«المهن المُمرِضة»: عجز عن العمل و«خراب ديار» بسبب انعدام عوامل السلامة.. والفصل التعسفى جزاء العامل بعد الإصابة
«المهن المُمرِضة»: عجز عن العمل و«خراب ديار» بسبب انعدام عوامل السلامة.. والفصل التعسفى جزاء العامل بعد الإصابة
- إجراءات التقاضى
- إدارة الشركة
- الأمراض المختلفة
- الأمن والسلامة
- الدعوى القضائية
- السيارات الخاصة
- العمود الفقرى
- بولاق الدكرور
- إصابات العمل
- إجراءات التقاضى
- إدارة الشركة
- الأمراض المختلفة
- الأمن والسلامة
- الدعوى القضائية
- السيارات الخاصة
- العمود الفقرى
- بولاق الدكرور
- إصابات العمل
مهنٌ دخلها أصحابها رغم ما تردد على أسماعهم من أمراض قد تصيب ممتهنيها مع مرور الوقت، لم يكن أمامهم حل آخر فى سبيل بحثهم عن «لقمة العيش»، فقد تركز كل تفكيرهم على «قوت يومهم» المنشود، غير عابئين بذلك المستقبل البعيد وما قد يحمله لهم من متاعب، فما هم فيه من «كدر العيش» لم يمنحهم «رفاهية» التفكير فيما هو آت.
{long_qoute_1}
«مصطفى عادل»، أربعينى، وأحد ضحايا «المهن المُمرضة»، بدأ عمله كـ«صنايعى دوكو» قبل 14 عاماً مضت، داخل ورش واحدة من شركات السيارات الشهيرة على طريق «مصر - إسماعيلية» الصحراوى، لم يكن يعلم أن هذا العمل سينتهى به يوماً طريح الفراش، يعانى آلام المرض، بعد 9 أعوام كاملة قضاها فى الشركة: «دوكو السيارات دى مهنتى أصلاً، وعرفتها من وأنا عندى 10 سنين، وقتها كنت شغال مع أبويا فى ورشته، ولما اشتغلت فى الشركة دى كنت بعمل فلوس كويسة جداً، لأن الحوافز عندنا كانت بالإنتاج».
ثمانية أعوام كاملة لم يكلّ فيها «مصطفى» من العمل، فحافز الإنتاج كان يجعله يتحمل أكثر من طاقته لتوفير أكبر كم من الأموال، إلى أن ظهرت بوادر مرضه مع بداية عامه التاسع داخل الشركة، وبعد رحلة من التردد بين الأطباء كانت النتيجة صادمة: «ربو وحساسية وثلاثة أرباع الرئة باظت»، ظروف المرض لم يعد «مصطفى» معها على حاله، فالمجهود المبذول قل عن الضعف، ما أثر على تحقيق الحافز الذى كان يعتمد عليه، ومن ثم قل راتبه بصورة كبيرة: «بدل ما كنت بعمل العربية فى 3 أيام بقت تاخد معايا 6»، شهرين فقط مرا على مرض «مصطفى» بدأت بعدهما الإدارة فى اتباع سياسة النقل له بين أقسام أخرى، إلى أن استقر فى قسم مخزن قطع الغيار: «كانوا بيزهقونى، وخلونى بقيت عتال فى المخزن، ومفروض إنى كان معايا 5 مساعدين، مكملوش أسبوع واحد والخمسة اترقوا ومبقوش يشيلوا معايا حاجة، وبقى مطلوب منى لوحدى إنى ألف الشركة كلها أوزع قطع الغيار على كتفى حتى لو كانت نص عربية من غير حتى حاجة أشيل عليها، ولما اشتكيت لمدير الشركة قال لى هو ده اللى عندنا ولو مش عاجبك قدم استقالتك وامشى».
محاولات «تطفيش» مختلفة استعملتها الشركة مع «مصطفى» طيلة عام كامل، على حد قوله، إلا أنه لم يكن أمامه باب رزق آخر يذهب إليه، بعد أن نقل معيشته، هو وزوجته وطفليه، من منطقة بولاق الدكرور إلى منطقة الخصوص بمحافظة القليوبية حتى تكون قريبة من مكان العمل، ليستقر بها طيلة أعوام عمله بالشركة، إلا أن الرياح دائماً لا تأتى بما تشتهى السفن، ففى نوبة من نوبات إعيائه المعتادة، جاءته هذه المرة فى غياب أطباء الشركة، فاضطر إلى زيارة طبيب آخر خارج الشركة، وأجبره التعب وقتها على المكوث فى بيته قرابة الشهر لا يقوى على الحركة، ليفاجأ بعد عودته بما هو أكبر عليه من المرض: «جيت لقيتهم سايبين خبر للأمن إنى مدخلش الشركة، ولما طلعت للمحامى قالى إنى اترفدت عشان تغيبت عن العمل»، أربعة تقارير طبية يحملها «مصطفى» وتثبت حالته من أطباء الشركة أنفسهم، لم تكن شفيعة له، وعندما أخبرهم بأنه كان مريضاً فى هذه الفترة، طلبوا منه تقارير طبية أخرى تفيد بذلك، وعندما أتى بها كان الرد عليه بأنها تقارير مزورة: «اتعصب علىّ وقال لى امشى من هنا انت ملكش أى مستحقات، وقتها صعبت علىّ نفسى وزعقت فيه جامد»، ليعود إلى بيته وكأنه لم يقض فى هذه الشركة يوم عمل واحداً مضى: «حتى مكافأة نهاية الخدمة مخدتهاش، ولو كانوا إدونى جزء من حقى كان هيهون علىّ شوية».
{long_qoute_2}
لم يعد أمام «مصطفى» حينها سوى اللجوء إلى القضاء، ليظل طيلة الأعوام الخمسة الماضية فى انتظار ما قد يعوضه عن سنين عمره «اللى راحت هدر»، بعد أن أجبرته ظروف معيشته على العمل فى واحدة من ورش السيارات الخاصة، ليتمكن من دفع نفقات طفليه لأمهما التى انفصلت عنه منذ عام مضى ولم تتحمل ضيق عيشه، لينهى حديثه بنبرة غاضبة امتزجت بالحزن قائلاً: «أنا دخّلت للشركة مكاسب كتير وتعبت عندهم بعد ما كنت جايلهم سليم، فلما تعبت إدونى بالرجل ومشونى من غير حتى مستحقات، وللأسف غصب عنى هستحمل التعب لأنى مش هعرف أشتغل مهنة غيرها».
فى التسعينات من القرن الماضى، كانت «رحلة مرض» أخرى، بدأها «عبدالعاطى محمد»، حينما التحق بالعمل فى واحدة من شركات الأسمنت بحلوان، قضى بها ثمانية أعوام كاملة داخل قسم التعبئة، إلى أن فاجأه المرض الذى قلب حياته رأساً على عقب: «قلبى تعبنى ولما رحت أكشف لقيت عندى انسداد فى الشرايين بسبب الأتربة بتاعة المصنع»، عملية جراحية أولى أجراها «عبدالعاطى» وهو لم يكن يكمل عامه الخامس والثلاثين بعد، لينصحه الطبيب المعالج بعدها بعدم التعرض للأتربة كثيراً، إلا أن الطامة الكبرى لم تكن قد أتته بعد: «سنة ألفين الشركة اتباعت وبعدها بسنتين بس لقيت الشركة بتقولى مع السلامة من غير حتى ما يدونى إنذار قبلها أو حتى أمضى على أى ورق يثبت إنى طلعت من الشركة».
حالة من الصدمة سيطرت على «عبدالعاطى» بعد القرار المفاجئ بإحالته على المعاش، وهو ما دفعه لرفض صرف شيك مكافأة نهاية الخدمة، والتقدم بأكثر من شكوى لإدارة الشركة إلا أن الرد كان وقع صدمته أكبر عليه: «قالوا إحنا طلعنا كل اللى بياخدوا أدوية قلب ولو مش عاجبك روح اشتكى واعمل اللى انت عايزه».
عقد سادس من العمر قارب «عبدالعاطى» على إتمامه، قضى ما يقارب نصفهه فى مرض لا ذنب له فيه سوى العمل داخل هذه الشركة، وهو ما جعله يتحدث بأسى عن عمره الذى راح هباءً، على حد تعبيره: «دمرونى من كل ناحية، دخلت الشركة عندى 27 سنة وخرجت منها مريض بمعاش 52 جنيه، ومن ساعتها وأنا لا عارف أشتغل ولا عارف أصرف على بيتى»، ولم يكن أمام «عبدالعاطى» سوى اللجوء إلى القضاء، إلا أن إجراءات التقاضى لم تنته حتى الآن، ليختم الرجل الستينى حديثه قائلاً: «لا خدت منهم حق ولا باطل، ومبقاش قدامى غير إنى أوكل أمرى لله».
{long_qoute_3}
وداخل أحد مصانع الطوب فى محاجر محافظة المنيا، كانت معاناة أخرى، يعيش فيها الخمسينى «محمد عنتر»، الذى مر على فترة عمله داخل المحاجر ما يزيد على 30 عاماً، رأى فيها ما رأى من الأمراض المختلفة التى سببتها له طبيعة عمله بين الأتربة والصخور: «أكتر مرض بييجى للناس هنا بيكون التحجر الرئوى، وده بيكون بسبب التراب والبودرة اللى بتطلع علينا طول الوقت وإحنا شغالين»، إلا أن قلة مصادر الرزق فى المحافظة تجعل أبناءها مجبرين على العمل فى هذه المهنة «القاتلة»، حسب قول «عنتر»: «90% من ناس المنيا يا إما شغالين فى المحاجر يا إما مسافرين بره البلد، عشان كده بيكون معانا فى الشغل ناس كتير جداً معاها كليات».
ما زال «عنتر» واحداً من أولئك «المحظوظين» الذين لم يصابوا إلى الآن بمرض التحجر الرئوى، الأمر الذى يتمنى ألا يحدث له، لأنه هو المرض الوحيد الذى سيجبره على ترك المهنة ومجالسة فراش المرض فى بيته، على الرغم من الكثير من الأمراض الأخرى التى أصابته بسبب العمل أيضاً، إلا أنه يحاول التعايش معها حتى يتمكن من توفير احتياجات بيته وأسرته: «نظرى ضعف جداً، لدرجة إنى مبقتش أعرف أميز الناس اللى قدامى، ونفس الكلام بالنسبة لضهرى، تاعبنى جداً، وبقى عندى خشونة فى كل عضمى، وحسيت إنى قربت يجيلى الغضروف»، إضافة إلى مشكلات السمع التى يعانى منها جميع العاملين فى المحاجر بسبب الأصوات الصاخبة للماكينات الضخمة من حولهم، حسب قوله: «بقينا نكلم بعض بالإشارة».
عوامل الأمن والسلامة معدومة داخل محاجر المنيا، حسب قول «عنتر»، حيث لا يقوم أصحاب المصانع بتسليمهم أى شىء، ومن ثم يعتمد العامل على نفسه فى هذا الأمر، فيكون أمام واحد من أمرين، إما أن يشترى عوامل السلامة «الرخيصة»، فيكون ضررها أكثر من نفعها، وإما اللجوء إلى الحيل الذاتية من لف العمامة على وجهه فلا يظهر منه سوى العينين، إلا أنها أيضاً لا تقيهم من مصيرهم المحتوم: «مينفعش أقعد، ملناش شغلانة غيرها ومضطر أدوس على نفسى»، قالها «عنتر» بنبرة دلت على الحزن الكامن داخل صدره، فخوفه الدائم على ما قد يكون منتظره فى الأيام المقبلة يجعله مستسلماً لما هو فيه، باذلاً أكثر ما فى وسعه من مجهود استعداداً لهذا اليوم: «: «اللى بيجيله مرض بيقعد فى البيت ومحدش بيسأل فيه»، إلا أن الأمر لم يقتصر على المرض فحسب، وإنما تخطى ذلك، فإن العامل فى المحاجر يخرج من بيته فجراً، سالكاً طريقه المعتاد وهو يعلم أنه قد لا يعود مرة ثانية: «كل ثانية عندنا فى الشغل ممكن يموت فيها حد، والخطر بيبدأ من أول ما نركب العربية لحد ما نرجع تانى، وأبسطها الأسبوع اللى فات بس مات 3 واتصاب 7، لما العربية اتقلبت بيهم، لأن الطرق كلها هنا جبال ومرتفعات وأدينا ماشيين ببركة ربنا وفى الآخر الأعمار بيد الله».
وأمام نوع آخر من مخاطر العمل، كان يعيش الأربعينى «مراد الدين عادل»، فنى تركيب مكيفات الهواء فى واحدة من الشركات، حيث طبيعة عمله التى تجبره على تسلق الشرفات والوقوف أعلى أسوار المنازل حتى يتمكن من إنجاز المطلوب منه، دون توفير أى وسائل للحماية من قبل الشركة، على حد قوله، شهور قليلة فقط مرت على بداية عمله، قبل أن يخرج صباح يوم مضى عليه ما يزيد على 9 أعوام، ليقوم بتركيب مكيف هواء لأحد العملاء، وما هى إلا دقائق مرت عليه بعد تسلقه السور العلوى للمنزل، حتى اختل توازنه وطرح أرضاً من فوق طوابق ثلاثة، فكانت النتيجة كسراً فى الكتف، وآخر فى ضلع من صدره، وشرخاً بالعمود الفقرى، ليمكث طريح فراش المستشفى 6 أشهر كاملة، كانت بعدها الصدمة الكبرى: «بعد ما خرجت صاحب الشركة قالى ملكش حاجة عندى ونفى إنى كنت شغال عنده أصلاً».
عامان كاملان مرا على «مراد» بعد الحادث، صرف على مرضه فيهما الكثير من النقود التى تداين بها، بعدما رفض صاحب الشركة تحمل أى نفقات، حسب قوله، ليضطر إلى الذهاب إليه حينما أراد أن يجرى عملية أخرى لم يكن يملك النقود الكافية لها، إلا أن النتيجة كانت واحدة: «اتحايلت عليه إنه يساعدنى فى باقى تكاليف العمليات رفض، وقالى انت اللى ماكونتش بتعرف تشتغل، ولحد دلوقتى عايز أشيل الشريحة اللى فى ضهرى مش عارف عشان العملية بتتكلف 50 ألف جنيه».
عجز دائم أصبح يعيش به «مراد» من بعد الحادث، وحالة مادية صعبة دل عليها عدم زواجه رغم اقترابه من سن الأربعين، حيث لا دخل له الآن من أى مصدر، ما جعله يلجأ إلى القضاء، إلا أن هذا الحل لم يثمر عن شىء أيضاً رغم مرور 7 أعوام على رفع الدعوى القضائية: «كتفى بقى تاعبنى ومبقدرش أشيل أى حاجة أو حتى أسلم على حد، وآخر ما زهقت من القضية لجأت إلى اليمين الحاسمة، إنه ييجى قدام القاضى يحلف ويشيل بقى ذنب حلفانه، وبعد كده ربنا يتولانى».