بالفيديو| "الوطن" في قرية "الدم" و"النار".. "كرداسة" تعيش في عزلة بعد المذبحة

كتب: محمد أبوضيف

بالفيديو| "الوطن" في قرية "الدم" و"النار".. "كرداسة" تعيش في عزلة بعد المذبحة

بالفيديو| "الوطن" في قرية "الدم" و"النار".. "كرداسة" تعيش في عزلة بعد المذبحة

الطريق المتعرجة إلى قرية كرداسة، لن تلهيك عن مظهر الأهرامات الثلاثة التي لا تبعد عن القرية إلا بضعة كيلومترات، فالقرية التي تعد الأكبر بين قرى الجيزة تبتعد عنها مسيرة ساعتين، تحيط بطريقها فيلات الأثرياء تجاور بيوت المزارعين الطينية ما يشي عن تدرج طبقي تعيشه القرية.. "قرية كرداسة ترحب بكم" لوحة كاذبة تستقبل الزائرين على أطراف الطريق، فلم يتخيل من خطها أن يأتي يوم لا تعبر فيه عن نفوس أهلها، فالغرباء محل "شك" دائم.. والكل يستقبلك بـ"جاي لمين يا أستاذ؟"، وذلك بعد مذبحة رجال قسم الشرطة، الأربعاء الماضي. مدخل القرية الريفية الذي طالها السواد في كل مكان، المسجد.. الطريق.. الموقف وعربات الفاكهة.. وحتى الوصول إلى أطلال قسم الشرطة ولم يتبق منه إلا حوائط تفحمت وأوراق انتخابات حُلَّ مجلسها وعُزِل رئيسها، وذكريات ليلة دامية شهدها الأهالي ولم ينبسوا بكلمة، فالكل في صمت من فرط الخوف، يستندون بظهورهم إلى جدران القرية التي تعج بشعارات الطائفية والعدوان، والاتهامات بالكفر والإلحاد والخيانة.[FirstQuote] القرية التي تعود تسميتها "كرداسة" إلى كونها "مركز تكدس شون القمح" وكانت تسمى قديما "كلداسة"، يربطها عداء قديم مع الداخلية، هكذا يتحدث "س.ح" عما روى له جده صغيرًا، فأبناء القرية ممنوعون من الالتحاق بالكليات العسكرية، لحادث قديم يعود إلى عصر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، حين قتل أهالي القرية ضابطي شرطة جاءا للقبض على أحد معارضي "ناصر"، ولكنهم لم يجدوه فقرروا القبض على زوجته وهو ما رفضه الأهالي وتصدوا للضباط في مشاجرة انتهت بمقتلهم. "أ.ش" أحد أصحاب المحال المجاورة لقسم الشرطة، والذي طلب عدم كتابة اسمه، هو وباقي المتحدثين لـ"الوطن" من أهل القرية، خوفا من استهدافه من قبل المسلحين، يؤكد أن القسم كان يهابه الجميع قبل ثورة 25 يناير، ولكن الهجوم عليه وتدمير مقر أمن الدولة الملاصق له، حول القسم إلى مجرد حاصر لضحايا الأحداث لا يتدخل في اشتباكات الأسلحة النارية بين العائلات، ولكن عادة ما يأتي بعد الحادث للمعاينة وعمل الإجراءات الشكلية.[ThirdImage] بصوت متهدج وملامح يظهر عليها الخوف والتوجس، يقول "أ.ش" لـ"الوطن": "الناس هنا خايفة، والجهادين اللي ظهروا مع الإخوان ليلة المذبحة ميعرفوش ربنا، والدم عندهم سهل، واللي هيتكلم مهدد بالقتل، إحنا بالنسبالهم فلول عشان هرّبنا الضباط والعساكر ساعة ما هجموا القسم في 25 يناير، ورجعنا هرّبنا كتير منهم قبل الليلة الأخيرة". طوال الحديث الذي بدأ مع "أ.ش"، بلحيته الخفيفة وقوله الدائم "الله ستار" كان ينظر إلى يمينه ويساره، يتحدث بصوت خافت لا يكاد يظهر، يتوقف عن الكلام بين الحين والآخر، حينما يمر أحد الملتحين إلى جانب المقهى المجاور لقسم الشرطة المحترق، ويؤكد "مش هنقدر نتكلم كتير إحنا هنا على خط النار، وإخواننا البُعدا بيتجمعوا كل يوم بالليل حوالين القسم في انتظار هجوم الشرطة للتصدي لها". وعلى بعد أمتار.. وبجوار عربة "الفول"، يجلس "س. ن"، يحتسي كوبًا من الشاي بعد وجبة الإفطار، وينتظر مجيء الحافلة الخاصة بعمله، فمن هنا يمر، يتوقف لحظات، يحدد أن المذبحة بدأت بعد ساعتين من بدء قوات الشرطة فض الاعتصام، ويؤكد أن العنف المفرط من جانب قوات الأمن هو السبب في تلك المذبحة، والشره الدموي لدى قاتلي ضباط الشرطة، ويشير إلى مشاركة العديد من العناصر من خارج القرية بالليلة الدموية بعد مقتل ذويه خلال فض الاعتصام، ويتذكر أنه عندما حاول منع أحد الملثمين عن قتل أحد العساكر الفارين أمامه، قائلاً: "هي الشرطة اللي قتلت أخويا ولازم آخد حقه". سقوط قسم الشرطة لم يكن متوقعًا، كلمات يرددها "ن.ع"، وهو يسير متوسط الخطى ينظر إلى موطئ قدميه وما حل بهما من سواد، يتجه إلى محيط القسم، يتجنب نظرات المارة خوفًا من الاصطدام بأحد "الإخوان".. يقول "ليلة المذبحة لم يكن الهجوم على القسم هو الأول"، مشيرا إلى بداية الهجوم عليه منذ سقوط مرسي في الثالث من يوليو، من جانب مسيرات "الإخوان"، فتنشأ اشتباكات ثم تهدأ بعد تبادل القنابل المسيلة للدموع والحجارة، وبعض رصاصات الخرطوش. جغرافيًا.. موقع القسم سهل على القاتلين مهمتهم، فهو يقع على رأس شارع عبد الحميد عيسى السياحي، واستطاعوا محاصرته من جميع الجوانب، هكذا يردد "ن.ع" وهو يتجه إلى القسم، ويؤكد أن الاشتباكات بدت في بدايتها طبيعية، مناوشات بين "الإخوان" الذين خرجوا بعد عمليات فض الاعتصام في التاسعة صباحًا تقريبًا.. اشتباكات وكر وفر بين الشرطة و"الإخوان"، تبادلوا فيها الخرطوش وقنابل الغاز.[SecondQuote] ويستكمل "ن.ع" سرد المعركة، مشيرًا إلى أنه مع اقتراب عقارب الساعة من الثانية ظهرًا، وصلت عربتان تحملان عددًا من الملثمين ذوي اللحى الكثة، مدججين بالبنادق الآلية وأربعة أسلحة "آر بي جي". وقف "ن.ع" وهو يشير إلى جراج يواجه القسم ويقول: "جلس أحدهم وسط الأهالي، وعدهم بإنهاء الاشتباكات لصالحهم قبل عشر دقائق، وطالبهم بالابتعاد، وأطلق الدانة الأولى صوب المصفحة التي تستقر أمام قسم الشرطة، والتي أشعلت النيران بدورها في جميع ما حولها من عربات الشرطة والمصفحات". تستمر المعركة وسط عمليات كر وفر بين الشرطة والملثمين، الذي حاولوا استخدام ممرات الشارع السياحي لاقتحام القسم، ولكن الأهالي وأصحاب المحال السياحية تصدوا لهم، رافضين استخدام الممر لاقتحام القسم، ويسرد: "تغافل الأهالي مكن الملثمين من محاصرة القسم بالكامل واقتحامه وقتل من بداخله والتمثيل بالجثامين بدم بارد" على رغم محاولات تهريبهم التي باءت بالفشل. "هذا جزاء الظالمين.. وانتصرت إرداة الله" كلمات خطها "الإخوان" ومن عاونهم بعد المذبحة على ما تبقى من جدران القسم، وفي الأعلى يتوارى "مرسي" داخل صورة انكمشت بفعل الهواء بعد أن رفعها أنصاره فوق المبنى المحترق، وكتبوا بجانبها "يسقط النصارى". تتراص عربات ومصفحات الشرطة المتفحمة إلى جانب القسم وقد تهدم سوره الأمامي، بعد إطلاق إحدى الدانات عليه، ما زالت بناية القسم تحتفظ بهيكلها، في الدور الأولى ما تبقى من أوراق الانتخابات التي سقط مجلسها ورئيسها، وإلى جانبه حجرة السجل المدني وقد تعثرت بداخلها أوراق من قدم من أهل القرية لاعتمادهم بطاقاتهم كمواطنين لهم حقوق أهدرها نظام رئيس خُلع وآخر عُزل، إلى جانب عدد من شعارات أحزاب كانت تتصارع في ما سبق على كراسي زالت. رائحة الدخان ما زال يحتفظ بها الطابق الثاني، غرفة المأمور يتوسطها "مقعده الوثير"، وقد عمها السواد، وإلى جانبها غرفة عساكر الخدمة والتي طالتها نيران لم تفرق بين المأمور والعسكري في ما تآكل، وغرفة أخرى لم تحتفظ حتى بما التهمته النيران. يقف أحد الأشخاص بالطابق العلوى ويلتف حوله عدد من الصبية، يجمعون كل ما تطاله أيديهم مما لم تلتهمه النيران.. ويقول أحدهم "موسم.. لمينا كتير امبارح ولسه في حاجات تانية كتير ناقصة"، ويحمل بين يديه عددًا من الأسلاك النحاسية وأخشاب ومصابيح سيارات. أمام القسم طريق ممتدة تشهد على عمليات القتل والتنكيل بضباط القسم، طول الشارع لم يمنعهم من سحلهم حتى الوصول إلى قرابة نهاية القرية، وضعوهم على حائط لإحدى ورش "الميكانيكا" وبدأوا في تصويرهم.. وتركوهم بعد أن لفظوا أنفاسهم الأخيرة، وهم يرددون "انتوا اللي عملتوا في نفسكم كده يا كفرة"، ولكن لم يرد أحد، حسب رواية "ن.ع". "ن" يستكمل شهادته على الأحداث قائلاً: "بعد الانتهاء من القسم، قال أحدهم يلا بينا يا رجاله على الكنيسة، واتجهوا صوب كنيسة الملاك ميخائيل، والتي توجد في نهاية إحدى الحواري الضيقة". الصليب منكس.. ومنكسر، وصورة مشوهة للعذراء مريم، وفجوة قطرها المتسع شقق ما تبقى من جدران، وعبارات "إحنا هنعرفكوا الإرهاب شكله إيه"، "مصر إسلامية"، "ولسه"، "انتوا إلى عملتوا في نفسكوا كده"، هكذا يظهر المشهد الخارجي للكنيسة.[SecondImage] بحذر مبالغ فيه يظهر رجل في أحد البنايات المجاورة للكنيسة، يطالبنا بالابتعاد من خلف قضبان باب حديدي، يرفض الخروج والحديث إلى "الوطن"، المارة ينكرون معرفتهم السبب الرئيسي في حرق الكنيسة، الكل في سكون.. شارع الكنيسة وكأنه قد سكنه الأموات. "م.س" مسلم يعيش بالقرب من الكنيسة، يؤكد أن مقتحمي القسم هم أنفسهم حارقو الكنيسة، نافيًا وجود أي إرث لعداء طائفي بين الأقباط والمسلمين في القرية.. ويشدد على أن مسألة الهجوم على الكنيسة غير مفهومة وغير مبررة. منذ ميلاده لم يغادر "م.س" القرية الريفية، يتحدث عن تاريخها في التعايش السلمي بين الأقباط والمسلمين في حبور، يؤكد أن المسألة سياسية بحته، وأن الإخوان يشفون غليلهم من رحيل مرسي بالاعتداء على الأقباط. يرفض "م.س" الحديث عن عودة "الأقباط" والعاملين بالكنيسة إلى القرية خشية على حياتهم المهددة، خصوصًا بعد ما خطه أنصار الرئيس المعزول على جدران وعقول شباب القرية بعداء الصليب للهلال، ويشير إلى وجود أحد أعضاء مجلس الشعب الإخواني يساعد في صناعة فتنة بين الأقباط والمسلمين الهدف منها إشعال البلاد. القرية تمتلئ بالحواري والأزقة، الكل يدلف إليها بحثًا عن دفئ فقدوه بعد الليلة الدامية، فالشوارع الرئيسية خاوية على عروشها، والحواري تعج بالمواطنين، وفي مدخل أحد الشوارع الضيقة يقف "هـ.ث"، يتحدث عن ظهوره في أحد الفيديوهات التي نشرتها القنوات الفضائية عن المذبحة، يروي عن المصادفة التي قادته إلى الظهور في الفيديو الذي وضعه بين المتهمين.. يؤكد أن القرية تعيش في عزلة بعد أن فُرض عليها طوق من اللجان الشعبية التي تتربص بأهل "كرداسة"، مشيرًا إلى أنه تعرض لمحاولة اغتيال من قبل اللجان الشعبية التي ساقه حظه العاثر إليها. بوجه مشوه بالإصابات ولغة لم تخلُ من الألفاظ النابية، اشترى "ت.أ" إحدى طلقات الخرطوش التي يتبادلها الصبية في شارع القرية الريفية، وما تبقى من رصاصات حية جراء ما حصلوا عليه من غنائم اقتحام القسم، ليلة المذبحة. "ت" يعمل سائق ميكروباص ينقل الركاب بين القرى، يشير إلى حصار القرية وعزلها عن القرى التي حولها، وظهور ذلك جليًا في إجبار سائقي المواصلات على سلك طرق أشد وعورة، هربًا من اللجان الشعبية والشرطة، ويقول "ت.أ": "لو ضابط عند قسم بولاق وللا لجنة شعبية قابلتني وأنا جاي من كرداسة قول علينا يا رحمن يا رحيم، ولو معانا ملتحي ولا منقبة بيتضرب ويتحلقله دقنه، ولو ست تقلع نقابها وتمشي من غيره.. كرداسة نقطة سودا في حياتنا".