غير المشجعة، ونتذكر جميعاً أنه أثناء أزمة الدول الآسيوية فى التسعينات، كانت ماليزيا أول دولة خرجت من الأزمة، مع أنها كانت الدولة الوحيدة التى رفضت مقترحات الصندوق. عموماً التعامل مع الصندوق له فوائده وضرورته ويجب، وأنا واثق أن ذلك يحدث فى مصر، أن نتفاوض معه فى تفاصيل ما يقدمه لنا كاستشارات ولا نأخذ كل ما يقدمه لنا على أنها مسلمات، ولا نريد العودة لنظرية «تساقط ثمار النمو» التى أثبتت فشلها وعدم جدواها فى السنوات الأخيرة لحكم مبارك عندما كنا نحقق معدلات نمو تتجاوز الـ7% لكن لم يشعر بها الغالبية من أبناء الشعب.

صورة البنك الدولى سلبية أيضاً فى أذهان كثير من الناس منذ أن رفض تمويل السد العالى فى الخمسينات وزادت هذه الصورة سوءاً بعد صدور كتاب «اعترافات قرصان اقتصادى» الذى قدم صورة مخيفة عن مؤامرات البنك لتوريط دول العالم الثالث فى قروض لمصلحة الولايات المتحدة والشركات العالمية.. كيف تعلق على ذلك من خلال عملك الطويل مع البنك؟

- هذه صورة مبالغ فيها. البنك مؤسسة دولية مهمة وللتعامل معه مميزات كثيرة، فلا توجد أى مؤسسة أخرى فى العالم تمنح الدول النامية قروضاً بتكلفة قليلة جداً لفترات تصل إلى نحو 20 عاماًً، خلاف فترات السماح التى قد تصل إلى 7 سنوات، والدول الأكثر فقراً تحصل على قروض بسعر التكلفة لفترات قد تصل إلى 50 عاماًً، هذا فضلاً عن ميزات أخرى مجانية تصاحب قروضه مثل تنظيم المناقصات الدولية والخبرات الفنية، لكن الخلل يحدث عندما تذهب دولة ما وتسلم نفسها للبنك.

ماذا تقصد؟

- أقصد أن البنك الدولى فى نهاية الأمر هو بنك وأداء مديريه يحدد حسب قدرتهم على منح القروض. صحيح أنه لا يهدف للربح لكن يجب أن يحقق هامشاً من الأرباح يغطى نفقاته. وبالتالى أكبر خطأ أن تذهب دولة وتطلب من البنك قرضاً لمشروع لم تدرسه بعناية وتحدد مطالبها وشروطها بشكل محدد من البنك، فى هذه الحالة سوف تحصل هذه الدولة من البنك على القرض ولكن بشروط لن تراعى بالضرورة مصلحة هذه الدولة، وإنما مصلحة البنك الذى سوف يلزمها بشروط كثيرة ويعفى نفسه من أكبر قدر ممكن من الالتزامات. وكما قلت هذا يحدث فقط مع نقص الخبر الذى يصل فى بعض الحالات لدرجة أن بعض الدول تطلب من البنك أن يكتب لها طلب التمويل وشروطه، وإدارة البنك نفسه واعية بوجود تجاوزات وفساد فى بعض المشروعات التى يمولها، والدليل على ذلك أن البنك امتنع فى فترة التسعينات وبداية الألفية لنحو عشر سنوات عن تمويل مشاريع البنية التحتية بسبب كثرة شبهات الفساد فى هذه النوعية من المشاريع الناتجة عن تواطؤ بين المسئولين المحليين فى الدول المقترضة وبعض موظفيه، لكنه عاد مرة أخرى لتمويلها بسبب احتياج هذه الدول وحاجتها للقروض، لكنه وضع شروطاً أكثر صرامة.

قلت فى البداية إن التعليم فى مصر يقلقك بنفس القدر الذى يقلقك فيه قضية المياه والاضطرابات الإقليمية، وهذه أول مرة أسمع فيها هذا الكلام من وزير خارجية سابق.

- جودة التعليم عامل أساسى فى تقدم هذا البلد وأمنه القومى، وكل الدول التى تقدمت ونجحت فى تحقيق ذاتها مثل الصين وسنغافورة وكوريا الجنوبية وغيرها، كان التعليم هو السر الأساسى فى تقدمها. فى مطلع التسعينات وأثناء عملى فى سفارتنا بالولايات المتحدة ذهبت لإلقاء كلمة فى جامعة واشنطن فى الساحل الغربى، بدعوة من الجامعة، وهناك قال لى أساتذتها إن 40% ممن يدرسون الرياضيات والعلوم فى جامعات الساحل الغربى فى أمريكا قادمون من آسيا، والسواد الأعظم من هؤلاء الطلاب صينيون، كانت الصين ترسلهم على نفقتها وهى تعرف أن 50% منهم لن يعودوا إليها، والشباب الذين بقوا فى أمريكا وحققوا نجاحات كبيرة بدأوا فى العودة لبلدهم بعدما تقدمت مؤخراً، فالصين كانت تنظر إلى 30 عاماًً للأمام، والتقدم لا يتحقق إلا بشرطين أن تعرف الهدف وكيف تصل إليه، والعلم هو الطريق المؤكد الذى يمكن أن يصل بك لأهداف التنمية والخروج من الفقر والعوز. لاحظ أننى ضربت المثال بالصين مجدداً لأن لدينا اعتقاداً هنا بأننا نعانى بسبب تآمر الآخرين علينا، ولو أن الصين فكرت بهذا المنطق ما كانت ستحقق شيئاً، فهذه دولة تعانى من كم كبير من المشكلات والتحديات، ولديها عرقيات وقوميات وأديان مختلفة، وعانت من استعمار اليابان وبريطانيا التى غزتها لإجبارها على بيع الأفيون، ورغم كل ذلك لم تستسلم وحققت المعجزة. ما أريد أن أقوله أن مصر التى كانت فى يوم من الأيام أكثر تقدماً من الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة، التى تعد الآن فى مصاف الدول المتقدمة، كان لديها نظام تعليم جيد أفرز قامات على مستوى عالمى فى مجالات العلوم والآداب، ويحق لها أن تشعر الآن بالقلق حين تأتى فى ذيل قوائم مؤشرات مختلفة ترصد جودة التعليم فى دول العالم.

 

«عمرو» يتحدث إلى الزميل «جبيل»

أخبار متعلقة

التعليقات

عاجل