مدير «الفارابى» للدراسات الاستراتيجية: الأخطبوط الإيرانى الأخطر فى المنطقة منذ 3 آلاف عام.. والتفاوض هو الحل لاحتوائه

كتب: نادية الدكرورى

مدير «الفارابى» للدراسات الاستراتيجية: الأخطبوط الإيرانى الأخطر فى المنطقة منذ 3 آلاف عام.. والتفاوض هو الحل لاحتوائه

مدير «الفارابى» للدراسات الاستراتيجية: الأخطبوط الإيرانى الأخطر فى المنطقة منذ 3 آلاف عام.. والتفاوض هو الحل لاحتوائه

يرى الدكتور مدحت حماد، مدير مركز الفارابى للدراسات السياسية والاستراتيجية وأستاذ الدراسات الإيرانية، الوجود الإيرانى الحالى بمنطقة الشرق الأوسط والوطن العربى الأخطر منذ 3 آلاف سنة، أى منذ حكم الإمبراطورية الإيرانية ما قبل الميلاد، لافتاً إلى أن «الدفاع عن النفوذ الإيرانى فى سوريا هو السبب وراء عودة الوجود الإيرانى من جديد». ويقول «حماد»، فى حوار لـ«الوطن»، إن التفاوض هو الطريق الذى من الضرورى أن تسلكه البلدان العربية فى حال رغبتها احتواء الوجود الإيرانى، محذراً من وقوع عدد من السيناريوهات فى حال فشل الاحتواء، أبرزها دعم الجماعات المعارضة بالبلدان العربية، والخليجية تحديداً، واستنزاف السعودية اقتصادياً وعسكرياً. وإلى نص الحوار:

بداية، كيف تقيم النفوذ الإيرانى فى المنطقة بعد الربيع العربى؟

- منذ 10 سنوات بدأ النفوذ الإيرانى فى الشرق الأوسط والمشرق العربى يتبلور بشكل خطير، وتحديداً منذ حرب 2006 التى دارت بين «حزب الله» وإسرائيل، وما نتج من انتصار نوعى لـ«حزب الله» أمام إسرائيل، وهو ما أوجد مشروعية سياسية لـ«حزب الله» فى لبنان، ونتج عنه ما رأيناه من أزمة داخل لبنان نتيجتها اتفاق الطائف برعاية سعودية، فقد نتج عن هذا الاتفاق اعتراف نوعى بـ«حزب الله» فى الحياة اللبنانية، ودون أن نشعر كعرب، نعترف بالدور الإيرانى من خلال «حزب الله» فى لبنان، وقد بدأ الحزب اللبنانى يبلور الوجود السياسى والعسكرى لإيران فى المشرق العربى، كما أن التحالف الاستراتيجى بين إيران وسوريا يمتد عمره لـ40 عاماً نتيجة للتحالف بين حافظ الأسد وإيران، وهذا التحالف ترجع جذوره إلى أن سوريا كانت الدولة العربية الوحيدة التى وقفت إلى جانب إيران فى حربها مع صدام حسين، ومع سقوط الأخير حدث فراغ استراتيجى بالعراق نتج عنه الاحتلال الأمريكى، غالبية الدول العربية تركت العراق ساحة خاوية برفضها الاحتلال أو الحكومة العراقية، فى الوقت الذى دعمت فيه إيران هذه الحكومة بعد 2003، ليكتمل المثلث الإيرانى بالشرق الأوسط (العراق وسوريا ولبنان)، وفى الفترة من 2003 حتى 2006 تمكنت إيران من إنجاز أمرين.. أولهما البرنامج النووى وليس فقط منظومة الصواريخ، وبناء قاعدة تصنيع عسكرى فى إيران، وهو ما يجعل أخطر ما فى القدرة العسكرية الإيرانية هو أنها إيرانية الصنع، وبعدها جاءت ثورات الربيع العربى كمحطة رابعة، خاصة بعد التساقط الممنهج لأنظمة عربية مثل ليبيا واليمن وتونس، وجاءت الدائرة على نظام بشار الأسد، إلا أن الوضع فى سوريا كان مختلفاً عن أى دولة أخرى من وجهة نظر الحسابات الإيرانية، فسقوط «الأسد» يعنى فقدان الوجود الاستراتيجى الإيرانى فى الشرق المتوسط إلى الأبد، وهو ما يبرر دخول إيران بكامل قوتها لدعم بشار الأسد، ما أدى للوجود الإيرانى الذى يعد الأخطر منذ 3 آلاف سنة، أى منذ الإمبراطورية الإيرانية ما قبل الميلاد التى كانت تحكم الشرق المتوسط، والدفاع عن بشار الأسد كان بمثابة عودة للوجود الاستراتيجى الإيرانى فى الشرق المتوسط، وهو ما عبر عنه الرئيس الإيرانى السابق أحمدى نجاد، قائلاً: «لن يسقط بشار الأسد.. وإذا سقط تنطلق حرب عالمية ثالثة»، وكان صادقاً فى هذا.

{long_qoute_1}

إذاً فى رأيك.. هناك خطأ فى التقدير العربى لطبيعة الأزمات أدى للوجود الإيرانى؟

- بالطبع، وقد تطورت أخطاء التقدير العربى لطبيعة الأزمات، بخاصة سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق، فقد تركوا هذه الساحة العراقية لإيران، كما أن التخلى عن المقاومة المسلحة فى لبنان فى مواجهة إسرائيل عزَّز من الوجود الإيرانى فى لبنان، واكتمل هذا الوجود بسقوط على عبدالله صالح فى اليمن، وأصبح هناك فراغ استراتيجى مثلما حدث فى العراق، ولم تدركه البلدان العربية التى تكاسلت عن احتواء نتائج انهيار نظام على عبدالله صالح، وفى خلال الفترة من 2011 حتى 2014، كان التنسيق الإيرانى للعودة لباب المندب بعد 3 آلاف سنة من خلال بوابة اليمن، وأصبحت إيران بهذا الشكل الأخطبوط فى المشرق العربى وتحديداً شرق آسيا، وأصبح يشكل دائرة خانقة حول المصالح الحيوية لدول مجلس التعاون الخليجى تحديداً السعودية.

وكيف تكون سبل محاصرة النفوذ الإيرانى؟

- للأسف ما زالت دول مجلس التعاون الخليجى تعتقد أن المواجهة مع إيران هى الطريقة لمحاصرة نفوذها، ولكن المواجهة تعزز من ترسيخ الوجود الإيرانى فى شرق آسيا، وفى رأيى الطريق الوحيد الذى يجب أن تسلكه الدول العربية هو التفاوض معها، وإن لم يحدث كان هذا الخطر الاستراتيجى الأكبر، ومن خلال التفاوض يمكن وضع خطوط للتصالح يحترمها الأطراف المتفاوضة، وتضع السعودية خطوطاً حمراء لإيران، وتقبل بالتبعية خطوطاً حمراء خاصة بالمصالح الإيرانية، ومن خلال التفاوض يمكن تحجيم الوجود الإيرانى فى شرق المتوسط، وعلينا أن نذكر أن إيران كانت قبل توقيع الاتفاق النووى فى أضعف حالاتها، ولكن بعد التوقيع عام 2015 انتهت حالة الضعف فيما يخص مكانتها الدولية، وأصبح البرنامج النووى الإيرانى معترفاً به، وأصبح من الصعب أن تتخلى إيران عن دور اعترف العالم به، وأبرز نتائجه فك الحصار الاقتصادى والمالى والتكنولوجى الذى زادها قوة فوق قوة، وزادت القدرة الاستراتيجية للدولة الإيرانية فى الوقت الذى تآكلت فيه القدرات الاستراتيجية العربية، بخاصة فى اليمن وسوريا والعراق، وأصبح صانع القرار فى إيران يرى نفسه أعلى مكانة من دول مجلس التعاون الخليجى، ووجدها فرصة مهمة ليرسخ الوجود الاستراتيجى الإيرانى فى شرق آسيا.

وفى تقديرك، كيف كان من الممكن للدول العربية الاستفادة من التغيرات الاقتصادية بعد 2011؟

- فى رأيى هناك خطأ فى التقديرات العربية لكيفية الاستفادة من التغيرات الاقتصادية منذ عام 2011، والمشكلة الآن أننا لا نزال نتعامل مع إيران بنفس الشكل والآلية فى وقت تحقق فيه إيران، من خلال حلفائها مثل «حزب الله»، ترسيخ الوجود الإيرانى، بجانب دعم الأطراف الأخرى مثل تركيا وروسيا لتعظيم مكانة إيران، واستمرار نفس المنهج العربى فى التعامل مع إيران يضاعف من مكانة إيران بالمنطقة أكثر ويخنق بعض الدول العربية مثل السعودية، بخاصة مع تصاعد الأزمة العربية القطرية، فقد لجأت قطر إلى النظامين الإيرانى والتركى، وهو ما زاد من النفوذ الإيرانى والتركى فى المنطقة. {left_qoute_1}

وكيف تقرأ بيان اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الأخير فيما يتعلق بالتدخل الإيرانى بالمنطقة؟

- اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير يحمل إشارة إنذار لإيران فيما يخص تقديم مشروع قرار عربى لمجلس الأمن لاتخاذ إجراءات ضد إيران، ولكن من الذى يضمن لنا أن مجلس الأمن سيتبنى قراراً عربياً ضد إيران فى ظل وجود روسيا والصين اللتين تقفان لصالح إيران، وتستخدمان حق الفيتو، وفى الوقت الحالى قد تكون آخر فرصة لصالح الدول العربية لاحتواء التمدد الإيرانى هى التفاوض، الذى يعد البوابة الأكثر إيجابية لصالح الموقف العربى، وفى اعتقادى إيران تضغط على الدول العربية للجوء إلى حافة الهاوية لدفعها إلى مائدة التفاوض معها، ويجب ألا تعول كثيراً الدول العربية على الموقف الأمريكى الذى يمكن أن نصفه بأنه «الشيطان يعظ».

وماذا عن الخيار العسكرى الذى يتوقعه البعض نتيجة لاحتدام الصراع الإيرانى الخليجى فى ظل الابتعاد عن خيار التفاوض؟

- إيران لا تريد مواجهة عسكرية، لأنها ليس فى صالحها التدخل العسكرى، فمن الممكن أن تحدث تشويشاً على صورة إيران خارجياً، ويشكل تحالف ضدها، وفى حال تجاهل الدول العربية لخيار التفاوض مع إيران يزيد ذلك الأزمة اشتعالاً، ويزيد عملية الحرب بالوكالة، ويقود إيران لدعم جميع الأطراف والجماعات والتكتلات السياسية المعارضة لدول مجلس التعاون الخليجى، وزيادة قوة الحشد الشعبى بالعراق، ولن تتوانى إيران عن دعم أى معارضة تنشأ بالمنطقة بهدف فرض ضغوط مادية عسكرية حقيقية على الدول العربية، وبخاصة السعودية، واستنزاف الأخيرة اقتصادياً وعسكرياً، وهو الهدف الرئيسى لإيران من وراء ذلك كله، بخاصة محاولتها إسقاط النظام السعودى من الداخل، وهى المهارة التى تمتلكها إيران، فهى تسعى لتكرار تجربتها فى العراق، وفى رأيى، الحرب المستعرة فى اليمن تعجل من إيجاد نظام سياسى إيرانى باليمن، فكما تستثمر إسرائيل الأزمات، تنتهج إيران نفس الطريق، وتستثمر جيداً سقوط على عبدالله صالح فى تقوية ذراعها وهم الحوثيون، ونجحت بالفعل فى إسقاط الدولة اليمنية قبل 2011 بأقل التكاليف، وتنجح حالياً فى استنزاف القوات السعودية العسكرية.


مواضيع متعلقة