بين أرجاء حديقة الجزيرة المجاورة لكوبرى قصر النيل تجد أحمد، الذى لم يتجاوز عمره عامين، يلعب وسط أقرانه، يجرى قليلا ويجلس ليستريح كثيرا. مرضه الذى يظهر على قسمات وجهه وعلى رأسه الأصلع يمنعه عن اللعب بشكل متواصل. اعتاد أن يجرى فى الحديقة حافى القدمين وبدون ملابس فى نصفه الأسفل، ثم يجرى ليرتمى فى حضن والده.
والده هو عبدالرحيم عبدالعال، رجل أربعينى، اعتاد المتظاهرون فى ميدان التحرير رؤيته، بسبب موقعه المتميز فى نهاية كوبرى قصر النيل، يقف أمام نصبة شاى حاملا طفله الأصغر «أحمد» على إحدى ذراعيه، بينما يستخدم ذراعه الأخرى فى تلقيم أكواب الشاى لزبائنه بالميدان.
الفقر الذى يعيشه عبدالرحيم انعكس على ابنه «أحمد»، الذى يتحدث إلى والده بتلعثم: «عاوز أعوم مع إخواتى فى البحر».. فيرد الوالد بحسرة: «تعوم إيه بس يا ضنايا.. بلاش عشان ما تتعبش.. كفاية اللى إنت فيه».
«أحمد»، الطفل الأخير لأسرة مكونة من 4 أفراد آخرين، شاءت الأقدار أن يعيش بنصف كلية، بعد أن أصيب بسرطان فى كليته.
قطعة لحم صغيرة حمراء فى ظهر طفلها الأصغر، دفعت الأم، التى تبيع ذرة مشوية، إلى فحصه من قبل الطبيب، الذى قلّبه يميناً ويساراً وطلب من الأم بعض التحاليل والأشعات، لتظهر النتيجة صادمة للأسرة، حيث صارحها الطبيب قائلاً: «ابنك يا حاجة عنده سرطان فى الكليتين وتقريبا عايش بنص كلية بس».
قرر الأب أن يتفرغ لعلاج «أحمد»، وشريط الذكريات الحزينة يمر أمام عينيه، فعندما كان يمتلك «مركب» يعمل عليه، صدر قرار من محافظة القاهرة بإزالة مَرسى المراكب لتتحطم أحلامه على صخور الظلم، ويجد نفسه فى الشارع هو وأسرته، وها هى مصيبته الثانية مرض ابنه، فلم يجد أمامه حلاً سوى أن يذهب إلى معهد الأورام، وهناك صارحوه: «هنشيل الكليتين وبعد كده هيكون فيه جهاز تنفس معلق فى رقبة ابنك يستطيع من خلاله استكمال الحياة حتى يبلغ عمره أربع سنوات، وبعد ذلك نبحث عن متبرع بكليتين».
لم يصدق الأب. تألم كثيراً بسبب صرخات الصغير من شدة الألم، وكان «العلاج الكيماوى»، هو المسكن الوحيد، لكنه أدى إلى وقوع شعر الابن وإصابته بضعف فى عضلة القلب.
رب الأسرة لا يرغب شيئاً من هذه الدنيا، سوى مصدر رزق ثابت، وهيئة خيرية تتبنى تكاليف عملية ابنه الصغير، حتى تعود البسمة إليه ويبدأ حياته من جديد.