رئيس التحرير

محمود مسلم

«الواحات البحرية»: متحف جيولوجى يضم حفريات تعود لـ70 مليون سنة.. و«الديناصورات» أهم الاكتشافات.. والإعلان عن مفاجآت قريباً

09:46 ص | الأربعاء 22 نوفمبر 2017
عيون المياه الكبريتية فى الواحات البحرية

عيون المياه الكبريتية فى الواحات البحرية

بعد الحادث الإرهابى الأخير الذى وقع فى الكيلو 175 على طريق الواحات، والذى راح ضحيته مجموعة من رجال «الداخلية» فى حادث غدر، ربط عدد كبير من المصريين، وربما الأجانب أيضاً، بين هذا الحادث وبين الواحات المصرية، ليس فقط داخل مصر، وإنما فى الخارج أيضاً، وهو ما جعلنا نحاول تسليط الضوء على الواحات الخمس (البحرية والفرافرة والداخلة والخارجة وسيوة) التى تقع فى قلب الصحراء الغربية، ونقل صورة عن تلك الواحات، وطبيعتها ومواردها وسكانها ورؤيتهم للحوادث الإرهابية الأخيرة وانعكاساتها عليهم، خاصة بعد الإشارة إلى أن أغلب السلاح والأموال المستخدمة فى تلك العمليات مصدره عمليات التهريب التى تحدث من ليبيا إلى مصر عبر الصحراء الغربية.

«الصحراء السوداء» و«جبل الإنجليز» أهم الأماكن الجاذبة للسياحة.. و«حادث طريق الواحات» ألغى جميع رحلات الموسمر

فى صباح الجمعة الموافق 27 أكتوبر الماضى، ومع تردد أنباء عن وقوع «حادث الواحات» الإرهابى الأخير، استيقظ الحاج أحمد عبدالرحيم، على مكالمة من أصدقاء له فى الخارج، حيث كانت أصواتهم تشى بالرعب واللهفة على الاطمئنان على صديقهم المصرى الذى قضى عقوداً فى مجال السياحة، يسألونه باللغة الألمانية «هل أنت بخير؟»، ليرد الحاج السبعينى الذى يعيش فى الواحات البحرية بأنه فى أفضل حال، ثم يسألهم عن السبب فى ذلك؟ فيجيبون بأنهم سمعوا فى نشرات الأخبار عن الحادث، ليخبرهم بأن الحادث لا علاقة له بالواحات البحرية وأن المسافة بينهم وبين الحادث تصل إلى 225 كيلومتراً، وأنه أقرب لمحافظة الفيوم بـ30 كيلومتراً، ثم يهمهم الرجل بكلمات يلعن بها حظه العثر، متوقعاً أن تقوم كل شركات السياحة بإلغاء الرحلات السياحية خلال الفترة المقبلة، الفترة التى تعد موسماً لكل أهالى الواحة.

داخل مخيمه السياحى الصغير، الخالى إلا من عدد صغير من الوافدين لا يتعدى أعدادهم أصابع اليد الواحدة، يتذكر الرجل بدايات عمله فى مجال السياحة فى السبعينات من القرن الماضى عندما خطرت على باله فكرة تصوير معالم الواحة التى لا يوجد لها مثيل، على حد قوله، وتوجه إلى الصحراء السوداء التى تعد واحدة من أهم معالم الواحة وتوجد بها جبال لها طابع خاص، فهناك «الدست» و«المغرفة» و«جبل الانجليز» الذى يحمل آثاراً لبيوت صغيرة تعود إلى جنود بريطانيين، أثناء فترة الاحتلال البريطانى لمصر، اختاروا مكاناً عالياً يكون كاشفاً لهم الواحة من الأعلى.

لم يقتصر تصوير مقاطع الفيديو على الصحراء السوداء فقط، التى اكتست رمالها بالأحجار البازلتية، التى أضفت عليها لوناً أسود، فهذه المنطقة، وفقاً للحاج عبدالرحيم، كانت تشهد براكين فى الماضى، وهذه الأحجار البازلتية السوداء تكونت نتيجة تجمد الحمم البركانية على مر العصور، وقد تبع تصوير الصحراء السوداء تصوير جبل الكريستال، ومحمية الصحراء البيضاء، ورغم وقوع هذين المعلمين فى واحة الفرافرة، إلا أنهما يعتبران بمثابة الحدود الفاصلة بين الواحتين «الفرافرة والبحرية».

تراجع السياحة جعل الأهالى يتجهون للزراعة.. و«سوس النخيل» يطارد المزارعين.. ورش «الوزارة» لا يجدى نفعاً.. والزجاجة وصل سعرها إلى 130 جنيهاً

انتهى الحاج السبعينى من تصوير مقاطع الفيديو وبدأت خطته للقيام بجولة أوروبية بتلك المقاطع، محاولاً جذب السياحة إلى الواحة التى كانت منسية فى هذا الوقت، وبالفعل لم تمر سنوات قليلة إلا وكان «عبدالرحيم» قد نجح فى وضع منطقة الواحات البحرية على قائمة المقاصد السياحية العالمية التى يقصدها الأوروبيون.

إجراءات وأفكار كثيرة يقترحها الرجل السبعينى، ويراها خطوة لإعادة جذب السائحين إلى الواحات البحرية، وإدخال عملة أجنبية تحتاجها مصر هذه الأيام، تبدأ بالسماح بفتح رحلات السفارى فى الصحراء السوداء والسماح للأجانب بالمرور إلى الواحة وعدم تعمد إرجاعهم من على الطريق من قبَل الأمن بحجة أن المنطقة غير آمنة، فالأولى جعلهم يمرون ويمارسون برامجهم الترفيهية، فالسائح عندما يعود إلى بلده وينقل صورة ما يحدث فى مصر بأنه قضى أسبوعاً دون وجود أى مشاكل وأن مصر بلد آمن، سيكون ذلك وسيلة دعائية لمصر مؤثرة بديلاً عن الحملات الدعائية التى تكلف مصر مبالغ مالية كبيرة دون جدوى».

وأكد أنهم كعاملين فى مجال السياحة يكونون أكثر حرصاً على حماية السائح لأنه يشكل مصدر دخلهم الأساسى، مستشهداً بما يحدث فى تركيا، فعلى الرغم من أن تركيا شهدت فى الفترات الأخيرة حوادث إرهابية ومحاولات انقلاب إلا أن السياحة ما زالت مستمرة، خاصة مع وجود إعلام يدعم بلده وليس إعلاماً يعمل على تضخيم الأمور ويصدر صورة سلبية عن مصر.

وأكثر ما يحزن الرجل السبعينى هو قيام بعض السفارات المصرية فى الخارج بتحذير الأجانب من عدم التوجه إلى الواحات والمشاركة فى سياحة الصحراء بحجة أن الأوضاع غير آمنة، قائلاً: «يعنى بدل ما سفاراتنا تروج للسياحة تقوم بتحذير السياح قبل سفرهم إلى مصر، مفيش دولة فى العالم سفاراتها بتعمل كده إلا إحنا، واللى اشتغلنا عليه سنين بيضيع فى ثوانى».

موردان أساسيان يعتمد عليهما أهالى الواحة فى كسب قوت يومهم، هما السياحة والزراعة، سياحة السفارى التى تبدأ من الصحراء السوداء فى الواحة وربما تصل إلى منطقة الجلف الكبير، هذه الرحلة كانت تتم قبل ثورة يناير حين كانت الأوضاع الأمنية مستقرة على امتداد الصحراء الغربية وحدودنا مع ليبيا، أما بعد الثورة ونظراً للإجراءات الأمنية فتم إيقاف هذه الرحلة التى كانت تستغرق شهراً أو شهراً ونصف الشهر، وهو ما جعل أهالى الواحة يمتلكون سيارات دفع رباعى تمكنهم من اجتياز هذه المسافة ورمالها، جعلتهم يحتلون الصدارة ما بين الواحات الأربع «الداخلة والخارجة والفرافرة وسيوة» فى امتلاك سيارات الدفع الرباعى.

«عبدالرحمن»، شاب ثلاثينى، واحد من بين عشرات الشباب فى الواحة الذين يمتلكون سيارة دفع رباعى، رغم الأزمة التى تمر بها الواحة وغياب السياحة إلا أنه قرر الاحتفاظ بسيارته وعدم بيعها كما فعل الكثير من زملائه الذين باعوا سياراتهم واشتروا أراضى زراعية بعد ما ضاقت بهم السبل، ليستبدلوا عملهم فى مجال السياحة بالعمل فى مجال الزراعة، خاصة زراعة النخيل.

يجلس الشاب على مقعد القيادة ممسكاً بتارة سيارته، يسير وسط جبال الصحراء السوداء، يشير إلى تلا «الدست» و«المغفرة»، متفاخراً بما تحتويه الواحة من كنوز، خاصة منطقة «الدست» التى تعد منطقة فريدة من نوعها، حسب قوله، حيث تعد منطقة قديمة للحفائر، لجأ إليها الباحثون والجيولوجيون واكتشفوا فيها عظاماً تعود لديناصور وصفه المكتشفون وقتها بأنه ثانى أكبر ديناصور على مستوى العالم، وكان ذلك فى 2001، يضحك الشاب الثلاثينى: «يمكن مفيش حد من المصريين كتير يعرف واقعة الديناصور على عكس الأجانب فيه ناس كتير لما كانت تزور الواحة كانت بتسأل على المكان اللى تم اكتشاف الديناصور فيه وكنا بنوديهم فى الأول كانوا بيعتقدوا إن الديناصور موجود فى مكانه زى ما دول العالم بتعمل كده بس للأسف الديناصور تم نقله إلى المتحف الجيولوجى المصرى».

تركنا منطقة الدست وتحركنا باتجاه جبل الإنجليز، وهو من الجبال التى يحرص الأجانب على زيارتها، بحسب «عبدالرحمن»، مرجعاً السبب إلى وجود آثار لمعسكرات الإنجليز فوق الجبل، يعتدل الشاب فى جلسته ليطلعنا على قصة الجبل والإنجليز، قائلاً: «زمان أيام الحرب العالمية الأولى كان فيه كابتن اسمه (وليامز) قرر بناء معسكر له على قمة الجبل حتى يتمكن من مراقبة القوات السنوسية التى كانت تهجم على الواحة بين الحين والآخر».

معلومات «عبدالرحمن» عن الواحة وتاريخها تعود إلى عمره الذى قضاه فى السياحة، فعندما كان صبياً فى الـ15 من عمره، خرج فى رحلة سفارى، وكانت وظيفته فى هذا الوقت هى «طباخ الرحلة» الذى يقوم بإعداد وجبات الطعام للوفد السياحى، حيث كانت الرحلات تستمر لأيام فى قلب الصحراء، واستمر الشاب فى إعداد الطعام، وخلال هذه الفترة كان يحاول أن يتعلم من الدليل المرافق للرحلات السياحية، فبدأ فى شراء جهاز «جى بى إس» ليتعلم عليه تحديد الاتجاهات والأماكن فى الصحراء، قائلاً: «مهنة السفارى درجات، لازم الأول الشاب يتعلم الطبخ وإزاى يخدم على الجروب اللى طالع معاه، بعد كده بيبدأ يتعلم إزاى يحدد الاتجاهات فى الصحراء، وفى الآخر بيتعلم إزاى يسوق سيارات الدفع الرباعى، خاصة فى الأماكن اللى فيها كثبان رملية، عشان العربية ما تغرزش مننا فى الصحراء».

العمليات الإرهابية واستخدام عربيات الدفع الرباعى فى التهريب عبر الصحراء الغربية، أمر انعكس بالسلب على «عبدالرحمن» وأصدقائه من العاملين فى مجال السياحة، خاصة مع انفلات الأوضاع الأمنية فى ليبيا، ورغم أن الشاب الثلاثينى يرى أن الواحات البحرية بعيدة كل البعد عن عمليات التهريب إلا أنه وزملاءه ما زالوا يدفعون ضريبة هذا الأمر، حيث يقول: «قبل حادث طريق الواحات بدأت الشركات تتعاقد معنا على رحلات سياحية للأجانب، ولكن بمجرد وقوع الحادث وربط الإعلام هذا الحادث الإرهابى بالواحات البحرية تم إلغاء كل هذه الحجوزات على الرغم من أن الواحات البحرية بعيدة كل البعد عن هذا الحادث، حيث إن المسافة بينها وبينه 255 كيلو، فى حين أن الحادث وقع على مسافة 30 كيلومتراً من محمية وادى الحيتان التابعة لمحافظة الفيوم».

«قصة الديناصورات» جعلت «الوطن» تتواصل مع المهندس وائل ثابت، مدير محمية الواحات البحرية، للوقوف على الأهمية الجيولوجية للمحمية التى تضم ثلاثة أجزاء وهى «الصحراء السوداء، وجبل الإنجليز، وتلا الدست والمغرفة». يقول «ثابت» إن أهم أجزاء المحمية الجيولوجية تقع فى منطقة الدست والمغرفة، حيث إن هذه المنطقة غنية جداً بالحفائر، وتم اكتشاف أجزاء من الديناصورات العملاقة 5 مرات، لافتاً إلى أنه فى حال استمرار الحفائر فى تلك المنطقة ستسفر عن مفاجآت كثيرة، على حد قوله.

ويضيف مدير المحمية، المتخصص فى الجيولوجيا، أنه فى الفترة الحالية يوجد «بروتوكول» بين المحمية وجامعة المنصورة التى أخذت عينات من المحمية لدراستها، فضلاً عن أن أى حفائر مكتشفة يتم نقلها إلى المتحف الجيولوجى المصرى أو المتحف الجيولوجى بجامعة المنصورة، مؤكداً أنه من الصعوبة وضع الحفائر فى مكانها بعد استخراجها نظراً لعدم وجود أفراد تقوم على حمايتها وحتى لا تتعرض للسرقة، مشيراً إلى أن متوسط عمر الحفائر الموجودة بالمنطقة يعود لـ70 مليون سنة، وإذا تحدثنا عن عمر الديناصورات فقط فإنه يعود إلى 90 مليون سنة، وتابع: «منطقة الدست إرث جيولوجى يحتاج لمواصلة عمليات الحفائر به، فكل يوم تفاجئنا المنطقة باكتشافات جديدة».

أما بالنسبة للجزء الثانى من المحمية، وهو جبل الإنجليز، فيعود إلى أهميته التاريخية، بحسب المهندس الجيولوجى، نظراً لاحتوائه على أطلال لمقر إقامة الإنجليز أثناء الحرب العالمية، حيث اختار ضابط بريطانى يدعى «وليامز» الجبل ليعسكر به، نظراً لارتفاعه الكاشف للواحة، وكان يُستخدم فى المراقبة.

ويتابع المهندس حديثه عن الجزء الثالث والأخير بالمحمية، وهى الصحراء السوداء التى تتميز بمجموعة من الجبال المغطاة بالصخور البازلتية السوداء، والتى يعتقد العلماء أنها تكونت نتيجة تجمد الحمم البركانية المنبثقة عن الجبال منذ ملايين السنين، موضحاً أن منطقتى الصحراء السوداء وجبل الإنجليز تعدان من أهم مناطق «اللاند سكيب» التى يلجأ إليها السياح خلال زياراتهم إلى صحراء الواحات البحرية، أما منطقة الدست والمغرفة فتعد إرثاً جيولوجياً غنياً يحتاج إلى الكثير من الجهد والتعاون بين الجامعات المصرية المختلفة للعمل على هذه المنطقة الغنية بالحفريات، مؤكداً أن الفترة المقبلة سيتم الإعلان عن مفاجأة فى تلك المنطقة بالتعاون مع جامعة المنصورة.

غياب السياحة عن الواحات البحرية جعل «عبدالرحمن» يتوجه إلى جنوب سيناء للعمل فى سياحة السفارى لكسب قوت يومه، فى الوقت الذى قرر فيه زميله وجاره «عبدالرؤوف» ترك مجال السياحة والتوجه إلى الزراعة، خاصة زراعة النخيل، حيث تحتل التمور الصدارة بين محاصيل الواحة المختلفة، ويلجأ أهالى الواحة لزراعتها نظراً للإقبال الشديد عليها من التجار والمصدرين.

ورغم اتجاه «عبدالرؤوف» إلى زراعة النخيل إلا أنه لم يسلم من المشاكل أيضاً حيث واجهته، هو وغيره من المزارعين، مشكلة «سوس النخيل» التى يرجعها إلى إهمال الدولة، ممثلة فى وزارة الزراعة، وفى المزارع نفسه الذى لا يهتم بزراعته، مردداً: «وزارة الزراعة لا تتابع المزارعين أولاً بأول، كما أن رش سوسة النخيل الذى تصرفه الوزارة لا يجدى نفعاً، خاصة أن السوس أصبح يحوّر نفسه، ويقاوم الرش، فضلاً عن أن زجاجة الرش وصل سعرها إلى 130 جنيهاً، والزجاجة تكفى نخلة أو نخلتين على الأكثر وهو ما يشكل عبئاً على المزارع».

عرض التعليقات