المسلمون والمسيحيون على الشاشة.. ما بين العلاقة الودية والأزمة الطائفية
تتعامل الرقابة بحساسية مفرطة فى الأمور التى تخص العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، إذ أنها تعلم أن هناك مشكلة حقيقية كامنة وتعمل عملها تحت السطح بين بعض المسلمين من ناحية وبعض الأقباط من ناحية أخرى.[Image_2]
وخطورة هذه المشكلة أنها تكمن فى العقول والقلوب.. إنها مشكلة فى الضمير، حيث يرى المسيحيون أنهم لا يحصلون على كامل حقوقهم، فى حين يرى بعض المسلمين أن الأقباط يحصلون على أكثر من حقهم.
وهذه المشكلة يعلمها الواقع الفنى تماماً، فيبتعد من تلقاء
نفسه عن تناول الموضوعات والقضايا الشائكة المتعلقة بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين، أو بمعنى أدق الموضوعات الحساسة، مثل علاقة حب تنشأ بين شاب مسلم وفتاة مسيحية أو العكس، أو علاقة زواج بين الطرفين، أو موقف ونظرة المتطرفين فى كل من الجانبين للآخر.
وهنا نحاول أن نقدم عرضاً لأهم الأعمال الفنية التى قُدمت، وتناولت العلاقة بين المسلمين والأقباط، أو تناولت بعض المشاكل الموجودة لدى الأقباط، لنرى أياً من هذه الأعمال كان مهماً وإيجابياً ومؤثراً، وأياً منها كان نمطياً، ويرفع شعار «يحيا الهلال مع الصليب» دون أن يتناول القضايا التى يجب التصدى لها حتى يحيا فعلاً «الهلال مع الصليب».
من أهم هذه الأعمال فيلم «حسن ومرقص»، وهو أفضل فيلم قُدم فى الألفية الجديدة، وربما فى تاريخ السينما المصرية عن العلاقة بين المسلم والقبطى داخل مصر والمشاكل والأزمات التى تواجه الطرفين بسبب الدين، وبسبب المتعصبين والمتطرفين فى كل جانب، فهذا الفيلم الذى كتبه يوسف معاطى، وقام ببطولته عادل إمام وعمر الشريف وأخرجه رامى إمام، يعد أول فيلم مصرى يقدم على الشاشة ما يدور فى كواليس المتعصبين والمتطرفين فى الجانبين، وقد ألقى الضوء على موضوعات وقضايا كان من المحظور الاقتراب منها، وقدم صورة لبعض الأقباط المتطرفين الذين يمارسون العنف مثل بعض المسلمين المتطرفين أيضاً، وحين عُرض الفيلم تعرض هذا الأمر لانتقادات من البعض، بحجة أن الأقباط لا يمارسون العنف بهذا الشكل، كما قدم الفيلم قصة حب بين شاب مسلم وفتاة مسيحية قبل أن يكتشف الشاب أن حبيبته مسلمة، وتكتشف هى أن حبيبها مسيحى، وقدم الفيلم فى نهايته أحد أهم مشاهده وهو مشهد المعركة الشرسة التى تنشب بين المتطرفين فى الجانبين المسلم والمسيحى، وهى المعركة التى يخرج منها «حسن» و«مرقص» الصديقان المستنيران العاقلان بعدة إصابات، ويسيران معاً فى طريق واحد بعيداً عن الجهلاء، وعن المتعصبين الذين يسيئون للدين ولهذا الوطن.
ومن هذه الأعمال أيضاً مسلسل «أوان الورد» الذى كتبه وحيد حامد وأخرجه سمير سيف عام 2000 من خلال موضوع لم يكن قد تناوله أحد من قبل على الشاشة الصغيرة، وهو زواج امرأة مسيحية من رجل مسلم، وقيام هذه المرأة المسيحية بتعليم ابنتها المسلمة القرآن الكريم، ومبادئ الدين الإسلامى، ورغم أن هذا الموضوع لم يكن هو محور أحداث المسلسل، فإنه أثار ضجة وتعرض لانتقادات شديدة من الجانبين، من رجال الدين الإسلامى ومن رجال الدين المسيحى أيضاً، رغم اعتراف الجميع بأن هذا الأمر موجود فى الواقع، وأثار البعض تساؤلات عن أهمية طرح هذا الموضوع على الشاشة، وكان الرد من أسرة المسلسل هو التأكيد على أن الحب يجمع بين المسلم والمسيحية، وأن الدين لا يمنع ارتباطهما وزواجهما أيضاً، وقد أثارت هذه الردود ضجة، واستمر الجدل حول هذا المسلسل لفترة، ولكن فى النهاية انتهى الأمر دون أية مشاكل حقيقية.
أما فيلم «بحب السيما» للمخرج أسامة فوزى، فهو أول فيلم مصرى تقوم أحداثه بالكامل على تناول أسرة مسيحية، حيث يقدم العديد من الموضوعات الدينية والاجتماعية الخاصة بهذه الأسرة، ويقدم معها مشاكلها المختلفة التى تعكس مشاكل أية أسرة مصرية، فالفيلم لم يسع إلى تقديم موضوع دينى أو قضية، تخص الأقباط، بل قدم موضوعاً إنسانياً واجتماعياً بتناول متميز فى كل عناصره، ولهذا حصد هذا الفيلم العديد من الجوائز، ورغم هذا فقد تعرض الفيلم قبل عرضه لحملة هجوم شرسة من بعض الأقباط، ومطالبات بمنع عرضه من البعض، لمجرد أن أحداثه بالكامل تقوم على تناول أسرة مسيحية بشكل رأوه مسيئاً، وقد أثار هذا الأمر ضجة كبيرة، وبعد مباحثات ومحاولات تمت الموافقة على عرض الفيلم الذى كان تحفة فنية، وعملاً شديد الإنسانية لا يقوم على الدين، وإنما على النفس البشرية، وما تحمله من تناقض وصراع بين العديد من الأفكار وتغيرات تنتج عن العديد من الأحداث.
وهناك أيضا فيلم «واحد - صفر» للمؤلفة مريم نعوم والمخرجة كاملة أبوذكرى، حيث أثيرت ضجة حول الفيلم وطالب البعض بمنع عرضه لمجرد أنه تناول ضمن أحداثه شخصية سيدة مسيحية تعانى من أزمة حادة بسبب رفض الكنيسة الموافقة على زواجها للمرة الثانية بعد انفصالها عن زوجها، رغم أن هذه المشكلة واقعية جداً، ويعانى منها العديد من السيدات المسيحيات وتثير أزمة على الساحة منذ فترة، إلا أن هناك من يرفض الاقتراب منها، رغم أن مثل هذه الموضوعات هى التى يجب الاقتراب منها وطرحها، لأنها تعد جزءاً من مشاكل المجتمع المصرى الذى لا يفرق بين مسلمين وأقباط.
ومن هذه الأعمال أيضا فيلم «واحد صحيح» لهانى سلامة ورانيا يوسف، وتأليف تامر حبيب، وإخراج هادى الباجورى، وجملة بطل الفيلم الشهيرة لحبيبته المسيحية: «كيف يكون الله محبة، وأنت ترفضين حبى»، وهى الجملة التى أثارت غضب الكثيرين.
وهناك بعد هذا العديد من الأفلام والمسلسلات والمسرحيات التى قدمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، العلاقة بين المسلم والقبطى، وأكدت على حالة التآخى والانسجام التى تسود هذه العلاقة، وهذا شىء جميل، ومن هذه الأعمال فيلم «فيلم هندى» وفيلم «الرهينة» ورواية «خالتى صفية والدير» التى تحولت إلى مسلسل ثم مسرحية، وغيرها من الأعمال أيضاً، هذه التحف الفنية قدمت الصورة الوردية التى يجب أن تكون عليها العلاقة بين المسلم والقبطى، دون أن تقترب بشكل حقيقى من المشاكل الراقدة فى النفوس، والتى تمنع فعلاً أن يحيا الهلال مع الصليب.