«الوطن» تحقق لمدة 4 سنوات: «حكايات من الجبهة» فى يوميات «شهيد أكتوبر»

كتب: محمد الليثى

«الوطن» تحقق لمدة 4 سنوات: «حكايات من الجبهة» فى يوميات «شهيد أكتوبر»

«الوطن» تحقق لمدة 4 سنوات: «حكايات من الجبهة» فى يوميات «شهيد أكتوبر»

لا تزال حرب أكتوبر المجيدة، عام 1973، تحمل بين طياتها الكثير من الأسرار رغم مرور 44 عاماً عليها، وكلما مر الوقت زادت القصص، سواء بوثائق عسكرية تكشف عن كواليس جديدة فى مجريات الحرب، أو بطولات على ألسنة الجنود والضباط الذين شاركوا فى الحرب، ورغم استشهاد صاحب قصة اليوم، الجندى «سيد بسطويسى»، إلا أنه أبى أن تكون قصته عابرة وتنتهى بمجرد وفاته، فسعى لتسجيل حياته المدنية والعسكرية، رسماً وكتابة، فى 8 كشاكيل مذكرات تحت اسم «سلطانيات»، احتفظ بسبعة منها فى منزله، شملت حياته حتى قبل استشهاده بـ3 أشهر، بينما لقى حتفه أثناء كتابة الكشكول الثامن فى «ثغرة الدفرسوار»، الذى اشتمل على قصص إنسانية عن زملائه على الجبهة، وكواليس الأيام الأخيرة قبل اندلاع الحرب.

وقع الكشكول الثامن من المذكرات فى يد جندى إسرائيلى أثناء تقدّمه فى الثغرة، بعد استشهاد «سيد»، وسعى لإعادته عن طريق نشر بعض صفحاته على «فيس بوك»، بشرط العثور على «سيد» أو ذويه، لأنه لا يعلم إذا كان مات فى الحرب أم لا، وكانت تلك الصفحات مفتاحاً لـ«الوطن» فى رحلة استمرت قرابة الـ4 سنوات للعثور على عائلة «سيد»، لاستعادة تلك المذكرات كاملة، عن طريق الباحث المصرى «عمر زكريا»، مترجم أحد مؤلفات الصحفى الإسرائيلى «جاكى خوجى»، الذى ساعد الجندى الإسرائيلى، بنشر الصفحات على «فيس بوك»، وهو ما كشف أخيراً لعائلة «سيد بسطويسى» كواليس الأيام الأخيرة من حياة الشهيد البطل.

 {long_qoute_1}

 

«آمال.. وأحلام.. لكن بعد أن تنتهى الحرب؟!.. لكنى لا أعلم.. لا أحد يعلم متى تنتهى هذه الحرب.. وإن انتهت.. لا أعرف إذا كنت سأكون لحظتها سليماً معافى.. أم مشوهاً عاجزاً يحصل على معاشات من القوات المسلحة.. أو جثة فى قبر.. حيث البرد والظلام والدود حتى النخاع.. جثة تحمل وسام شرف ونوط شجاعة من الدرجة الأولى».

هكذا أخذ «سيد بسطويسى»، ابن مدينة «طنطا» بمحافظة الغربية، يُحدّث نفسه، قبل أن يغادر بيته للمرة الأخيرة قُبيل اندلاع حرب السادس من أكتوبر عام 1973، متّجهاً إلى وحدته العسكرية الواقعة فى الصفوف الأمامية للقوات المسلحة المصرية، فى المنطقة التى وقعت فيها «ثغرة الدفرسوار»، مسجّلاً تلك الكلمات فى كشكوله الخاص، الذى طالما سجّل فيه يومياته «رسماً وكتابة»، سواء فى منزله أو على الجبهة وسط زملائه، لتعود تلك «المذكرات»، وتكشف -عن طريق الصدفة- مصير «سيد» الذى بحثت عنه عائلته بعد الحرب قرابة 6 أشهر، علّه يكون فاقداً للذاكرة أو تائهاً فى أىٍّ من الشوارع، إلى أن وصلت إليهم شهادة استشهاده عام 1974.{left_qoute_1}

وأبرز ما جاء فى المذكرات ما رواه «بسطويسى» من أجواء الجبهة قبل اندلاع حرب أكتوبر، ومنها قوله يوم 1 أكتوبر إن القادة أبلغوهم أنهم سينفذون عمليات كبرى قريباً، وأنه خلال يومين أو ثلاثة أيام ستكون هناك عملية عبور بأى شكل.

وفى جانب آخر من المذكرات التى كتبها فى مارس عام 1972، قال إن الحل الوحيد هو عمل عسكرى لإزالة إسرائيل من المنطقة.

فى هذا الوقت كان الكثير من العائلات المصرية تقتفى أيضاً أثر أبنائها المحاربين لتعلم مصيرهم، ولكى يعودوا إلى بيوتهم إذا كانوا أحياًء أو مصابين، أو على الأقل لتعرف ما حدث فى آخر أيامهم، إذا كانوا قد استشهدوا فى الحرب، إلا أسرة «بسطويسى» التى لم تستطع معرفة ما دار فى آخر أيام ابنهم «سيد»، إلى أن قادت تلك المذكرات «الوطن» للاطلاع على الأيام الأخيرة فى حياة الشهيد، بل وكيفية استشهاده، عن طريق أحد زملائه فى الكتيبة، الأمر الذى كان جديداً ومفاجئاً لعائلته، بعد 44 عاماً من رحيله.

جندى إسرائيلى يُدعى «عوديد يارون»، كان أحد جنود الاحتياط بجيش الاحتلال فى حرب أكتوبر، تجول بإحدى المناطق التى تقدّموا فيها أثناء حدوث «ثغرة الدفرسوار»، ووجد الكثير من المتعلقات الخاصة بجنود مصريين استُشهدوا كانوا موجودين فى هذا المكان أثناء معركة «المزرعة الصينية» التى نشبت يوم 15 أكتوبر بين القوات المصرية والإسرائيلية، واستُشهد «سيد» فيها، وكان من بين تلك المتعلقات «كشكول مذكرات» 150 صفحة دون اسم كامل أو معلومات عن صاحبه، فقط «سيد.. ومن مدينة طنطا».

ووفقاً لما قاله الصحفى الإسرائيلى «جاكى خوجى»، المتخصّص فى الشئون العربية، فى أحد تقاريره بصحيفة «معاريف» الإسرائيلية، فإن الجندى الإسرائيلى أراد رد «الكشكول الأخير»، الذى شكل الحلقة الأخيرة فى مجموعة كشاكيل مذكرات للشهيد، والذى عثر عليه أثناء الحرب، إلى صاحبه الذى لا يعرف اسمه كاملاً.

{long_qoute_2}

لجأ الجندى الإسرائيلى فى البداية إلى نشر عدد من صور صفحات الكشكول على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، عن طريق الصحفى المعروف «جاكى خوجى»، الذى قام بدوره بنشر تلك الصور على «فيسبوك»، إلا أن غموض المعلومات والخط الذى كان مُسيطراً على تلك الصفحات جعلها لم تنل الاهتمام.

تحفّظ الجندى «عوديد يارون» الذى يقطن مدينة «القدس» إلى حد كبير فى نشر تفاصيل من «كشكول سيد»، وقصد فى البداية فقط نشر بعض أسماء زملائه فى الجيش، التى كانت مفتاحاً لـ«الوطن» لبداية رحلة بحث استمرت 4 سنوات عن عائلة «سيد» فى مصر، أو أحد زملائه فى الجيش، المكتوب أسماؤهم فى الصور التى تم عرضها على «فيس بوك»، وكان شرط الجندى الإسرائيلى لإعادة تلك المذكرات هو العثور على «سيد» أو عائلته من أجل إعادتها، خصوصاً أنها وثّقت الشهور الأخيرة فى حياة الشهيد قبل موته فى الحرب، وتفاصيل لم تعلمها عائلته بعد، وفقاً لما تم نشره مع صور صفحات المذكرات.

«الوطن»، تتبعت المقتطفات المنشورة من المذكرات للبحث عن عائلة الشهيد، دون التواصل مع أى جانب إسرائيلى، لتنتهى قصة «الشهيد سيد بسطويسى» بإخبار عائلته بما جرى له من خلال توثيق الأشهر الأخيرة فى حياته، وجمع «مذكرات بسطويسى» من مصر بعد الحصول على 7 كشاكيل أخرى كانت فى منزل العائلة، ومن إسرائيل عن طريق الباحث عمرو زكريا، الذى ترجم كتاباً للصحفى الإسرائيلى «جاكى خوجى»، الذى عمل على نشر تلك المذكرات.{left_qoute_2}

حوت الـ8 صفحات التى تم نشرها على «الفيس بوك» بعض المعلومات عن أصدقاء الشهيد فى وحدته العسكرية، وبها أسماؤهم ثلاثية، وتواريخ ميلادهم، وأيضاً عناوين منازلهم، وتلا ذلك وصف شخصية كل منهم بأسلوب كتابة دلّ على أن الشهيد «سيد» كان «مشروع أديب» حرص على تسجيل يومياته على الجبهة وغير الجبهة، بالنسبة له ولزملائه وأقاربه.

وعن طريق الاتصال الهاتفى بخدمة «دليل التليفون الأرضى»، حاولت «الوطن» الوصول إلى أحد أصدقائه المذكورة أسماؤهم الثلاثية فى تلك الصفحات، ربما يتذكر صديقه «سيد» ويرشدنا إليه، وبعد عدة محاولات من بين الأسماء، وجدنا لأحدهم، ويُدعى «محمد العربى صديق»، رقم تليفون منزل (أرضى) فى دليل الهاتف، حيث يسكن قرية «دمنهور الوحش» فى مركز «زفتى»، بمحافظة الغربية، وفقاً للمذكرات، وبالاتصال به أكد أنه بالفعل شارك فى حرب 1973، وتحتفظ ذاكرته بالكثير من ذكريات الحرب، وفى القلب زميله الشهيد الآن، مما دفع «الوطن» للقائه فى «دمنهور الوحش».

* «الوطن» مع زميل «سيد» تحت شجرة التوت

تحت شجرة «توت» شَكّلت لوحة فنية، وفى الخلفية أرض زراعية شاسعة المساحة أعطى لونها الأخضر خلفية رائعة لمنظر الجالسين تحت الشجرة التى تناثر بعض ثمارها على الأرض بجوار «عم محمد العربى صديق» وصديقيه «التوأم» ذوى السبعين عاماً، بزيهما الفلاحى، الجلباب البلدى البسيط، التقت «الوطن» ببطل حرب أكتوبر المجيدة، بعد رحلة استمرت قرابة الـ3 ساعات.

بعد احتساء «شاى المنقد» الذى كان جاهزاً للضيوف، حاولنا أن نبدأ الحديث عن ذكريات حرب «أكتوبر» المجيدة ومعرفة «أين سيد؟» ليرد «العربى الصديق»: «اصبر عليا يا ولدى، أنا راجل كبير فى السن، والحرب دى كانت من أكتر من أربعين سنة، آدينا بنشرب الشاى، وهنفتكر واحدة واحدة مع بعض».

ببعض من القصص البطولية، وقصص أخرى كوميدية، حرص على ذكر كل تفاصيلها، بدأ «العربى صديق» يسترجع ذكريات الحرب التى أعادت كرامة المصريين بعد احتلال إسرائيل أرض الفيروز والاستيلاء عليها، وسريعاً ما اغرورقت عيناه بالدموع، قائلاً: «سيد.. سيد!!.. سيد.. الله يرحمه، مات شهيد على الجبهة، كان ملاك، مفيش حد ماكانش بيحبه».

هنا سألته «الوطن»: «عم محمد، انت دخلت الجيش إمتى؟» ليرد: «دخلت الجيش عام 1969، وحضرت حرب الاستنزاف حتى حرب الكرامة أكتوبر 1973، وكان معايا مجموعة كبيرة من الزملاء من مختلف المحافظات، وكنا على قلب رجل واحد، لأن همّنا واحد وهدفنا واحد، مسلمين ومسيحيين، ناكل فى أنجر واحد، وكنا بننتحر فى التدريبات علشان نكون مستعدين للحرب فى أى وقت، وتنقلنا من مكان إلى آخر، من أجل التدريب والاستعداد للمعركة الحاسمة التى انتظرناها كثيراً».

يحكى «العربى صديق» عن مشاعر الجميع بعد النكسة، قائلاً: «كان هناك أمل واحد، هو القضاء على العدو الإسرائيلى، واسترداد الأرض، وإعادة الكرامة، وكانت حرب الاستنزاف وطلعاتها تظهر فيها كمية الغل التى لدينا، وكنا نتعب فى التدريب، ونسير بمبدأ (العرق فى التدريب، يوفر الدم فى المعركة)»، مضيفاً: «كنت فى كتيبة مدفعية 16 مشاة، وكنت أعمل فيها فرد إشارة فى نقطة الملاحظة، حيث تلقى المعلومات من القائد المباشر فى إدارة مركز العمليات، وكان بجوارى جندى آخر وعليه تحديد الهدف وعدد الكيلومترات اللى على أساسها يتم تحديد الهدف بدقة واستهدافه».

وأضاف الرجل: «كنا نتدرّب دائماً فى أماكن تشبه كثيراً قناة السويس، حتى تكون لدينا الجاهزية للتعامل فى مكان المعركة، وتشبعنا من التدريبات، ووصلنا إلى درجة عالية جداً من الجاهزية، وكان هدفنا تحقيق النصر، فكنا نريد أن ننفّذ هذه التدريبات فى الحقيقة، ونعود بالنصر بعدما نُخرج كل ما لدينا من غل فى العدو».

وتابع: «تدرّبنا أيضاً على الصعاب التى ستواجهنا فى العبور، وكنا نركب القوارب المطاطية ونعبر ممرات مائية تشبه القناة، فضلاً عن تلال تشبه إلى حد كبير خط بارليف». وأضاف «العربى صديق»: «خلال 4 سنوات انتقلنا إلى أكثر من 10 أماكن، منها الإسماعيلية وفايد وبلبيس، و(سيد) كان معانا، وكان من الصعب حدوث مشاكل بيننا، أو يظهر أحدنا الكراهية لأخيه، وكان أكثر دليل على ذلك (الله أكبر) التى كانت تهز المكان»، متابعاً: «كنا مسلمين ومسيحيين دون فارق بيننا، فالمسيحى كان يصوم رمضان معنا».{left_qoute_3}

وعن لقب «الوتين العربى» الذى لقّبه إياه «سيد» على صفحات مذكراته، قال: «لا أعلم شيئاً بخصوص هذا، لكن ربما لحماسى الشديد أثناء عملى، وبذل المزيد من الجهد فى أى موقع جديد يتم الانتقال إليه، فأنا استمررت 6 سنوات فى الجيش، لم أُقصر، وأديت واجبى على أكمل وجه»، وبالبحث عن معنى «الوتين» وجدنا أنه اسم لعرق فى القلب إذا انقطع مات الإنسان، كما ذُكر ذلك الاسم فى القرآن الكريم، وربما تم إطلاق هذا الاسم عليه بعد أن قام بإصلاح كابلات الاتصال بالوحدة بعد تدمير العدو لها.

* استشهاد بطل المذكرات «سيد»

تنهّد «العربى صديق» ليعود إلى «سيد» الذى لم يستطع استكمال سرد ذكريات كتيبته إلا به، ورد على سؤالنا عن «سيد»: «بعد 5 أيام على العبور وعند مواصلة الدخول إلى سيناء، كنا فرحين وفى قمة السعادة، حتى وقعت ثغرة الدفرسوار، حيث بدأت القذائف تتوجّه باتجاهنا من كل حدب وصوب، انتقاماً لما حدث لهم من إهانة، وكل منا التزم حفرته الرملية ومن وقت لآخر كنا نطمئن على بعضنا من خلال إخراج رؤوسنا من الحفرة، وفجأة سقطت قذيفة بالقرب من حفرة سيد فدخلت ثلاث شظايا، ولن أنسى ما سمعته وقتها (سيد مات.. سيد مات) فكانت صدمة كبيرة للجميع، المثقف الوحيد المتعلم بيننا راح، فبينما رفعناه من الحفرة كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، وفى هذا الوقت جاءت أوامر بإخلاء الموقع، وانسحبنا إلى الخلف نحو 4 كيلومترات، لنترك مكاننا ومذكرات ويوميات سيد فيه»، واستطرد قائلاً: «تقريباً خدوا معاهم مذكرات (سيد) وقتها، كان معاه مذكرات كتير».

وأضاف: «(سيد) كتب كشاكيل كتير، وكان بيشيلهم دايماً فى المخلة بتاعته، وكان بيرسم كمان، وأكيد اللى وقع منه واحد بس، لأن هو كان لا يحتفظ بالكشاكيل معه إلا واحداً فقط، لأنه يكتب فيه»، ويواصل: «استشهاد (سيد) أثر فينا كلنا وظل الجميع فى حالة حزن واكتئاب، لا أكل ولا شرب، كان دائماً بيحل مشاكلنا، وكان فيه كل الصفات اللى تؤهله ليكون قائداً»، مستطرداً: «كان فناناً وكان يرسم، وكان يفهم فى السياسة والأدب، كل شىء كان يعرفه (سيد)».

وعن عمله فى ساحة المعركة، قال: «(سيد) كان قناص وشاطر أوى فى تحديد المسافات لضرب الأهداف البعيدة، وضربته لا تبعد عن الهدف بـ5 أمتار، لو ماجاتش فى الهدف مباشرة»، وفقاً لـ«العربى صديق»، الذى أضاف أن «سيد» كان شديد الذكاء، لذلك أصبح «الذراع اليمين» لقائد الوحدة، إلى جانب كونه شديد الاحترام والأدب، وكانت هوايته المفضّلة هى الكتابة «من كتر حبه فى الكتابة، كنا مسمينه توفيق الحكيم»، وكان لا أحد يقترب من كشكوله خوفاً من غضبه، وكان يسجل كل صغيرة وكبيرة فى الحرب «سيد سجل كل حاجة»، مشيراً إلى أن «سيد» كان يقول دائماً: «الكشاكيل دى لو عشنا هيبقى ليها أهمية كبيرة، ولو مُتنا أهلى هيعرفوا منها كنا بنعمل إيه».

طالب «العربى صديق» بإعادة تلك المذكرات من «أيدى الصهاينة» لاحتوائها على تفاصيل كثيرة عاشها أبطال فى فترة زمنية صعبة جداً، سعياً لتحقيق النصر واسترداد كرامة المصريين، مشيراً إلى أن «سيد تمت ترقيته إلى رقيب، وأخلاقه كانت حميدة ومجهوده كان كبيراً». وفاجأنا «العربى الصديق»، قائلاً: «افتكرت افتكرت اسمه.. اسمه سيد بسطويسى.. ربنا يرحمه، وفى الجنة إن شاء الله». وقتها شعرنا باقترابنا من اكتشاف هوية «سيد بسطويسى»، وطنطا ليست بعيدة عن زفتى، فقرّرنا الذهاب إليها فى اليوم نفسه.

قصدنا جمعية رعاية أسر الشهداء فى الغربية أولاً، لكننا اكتشفنا نقلها إلى مكان آخر، وتوجّهنا بعدها إلى إحدى الجمعيات الخيرية بطنطا، وسألنا عن عائلة «بسطويسى»، فأرشدنا إليها صاحب ورشة نجارة فى شارع «الويشى»، المتفرّع من شارع «النحاس»، لكن فى النهاية أكد صاحب الورشة «إبراهيم بسطويسى» أنه لا يوجد شهيد فى حرب أكتوبر من عائلته، وعند سؤاله عما إذا كانت «هناك عائلات أخرى باسم بسطويسى»، فرد قائلاً: «فيه كتير فى طنطا»، مرشداً إيانا إلى ضابط جيش خرج مصاباً من عائلة بسطويسى، ووصلنا إلى المكان المحدّد إلا أن ابنه «هانى»، نفى كل ما كنا نحاول إثباته.

فى أحد المقاهى «البلدى» المنتشرة فى طنطا، سألنا عامل المقهى عن عائلة بسطويسى، ليدلنا على أكثر من عنوان لعائلات بسطويسى، حيث تجاوزوا الـ7 عائلات، وبعد المرور عليهم كلهم تبدّدت الآمال فى العثور على عائلة «سيد بسطويسى»، لنعود ليلاً إلى القاهرة، ويُثار سؤال جديد: «هل نستطيع العثور على أحد أفراد عائلته إذا نشرنا المعلومات التى كانت تحت أيدينا، خصوصاً بعدما تواصلنا هاتفياً مع جمعية رعاية أسر الشهداء فى الغربية، ونفت وجود اسم سيد بسطويسى؟».

بعد عام ونصف العام من انتظار فرصة للعثور على أحد من ذويه، ربما ابن أو أخ أو زوجة، نشرت «الوطن» تقريراً بعنوان: «بالصور.. مذكرات شهيد مصرى.. كشكول بطولات تحتجزه إسرائيل منذ 42 عاماً» شمل بعض التفاصيل ونداءً إلى «عائلة سيد بسطويسى» للتواصل حتى نستطيع إعادة تلك المذكرات التى يشترط الإسرائيلى الذى عثر عليها أثناء الحرب العثور على سيد أو عائلته، وبعدها بأيام تلقت «الوطن» اتصالاً من «نبيل بسطويسى»، شقيق الشهيد «سيد بسطويسى»، الذى كشف عن حياة شقيقه «سيد»، ذلك الشاب الذى درس بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وكان مشروعاً لأديب كبير كان يتّخذ من الأديب المصرى العالمى «نجيب محفوظ» مثله الأعلى.

 

{long_qoute_3}

  • استشهد يوم 16 أكتوبر وعائلته عرفت بعدها بستة أشهر
  • علق على مظاهرات الطلبة لتحرير سيناء: الضغط على الحكومة سيؤدى لانهيار.. وسمى نفسه «ابن النكسة الكبرى»
  • قال عن نكسة 1967: الشعب أثبت صلابة قوية رغم الهزيمة السخيفة.. والصهيونية تريد إحداث فتنة وانشقاق الصف الوطنى.. ونحن فى أحوج ما نكون للوحدة ولا يجب أن نترك المخابرات الغربية تلعب بنا
  • أحرج «أنتونى ناتنج» فى رسالة بجريدة الجمهورية بشأن القضية الفلسطينية أثناء دراسته فى المرحلة الثانوية.. وسجل تعليقاته وآراءه السياسية فى يومياته
  • تفوق فى دراسته.. وتخرج فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وكان تلميذاً لـ«بطرس غالى»
  • أصدر العدد الأول من مجلة «الإنذار» الثقافية فى كلية «الاقتصاد».. وذكر أن الطلبة رأوا أنفسهم أنهم «ليسوا بحاجة لمزيد من الثقافة».. وكتب: «إنى بحاجة إلى الحب»
  • «الكشكول الثامن» تضمن وقائع آخر 3 شهور فى حياة «سيد» وصحفى إسرائيلى ساعد «يارون» فى البحث عن صاحب المذكرات

 

 

شارع هادئ تتراص فيه المنازل بطرازها المعمارى القديم، فى مواجهة نهر النيل، بمنطقة «الملك الصالح» بالقاهرة، وفى منزل يرتفع طول الطابق الواحد به لأكثر من ثلاثة أمتار، توجد شقة بالدور الثالث يمتلكها «نبيل بسطويسى»، أخو الشهيد، حافظ على شكلها منذ عشرات السنين، بدءاً من الباب «ذى الضلفتين» مروراً بـ«الأنتريه المُدهب»، انتهاء بـ«لمبة الجاز» التى وضع أكثر من واحدة منها فى الغرفة التى التقينا بها، حيث حدثنا عن قصة حياة الشهيد «سيد بسطويسى».

إلا أن «نبيل» أكد أن القصة لن تكتمل إلا بدخول ما سماها «غرفة الذكريات» بالمحلة الكبرى، فى منزل شقيقه «حمدى بسطويسى»، حيث يحتفظ فيها ببعض متعلقات والدتهم التى توفيت عام 1954، وشقيقهم «سيد»، شهيد أكتوبر، الذى ترك «مكتبة» من ضمنها 7 كشاكيل مذكرات سجلت حياته بكل تفاصيلها، بالإضافة لمسرحيتين كتبهما، والعديد من الكتب فى جميع المجالات، خاصة الأدب.

استغرق الطريق إلى مدينة «المحلة الكبرى»، بمحافظة الغربية، قرابة الـ3 ساعات، برفقة الرجل السبعينى، «نبيل بسطويسى»، وفى أحد الشوارع التى اختلطت البناءات الحديثة فيها بالأراضى الزراعية كان منزل «حمدى بسطويسى»، وأسرته، المكون من 3 أدوار، حيث كانت «غرفة الذكريات» بالطابق الثالث، وكانت جدرانها مزدانة بلوحات مرسومة بالقلم الرصاص والفحم بريشة الشهيد.

«مفيش حد يقدر ييجى ناحية الأوضة دى إلا بإذن بابا».. بهذه الكلمات قاطعتنا «هبة حمدى بسطويسى»، معلمة الحاسب الآلى، وابنة شقيق الشهيد التى عملت على ترتيب المكتبة والمذكرات، مضيفة: «أنا عشت حياة عمى سيد تقريباً من خلال مذكراته، كان بيكتب وبيرسم وبيألف مسرحيات، رغم إنه استشهد وهو فى عمر الـ25».

من هو «سيد بسطويسى»؟

«سيد ابن النكسة الكبرى.. كان بيسمى نفسه كده، علشان هو مواليد 1948 (السنة التى حدثت فيها حرب فلسطين)، وكان بيعتبر الحرب دى النكسة الكبرى، أما النكسة الأخرى فكانت حرب 1967».. بهذه الكلمات بدأ نبيل بسطويسى سرد قصة شقيقه سيد، مؤكداً أنه تفوق فى دراسته، حيث إنه تخرج فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عام 1969، وكان تلميذاً فى الكلية للدبلوماسى المخضرم بطرس بطرس غالى، الأمين العام السادس للأمم المتحدة، قبل أن يتم تجنيده فى الجيش أثناء حرب الاستنزاف عام 1970، حتى استشهد فى 16 أكتوبر عام 1973.

عاش سيد فى 9 شارع على النجار بكفر «شلنك» فى طنطا، وتخرج فى مدرسة طنطا الأحمدية الثانوية، وحصل على الشهادة بمجموع يسمح له بالالتحاق بكلية الطب، وهو ما اقترحه والده «حسين بسطويسى»، آنذاك، إلا أن رد سيد كان «أنا بخاف من الفار.. هدخل كلية الطب؟!»، وقرر دراسة الاقتصاد والعلوم السياسية، ليس رغبة فى العمل دبلوماسياً، أو امتهان مجال السياسة، ولكن حتى يستطيع أن يعمل فى أحد مجالات «الثقافة»، لأنه كان يحب القراءة والكتابة والرسم، ويقول «نبيل بسطويسى»: «عندما دخل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية فى القاهرة، كانت المدينة الجامعية فى منطقة إمبابة، وكنت أعرف مدير المدينة جيداً، ولم يكن هناك مكان شاغر فى المدينة حتى يلتحق بها سيد، فقرر مدير المدينة أن يخصص له غرفة كانت مخزناً قديماً، ووضع فيها سريراً، وأصبحت غرفة سيد، وعندما تخرج تم تعيينه فى الثقافة الجماهيرية قبل تجنيده بالقوات المسلحة».

عائلة «سيد»

تبركاً بالإمام «السيد البدوى» فى طنطا، أطلق «حسين بسطويسى»، والد الشهيد، اسم سيد على «آخر العنقود» بعد أن تم نقله من عمله بمنطقة «كفر الدوار» بمحافظة البحيرة، إلى «طنطا» بمحافظة الغربية، حيث كان يعمل فى «السكة الحديد»، كما اكتسب لقب «شيخ العرب» عندما كبر، تبركاً أيضاً بـ«شيخ العرب السيد البدوى».

الأسرة تتكون من 4 أفراد، 3 أولاد، وبنت وحيدة، من طبقة متوسطة الحال فى طنطا، أب موظف، وأم ربة منزل، شأنها شأن باقى الأسر فى هذا التوقيت.

ويقول «نبيل»، الابن الذى يكبر 3 أخوة (حمدى، وسيد، وصفاء): «إن صفاء توفيت قبل سيد بثلاثة أشهر فقط فى يوليو 1973 بعد صراع مع مرض سرطان الدم، وكانت تعمل مُدرسة فى إحدى مدارس طنطا، بعد أن تخرجت فى كلية دار العلوم، وكانت متزوجة ولديها بنت وولد، أما حمدى فحصل على بكالوريوس هندسة وكان يعمل مهندساً فى كلية التعدين والبترول فى مدينة السويس، وتابع: «أما سيد فكان الأصغر، وتم تجنيده عام 1970 بسلاح الدفاع الجوى بالقوات المسلحة، رغم أن نظره كان ضعيفاً، وكان لا يرى بدون النظارة، وعندما كانت تنكسر نظارته كان القائد يسمح له بإجازة لأنه لا يفيد بدون عينين».

وعن نفسه قال الرجل السبعينى: «تعلمت فى معهد السكرتارية بطنطا، ولم أكمل تعليمى، وعملت فى البداية بوزارة الصناعة لظروف المعيشة، نظراً لأنى الأخ الأكبر لأسرة بدون الأم التى توفيت عام 1954 وتركت سيد عمره 6 سنوات، والوالد لم يتزوج، وجدتى من رعتنا وطبخت لنا منذ الصغر»، واستطرد فى حديثه عن سيد قائلاً: «كان بيحب الفن، هو اللى ضحك عليّا وجرجرنى للمسرح وخلانى أحبه، وكانت من أشهر المسرحيات اللى حضرتها معه مسرحية «آه يا ليل يا قمر لشكرى سرحان وسهير البابلى وتأليف نجيب سرور، ومقدرش أنسى عبارة على لسان شكرى سرحان وهى، ياما يا حبيبتى يا مصر طول عمرك موعودة بالطعن بالخناجر فى ضهرك من ولادك»، أما عن الأخ الأقرب إلى سيد فكان حمدى الذى يكبره بسنوات، فكان سيد دائماً «يسحبه للسينما علشان يستغله ويدخل على حسابه».

ويقول نبيل: «سيد وحمدى كانوا الأقرب لبعض، وكانوا بيلعبوا كورة شراب فى الصالة مع بعض، بابا كان مديله الصالون وسبرتاية وبن علشان يعرف يذاكر، وكان بيحب ينصب على أبوه، ويقول عايز أشترى كتاب ويجيب كتاب من عنده ويقوله الكتاب أهو، وبقول لبابا، فرد وقال أنا عارف، هو بيعمل كده علشان كان عايز فلوس.. ولما بيذاكر كان بيذاكر على اللمبة الجاز وسهراية صغيرة فى الصالون، وكانت كتبه تحت الكرسى»، وتابع نبيل: «سيد لم يتزوج، ولكن بالتأكيد كانت له حياته، ولا أنكر بعض المواقف التى علمت بها أن هناك جانباً آخر فى حياته، ولكن التجارب بالتأكيد لا أعرفها، وعن كتاباته فقد بدأ كتابة يومياته ورسوماته تزامناً مع بدء فترة الكلية، فهو رسمنى ورسم حمدى الذى كان الأقرب له، لدرجة أن حمدى كان ينيم سيد بالإكراه على ذراعه، حيث كان سيد أصغر حجماً من حمدى»، ويقول نبيل «فيه جملة قالها سيد قبل مغادرته مباشرة لا يمكن أن أنساها، وهى إنه إذا وقعت الحرب، ووقعت ثغرة أو اختراق سيكون من المنطقة التى أخدم فيها لأنها أضيق مكان فى القناة».

بدموع حضرت مع ذكريات الماضى، وصوت اختلف قليلاً، يذكر الأخ الأكبر أن الشهيد سيد كان مهذباً بدرجة كبيرة، ولا يرفع عينيه ولا صوته وهو يتحدث معه، ولكن أيضاً كانت لديه روح الدعابة، فكان يسأل والده دائماً عن «الحصو اللى فى الرز» نظراً لأنه يجد ذلك فى الأرز بالجيش، ويكمل عم نبيل حديثه: «خدمت فى القوات المسلحة بدءاً من نوفمبر عام 1969 حتى نوفمبر عام 1974، أى خدمت 5 سنوات بما فيها الحرب، ولكنى لم أكن على الجبهة، فكانت وحدتى فى محافظة الفيوم، أنا وسيد دخلنا الجيش وماكناش عارفين هنخرج منه إمتى»، وبكلمات اختبأ وراءها الحزن، بدأ المهندس «حمدى بسطويسى» الحديث عن شقيقه الذى أظهر منذ عهده الأول نبوغه، بدءاً من المدرسة الابتدائية حتى الجامعة، قائلاً «كان متعدد المواهب، أحب الشعر والرسم كثيراً، وكان يراسل جريدة «الجمهورية» فى مرحلة الثانوية، التى نشرت له عدداً من الأشعار والآراء السياسية، كان هيبقى صلاح جاهين التانى، بيفهم فى السياسة وبيألف أشعار ومسرحيات، زيادة على كده كان بيرسم، رسمنا كلنا بالقلم الرصاص، ورسم معظم الفنانين، سعاد حسنى وفيروز ومديحة كامل وسهير رمزى وغيرهم، بس كان بيحب نجاة جداً».

مراسلات الشهيد

كان سياسياً محنكاً قبل أن يلتحق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، حيث أرسل فى 20 أبريل عام 1965 رسالة عبر جريدة الجمهورية إلى السير «أنتونى ناتنج» وزير الدولة البريطانى الأسبق للشئون الخارجية، رداً على مناقشة جمعت كبار كتاب ومفكرى العالم حول القضية الفلسطينية وكان «ناتنج» من بينهم، وقال سيد فيها: «لا شك أن ندوة فلسطين العالمية قد أحرزت نجاحاً كبيراً على الصعيد العالمى، ولقد تابعت باهتمام كل ما دار فى هذه الندوة من مناقشات بين كبار كتاب ومفكرى العالم حول قضية فلسطين، وأدهشنى ما جاء على لسان الوزير البريطانى الأسبق أنتونى ناتنج خلال المناقشات، ووجدت من واجبى كمواطن عربى أن أوجه له الرد التالى: «لقد قلت يا مستر ناتنج فى ندوة فلسطين العالمية: إن هناك دلائل تشير إلى أن إسرائيل تصفى نفسها بنفسها.. ومن هذه الدلائل أن اليهود الغربيين فى فلسطين بدأوا فى العودة إلى أوروبا، وأن قيام جيل جديد من اليهود الشبان يشب فى إسرائيل جعله يفكر فى نبذ الحقد والعيش فى سلام مع العرب.. ودعنى أسألك يا سيد نانتج: هل يمكن لدولة تصفى نفسها أن تعلن التعبئة العامة فى جيشها وتهدد العرب إذا نفذوا مشروعاتهم لتحويل روافد نهر الأردن؟ هل يمكن لإسرائيل -وهى تصفى نفسها- أن تستعين بالطاقة الذرية الأمريكية لتحويل المياه المالحة إلى عذبة، وأن تحاول الحصول على القنبلة الذرية؟ هل يمكن لدولة تحزم حقائبها أن تطلق نيرانها على الحدود العربية لتقول: إنى راحلة؟».

وتابع الشهيد فى رسالته: «أما الدليل الذى تسوقه -يا مستر ناتنج- من عودة اليهود الغربيين إلى أوروبا، فإنى أرد عليه بما قاله الصحفى الفرنسى بيير روسى (إن الذين يعودون إلى أوروبا ثانية من إسرائيل، هم عدد قليل من كبار السن).. ومن هنا نعلم السبب الذى من أجله عادوا.. وهو أن شيخوختهم لم تعد تحتمل المغامرات والتحديات التى يواجهونها داخل إسرائيل التى يهددها الخطر من كل جانب.. أما الجيل الجديد الذى تقول عنه إنه يفكر فى نبذ الحقد ليعيش فى سلام مع العرب، فهو الجيل الذى تعده إسرائيل لتحقيق حلمها من الفرات إلى النيل.. ولقد قلت أيضاً يا مستر ناتنج (إن إسرائيل أقامتها الصهيونية لتحقيق أهداف صهيونية لا لتحقيق أهداف الاستعمار الغربى أو الاستعمار الأمريكى).. وأنا أسألك: أليست الصهيونية هى المسيطرة على الغرب وعلى أمريكا؟ ألم تستخدم دول الاستعمار الغربى إسرائيل فى الهجوم على مصر عام 1956؟! ألم تعترف أنت -يا مستر ناتنج- بأن الغرض الأول من إقامة إسرائيل هو خدمة الاستعمار، عندما قلت فى ندوة فلسطين بالحرف الواحد (إن تصريح بلفور كان جزءاً من السياسة البريطانية لإيجاد قاعدة لتدافع بها عن قناة السويس)؟.. وأخيراً فإننى أستبيح لك العذر يا مستر ناتنج فى كل ما قلته عن رأيك فى قضية فلسطين.. هذا العذر الذى استباحه لك فى حينه الدكتور برهان الدجانى.. وهو أنك تعبر تعبيراً صادقاً عن السياسة التى اتبعتها بلادك بريطانيا فى فلسطين.. فقد كانت تمد العرب وتخدعهم، وتوفر لإسرائيل فى الوقت نفسه سبل البقاء.. ولكننا لن نُخدع بعد اليوم».. سعيد حسين بطويسى.. الأحمدية الثانوية بطنطا.

مذكرات الشهيد المتمثلة فى 7 كشاكيل فى مصر، وثامنها فى إسرائيل، لم تغفل آراءه السياسية أيضاً، خاصة فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى فى سيناء، حيث كتب بتاريخ مارس 1972: «فى أول الشهر المقبل أكون قد قضيت عاماً ونصف العام فى الخدمة العسكرية، ومنها عام كامل على جبهة القتال.. الموقف فى الأزمة ما زال معقداً، وليس هناك أى بادرة أمل ضئيل فى تسوية سياسية ما.. كل ما هنالك هو أن عامل الزمن يزيد من تعقيد الأزمة أكثر وأكثر.. إلى درجة قد يستحيل فك تلك العقدة بالوسائل السلمية أو الدبلوماسية.. الحل الوحيد.. عمل عسكرى شامل إما يؤدى إلى هزيمة تامة لإسرائيل، وبالتالى إزالتها كوجود سياسى من المنطقة، أو على العكس، عمل عسكرى يفقد العالم العربى عامة ومصر خاصة القدرة على المواجهة والقيادة فى مواجهة إسرائيل.. أما الحلول الوسط فليست سوى حقن مسكنة، ولكن المرض ما زال فى أحد أطواره الخطرة».

وأثناء دراسته الجامعية علق سيد على منع وزير الداخلية وقتها التظاهرات فى الحرم الجامعى، قائلاً: «كان من المفترض أن يكون هناك عمل منظم بدلاً من تلك الفوضى والهرجلة التى قطعاً سيستغلها الاستعمار لإيجاد ثغرة ويحاول النفاذ منها، بعد أن أثبت الشعب صلابة قوية رغم النكسة المؤلمة والهزيمة السخيفة، إن الضغط على الحكومة من الداخل والخارج سوف يؤدى إلى الانهيار التام، وهذا ليس فى صالحنا، فإن هذا هو هدف الاستعمار والصهيونية الأول.. بل قد تتدخل المخابرات الأجنبية فى إحداث فتنة وانشقاق ليتدهور الموقف وتصبح مصر على هاوية حرب أهلية فى ظروف توجد فيها القوات الإسرائيلية على ضفة القناة الشرقية، ولن يكون هذا فى صالحنا أبداً فشعور الجندى عند سماعه خبر الانشقاق بين الشعب.. هل سيحارب بقلب قوى وثابت؟.. إننا فى أحوج ما يكون إلى الوحدة للصمود فى وجه العدوان، وألا ندع الاستعمار يلعب بنا، وألا ننساق خلف عواطف هوجاء تودى بالشعب بأجمعه.. للأسف فإن هناك عدداً من المتظاهرين عندهم ضيق أفق، وليس لديهم أى نظرة واعية شاملة للموقف وأبعاده الشديدة.. هناك وسائل أخرى.. الإضراب عن الكليات وعقد المؤتمرات وإصدار البيانات.. وإرسال التلغرافات إلى مجلس الأمة ورئاسة الجمهورية».

حلم «سيد» بالعمل فى الصحافة، وفى 3 أكتوبر 1967، أصدر العدد الأول من مجلة «الإنذار» فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، برفقة صديقه «محمود»، وأعجب بها معيده «جودة عبدالرحمن»، المشرف على الصحافة فى الكلية، إلا أنه تم رفع العدد نظراً لانتقاد الطلبة لها باعتبارها مجلة ثقافية، وليس لها علاقة بالاقتصاد والعلوم السياسية، حيث أعرب الشهيد فى مذكراته عن غضبه تجاه ذلك، كون الطلبة رأوا أنفسهم أنهم «ليسوا بحاجة إلى مزيد من الثقافة».

اتضح من مذكرات الشهيد أنه لم يكن قد وقع فى الحب حتى التحاقه فى الجيش، فكتب فى إحدى صفحاته: «إنى بحاجة إلى حب امرأة تكون أقرب منها إلى أمى من أنثى، الحب والحنان شيئان كبيران أشعر بفقدانهما، خاصة مع الفراغ واليأس والإحساس بالموت»، فى الوقت الذى عبر فيه عن رأيه فى الزواج: «أنا فى حاجة إلى الحب وإلى هذه الفتاة، لكن الأسلوب هو ما أخشاه، ذلك الأسلوب الذى أعتقد أنه سيتم به تحول هذا الحب إلى ورقة رسمية، إلى زيارات ومجموعة من القوانين وورقة مأذون واحتفالات سخيفة، وتجمعات تضم النساء والرجال عواجيز وأطفالاً.. صورة تراجيكوميدية مسرفة»، هكذا دارت قصة الشهيد «سيد بسطويسى» التى تستكملها «الوطن» تباعاً.

لمشاهدة الصور والرسومات اضغط هنا

 

«بسطويسى» يتوسط زملاء الدراسة أمام «الاقتصاد والعلوم السياسية»

إحدى الصفحات التى نشرها الجندى الإسرائيلى

وأخرى تحدث فيها «سيد» عن صديقه «العربى»

وثالثة عن زميله صلاح السيد

«العربى» صديقه يتحدث لمحرر «الوطن»

 

«العربى» ممسكاً جهاز الإشارة فى رسومات «سيد»

من رسومات الشهيد

وأخرى فى منزل العائلة

شقيقا سيد يتحدثان إلى محرر «الوطن»

شقيقا سيد فى غرفة الذكريات

 سيد

«نبيل» يشير إلى رسومات أخيه الشهيد


مواضيع متعلقة