يذهب عشاق السينما ليشاهدوا فيلمًا طال انتظارهم له، يشعرون بالتشويق والحماسة ويقفون في طوابير بانتظار الدخول، ثم تنطلق الرصاصات فجأة فتحصد أرواح 12 منهم وتصيب ما يقارب من 50 آخرين، هذا هو ملخص ما حدث أثناء افتتاح فيلم "باتمان" الجديد في سينما كولورادو بأمريكا.
لكن كيف تناولت وسائل الإعلام ذلك الخبر، وكيف غطته وتناقلت أنباءه؟
إن حوادث إطلاق النار بشكل عشوائي تكررت بشكل كبير في الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الماضية، ولعل من أبرزها الحادثة التي وقعت عند مدرسة أطفال يهودية في تولوز بفرنسا في مارس الماضي، والتي راح ضحيتها ثلاثة أطفال، والسؤال، هل تعمل وسائل الإعلام على تغطية تلك الحوادث بشكل يمنع وقوعها بعد ذلك؟.
الطبيب النفسي تشارلي بروكر، الذي يعمل في مجال الطب الشرعي، حدد بعض المبادئ والتوجيهات عن كيفية إعداد التقارير الإخبارية بوجه عام عن تلك الحوادث، بافتراض أن الهدف الأساسي من التغطية الإعلامية لها هو منع وقوع مزيد منها في المستقبل. ومن تلك المبادئ:
- لا تبدأ الخبر بعبارات حماسية، ولا تعرض صورًا للقاتل، ولا تجعل التغطية مستمرة طوال الوقت، ولا تجعل من القاتل نوعًا من البطل المضاد، وانشر القصة في مجتمعها الخاص واجعلها مؤثرة، أما بالنسبة للمجتمعات الأخرى فاجعلها مملة قدر الإمكان.
وبعد قراءة تلك التوجيهات بشكل دقيق، فإن نظرة سريعة في الصحف العالمية تكشف كيف قامت وسائل الإعلام بتغطية ذلك الحادث.
صحيفة "صن" البريطانية جندت صفحتها الأولى كلها لنشر الخبر مع صورة كبيرة احتلت حيزًا كبيرًا من الصفحة للقاتل وهو يبتسم، وهي الصورة الوحيدة المستخدمة في كل التغطيات الإعلامية الأخرى، تحت عنوان "مجنون باتمان".
صحيفة "الديلي تلجراف" خصصت عمودًا في صفحتها الأولى للحديث عن المأساة، تحت عنوان "منفذ مذبحة فيلم باتمان يصول: "أنا الجوكر".
صحيفة "الديلي ستار" خصصت ما يقرب من نصف صحفتها الأولى طوليًّا لتغطية الخبر، مع عرض صورة كبيرة للقاتل، وعنوان رئيسي كبير بخط عريض يقول "مختل باتمان يقتل 12 شخصًا".
أما صحيفة التايمز البريطانية، فقد خصصت الصفحة الأولى كاملة للخبر، مع بعض الإعلانات عن دورة الألعاب الأوليمبية، مع صورة للقاتل وعنوان يقول "القاتل المبتسم الذي يقف خلف مذبحة فيلم باتمان".
صحيفة "ديلي ميرور" قدمت نبذة عن الخبر في صفحتها الأولى مع المزيد منها في الصفحات الداخلية، عبر عمود صغير في يسار الصفحة، مع صورة القاتل المكررة، تحت عنوان "الابتسامة المصطنعة لوحش باتمان الذي أصاب وقتل 71 شخصًا".
وبالطريقة نفسها قدمت صحيفة "الإندبندنت" صورة القاتل في حيز كبير، وفقط عنوان للتغطية مع الإعلان عن بقية الخبر في الصفحات الداخلية، وأطلقت على القاتل لقب "الجوكر" في العنوان الذي يقول "الجوكر الذي قتل 12 شخصًا في افتتاح فيلم باتمان وترك أمريكا تترنح".
في صحيفة "الديلي ميل" كان الخبر يحتل نصف الصفحة بالكامل بدون وجود أخبار أخرى، يصاحبه الصورة نفسها بحجم كبير، وعنوان كبير ملفت للنظر يقول "أنا الجوكر"، ثم مجموعة من العنواين الفرعية الأصغر، تقول "مسلح مريض بحب الظهور يقتحم عرض باتمان ويقتل 12 شخصًا" وعنوان آخر يقول "دور العرض الإنجليزية تحت الطوارئ مع افتتاح الفيلم والإقبال الشديد".
وأخيرًا فإن صحيفة "الجارديان" قد نشرت تغطية للخبر مع عرض صورة صغيرة للقاتل، وعنوان يتكلم عن القبض على القاتل بعد إطلاق النار وقتل 12 شخصًا في عرض فيلم "باتمان".
وبعد هذه الجولة، وبالمقارنة بين الصحف وبين توجيهات الطبيب "تشارلي بروكر"، نجد أن كثيرًا من الصحف قد خالفت تلك التوجيهات، حيث أن كلها بلا استثناء قد نشرت صورًا للقاتل بأحجام مختلفة، منها الذي يحتل نصف الصفحة ومنها الصغير جدًا، كما استخدمت الصحف عناوين مثيرة وجاذبة ومنها ما أطلق لقبًا على القاتل.
ربما بعد وقوع الحادثة القادمة قد تنفذ وسائل الإعلام نصيحة الطبيب النفسي، وتعمل على ألا تزيد من تلك الحوادث بتغطيتها للحوادث المشابهة والتي تقع ولا تزال باستمرار في كل مكان بالعالم.