دراسة: الاقتصاد.. الجانب الخفي وراء أزمة مسلمي الروهينجا

كتب: محمد علي حسن

دراسة: الاقتصاد.. الجانب الخفي وراء أزمة مسلمي الروهينجا

دراسة: الاقتصاد.. الجانب الخفي وراء أزمة مسلمي الروهينجا

 تعيش ميانمار على وقع أزمة تعصف بشعب الروهينجا، التي راح ضحيتها عشرات المسلمين الأبرياء، وهجّر مئات الآلاف من القرويين الذين فقدوا كل شيء، خلال عملية التهجير القسرية التي قادتهم إلى معسكرات اللجوء في بنجلادش بشكل أساس، ومن المثير للاهتمام أن بعض دول العالم، مثل الصين والهند وروسيا، رفضت توجيه الإدانة ولو المحددة ضد العنف المستمر بحق أبناء تلك الطائفة.

وحدة الدراسات الاقتصادية بمركز "الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية" العراقي، أوضح في دراسة له أن الأزمة أثارت الكثير من الأسئلة، عن سبب اندلاعها، وحول تاريخها، ومن يقف وراءها، و المصالح الاقتصادية والتجارية ، إلى جانب المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية الأخرى، التي تواصل تشكيل سياسات الصين والهند وروسيا حيال ميانمار وغض طرفهاعن الانتهاكات العسكرية لحقوق الإنسان في ميانمار.

وأضافت الدراسة أن لميانمار موقعا مهما وحيويا؛ لكونها منطقة عازلة بين الصين والهند، وتوفر إحدى مناطقها (راخين) إمكانات اقتصادية هائلة لكلا البلدين، بتنفيذ مشروعات البنية التحتية، وخطوط الأنابيب، وفيها أراض زراعية شاسعة وتتوافر فيها الموارد الطبيعية مثل النفط والغاز الطبيعي والموارد البحرية من خليج البنغال.

ما تقدم يعني أن الانتماء العرقي ليس السبب الوحيد لما تقوم به سلطات ميانمار من حملة تطهير بحق الروهينجا، فالمصالح الاقتصادية "النفطية للصين" وميانمار لها دور رئيس أيضا فيما يشهده إقليم أراكان الحدودي مع بنجلادش، والغني بالموارد الاقتصادية، والذي يشهد وجود أحد أهم أنابيب الغاز والنفط الصينية.

ويعد الأنبوب الواقع في بلدة "نجافي" بمنطقة "ماجواي"، أحد أركان التعاون الأول بين ميانمار والصين في إقليم أراكان، والذي عرقلته لفترات التوترات في الإقليم على خلفية الانتهاكات التي تمارس ضد مسلمي الروهينجا.

في 2004، تم اكتشاف حقل غاز ضخم في خليج البنغال قرب السواحل الميانمارية، وفي 2008، حصلت مؤسسة البترول الوطنية الصينية (ثالث أكبر شركة نفط بالعالم وفق تصنيف فورتين غلوبال 2016)، على حقوق الانتفاع لحقل الغاز.

عقود النفط ووفق الصفقة المبرمة والمتفق على استمرارها لنحو 30 عامًا، يتعين أن تحصل ميانمار سنويًا من الصين على 13 مليون دولار أمريكي، عائدا عن استئجار الأراضي، حيث تبنت الصين مشروع إنشاء أنابيب لنقل النفط والغاز، اللذين يصلان إلى ميانمار بحرًا من منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا، مما يقلص من الوقت المطلوب لإتمامها نحو 30% من وقتها الأصلي (كان يتم النقل عبر التحرك جنوبًا إلى خليج ملقا بين ماليزيا وسنغافورة).

وأنشئ أنبوب النفط في منطقة قريبة من ميناء كيوكفيو، في شبه جزيرة بخليج البنغال، وقرب امتداد أنبوب الغاز، وفق تقارير إعلامية صينية.

ووصلت أول دفعة من النفط الخام من ميانمار عبر خط أنابيب النفط بين البلدين في 19 مايو 2017، بينما تم إنشاء خط أنابيب الغاز بين البلدين في 30 سبتمبر 2013، حسب وسائل إعلام صينية.

ومن المقرر أن تنقل سنويًا أنابيب الغاز نحو 12 مليار متر مكعب من الغاز إلى الصين، بينما تنقل أنابيب النفط المجاور 22 مليون طن (ما يعادل 260 ألف برميل يوميًا)، وفق بيانات رسمية.

ومنذ أن جرى التوقيع على إنشاء أنابيب النفط والغاز في 2009، اندلعت مظاهرات من قبل المواطنين في أراكان لمناهضة خطط الحكومة الميانمارية وشريكتها "مؤسسة البترول الوطنية الصينية".

وتمر أنابيب النفط والغاز بـ23 مدينة مركزية، إضافة إلى 56 نهرا، و76 جبلا، في ميانمار والصين، ووفق المصدر نفسه، فان المؤسسة الصينية لم توفر الكهرباء للمنطقة، علاوة على تنصلها من توفير فرص عمل للعمال المحليين.

وعلى خلفية هذه الحالة من التوتر المجتمعي المستمر من جانب، وعدم التوصل إلى اتفاق تجاري يرضي الطرفين، أرجأت ميانمار والصين البدء في تشغيل أنبوب الغاز حتى 2014، والعمل في أنبوب النفط، إذ في 2011، رضخت الحكومة الميانمارية لضغط عنيف من المعارضة المحلية، واضطرت إلى تعليق مشروع "خزان مايتسون" الصيني في ولاية كاشين بعدما أدركت دور المناهضين لها في تكبدها خسارة تصل حد ملايين الدولارات.

وهذا يفسر لجوء الجيش الميانماري إلى عدد من حملات العنف ضد الروهينغا، بحجة الانتقام من أي تمرد محلي على خطط الدولة الاستثمارية، ما يأخذ بُعدا آخر غير البعد الطائفي للقضية.

وشرعت ميانمار في القيام بإصلاحات اقتصادية وسياسية ما يسمى بـ"الحدود النهائية لقارة آسيا"، مع تشريع الحكومة في ميانمار عدة قوانين تتعلق بإدارة وتوزيع الأراضي الزراعية، لضمان خطط الاستثمار الأجنبي، وتفادي أي خسارة.

وحينئذ، واجهت تلك الخطط الحكومية انتقادات واسعة لأهدافها الربحية والرامية إلى تعزيز قدرات الحكومة على الاستيلاء على الأراضي.

وترجع الأطماع الصينية، منذ تسعينيات القرن الماضي، إذ يستولي الجيش الميانماري على أراضي المالكين الصغار لصالح الصين دون الالتزام بدفع أي تعويضات مالية، أو النظر إلى الانتماءات العرقية أو الدينية، وفق ما أشار موقع "ذا كونفرزيشن" البريطاني في 12 سبتمبر، وبررت الحكومات المتعاقبة في يانجون عمليات الاستيلاء على الأراضي بأنها في إطار "خطط التنمية" التي اشتملت على بناء قواعد عسكرية، واستثمار الموارد الطبيعية أو حتى إقامة مشروعات زراعية ضخمة، أو أخرى متعلقة بالبنى التحتية والسياحة.

وبرز الاهتمام الصيني بميانمار كموقع استراتيجي وأرض غنية بالمواد الاقتصادية، حين توجه عدد من الشركات الصينية لاستغلال الأنهار، والمواد المعدنية في ولاية "شان"، ما ولّد صراعات بين الجيش الميانماري وجماعات مسلحة من جيش استقلال كاشين والعرقيات الحليفة لها شمال، وشرقي الولاية الحدودية مع الصين.

ويوجد في إقليم أراكان حقل غاز "شوي" وأنبوب النفط الموازي، ذي الأهمية الاستراتيجية للمصالح الجيوسياسية الصينية، لذا لن تسمح بخسارتها لا بكين ولا يانغون بسبب اعتراض محلي من أقليات الإقليم، أو اندلاع أعمال عنف على أساس الاختلافات العقائدية بين الأغلبية البوذية في ميانمار وأقلية الروهينجا المسلمة في أراكان، التي تزيد حدة التوترات في الإقليم الاقتصادي.

ومن جملة المشاريع في ميانمار، "المنطقة الاقتصادية الخاصة في كياوكبيو" المدينة في ولاية راخين التي تبعد 200 كلم جنوب المنطقة التي نزح عنها مئات آلاف الروهينجا في الأسابيع الأخيرة هربا من العملية العسكرية التي يشنها الجيش الميانماري.

وعززت الصين التي تعد المستثمر الأول في ميانمار، في السنوات الأخيرة موقعها في هذه المنطقة من غرب البلاد حيث تعيش أقلية الروهينجا المسلمة، وتعتبر المنشآت في راخين حيوية بالنسبة الى الصين التي تسعى الى ضمان أمن الأنابيب التي تنقل النفط والغاز الطبيعي من الشرق الأوسط إلى إقليم يونان، بحيث يتم تفادي مضيق ملقة بين ماليزيا وإندونيسيا.

وأنشئ أنبوب نفط ضخم يربط بين راخين ويونان، بتكلفة 2,45 مليار دولار بحسب "سي آي تي آي سي" التي تولت الإشراف على الإعمار، ساهمت بورما بـ1,20 مليار منها بينما تكفلت الصين بـ1,24 مليار الباقية.

وتعد الصين أيضا أكبر مستثمر أجنبي في ميانمار، مع إجمالي حجم الأعمال البالغ 25.3 مليار دولار، ويرتبط اقتصاد ميانمار ارتباطا وثيقا بالصين التي تعززت علاقات التجارة والطاقة والدفاع معها، وإجمالا للقول، فإن الاستثمارات الأجنبية المباشرة من الصين تمثل نحو ربع إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة في ميانمار.


مواضيع متعلقة