بالصور| الوطن داخل القرية المنكوبة.. فقدت 10 من أبنائها في غرق مركب

كتب: سمر عبد الرحمن

بالصور| الوطن داخل القرية المنكوبة.. فقدت 10 من أبنائها في غرق مركب

بالصور| الوطن داخل القرية المنكوبة.. فقدت 10 من أبنائها في غرق مركب

قرية برج مغيزل، التابعة لمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، إحدى القرى التي اشتهرت قديماً، بأنها بوابة للهجرة غير الشرعية، يُسافر أهلها في رحلات صيد شرعية وغير شرعية، لكن انتهت تلك الرحلات غير الشرعية، مع إنشاء مشروع الاستزراع السمكي ببركة غليون، لتستيقظ القرية من جديد على خبر غرق مركب الحاج نصر، التي كانت تقل 15 صيادا، خرجوا بطريقة شرعية حاملين معهم، تراخيصهم في رحلة صيد، في المياه الإقليمية المصرية، على حدود دولة ليبيا، خرجوا مُحملين بالأمل ليستطيعوا الإنفاق على ذويهم، لكنهم حتى هذه الساعات لم يعودوا.

عندما تطأ قدماك القرية، ترى الشباب ينتشرون على المقاهي، وتجد السيدات يجلسن أمام منازلهم، في شوارع ضيقة يملؤها الطين، إثر سقوط الأمطار الغزيرة، وتملؤها مياه الصرف الصحي، التي لم يجدوا لها حلاً منذ سنوات، ينادين عليك ويقلن بصوت خافت "ولادنا استغاثوا بينا فنقذناهم من الغرق، لكن محدش قدر يستجيب، حتى الـ5 اللي نجوا، لسة منعرفش عنهم حاجة".

{left_qoute_1}

تتحرك قليلا لتجد منزل حسن محمد السمار، ذلك الرجل الذي يبلغ من العمر 45 عاما، مُصابا بفيروس سي، لديه 3 أولاد أكبرهما محمد البالغ من العمر 17عاماً، واحد المفقودين على متن مركب "الموت"، يفترش سريراً في إحدى غرف منزله لا يقوى على الحركة، عقب علمه بفقدان نجله الأكبر وبصعوبة يقول: "محمد خرج من المدرسة علشان يشتغل صياد ويصرف عليا عقب إصابتى بالمرض، وللإنفاق على الاسرة، إلا أنه لم يعد، ويتذكر تلك اللحظات التي اتصل به نجله، قبل أيام من غرق المركب، ليؤكد أنه تم القبض عليهم من قبل، أحد اللنشات الحربية الليبية، ولا بد أن يدفعوا كفالة تُقدر بـ480 الف جنيه".

{left_qoute_2}

يضيف والد أحد المفقودين، "تواصلنا مع صاحب المركب، وأرسلنا إليهم الكفالة، وتم دفعها وخرجوا وكانوا في طريقهم، للعودة وبعد ساعة من الإبحار وسط البحر تعطل الموتور الخاص بهم، باتصال بي مرة أخرى يستنجد بنا للإتصال بوزارة الخارجية المصرية، وأرسلنا استغاثات لـ3أيام متواصلة، لكن لم يستجب أحد وتنقطع الاتصالات بينهم لمدة، يوم كامل ثم ليأتي، خبر غرق المركب وتتناقله وسائل الإعلام الليبية، عرفنا أن ولادنا ماتوا، محدش بيسأل فينا، ولا المسئؤلين اتحركوا، وقلب ممزوج بالحزن ودموع لا تنقطع، تجلس ليلى محمد رشاد، والدة الصياد المفقود، في إحدى غرف المنزل، حاملة صور نجلها ومن حولها يتجمع عشرات السيدات لتقديم العزاء، رغم أنهم لا يعرفون مصير أبنهم حياً أو ميتاً، لكنهم أيقنوا انه فى تعداد الموتى وأكلته الأمواج الشارهة".

بصوت غير قادر على الحديث تقول ليلى: "أن نجلها إتصل بها قبل ايام وطلب منها الدعاء، كان بيودعني وكلمني وقالي أدعيلي يا أمي، وقلبي اتقبض من كلامه، لكن مكنتش عارفة فيه إيه، وكان بيقولي الطقس سيء، وربنا يسترها علينا، الأمواج بترمينا كل شوية ومش عارفين نوصل للشاطئ، وأنا طالبة جثة ابني يندفن جنبي، ويبرد ناري برؤيته، عاوزة أروح أزوره وأترحم عليه"، يجلس جوارها نجلها الأصغر حسام، البالغ من العمر 14عاماً، يحتضن والدته باكياً مطالباً بأعادة جثمان شقيقه الأكبر"كان سندى وكان بيصرف علينا، بابا تعبان مش بيقدر يشتغل ومحمد بيشتغل على دراعه شويه، وبيسافر للصيد وبيرجع لينا بفلوس تكفينا لحد مايسافر تانى، كان بيقولى نفسى أخطب وأتجوز لكن ظروفنا على قد حالنا".

يطالب حسام الرئيس عبد الفتاح السيسى، بإعادة جثمان شقيقه الأكبر "مش عاوز اقولك على حاجة ياريس، غير أنى اشوف أخويا حتى لو ميت، أدفنه جنبى هنا وأروح ازوره وأشكيله لما ابقى مضايق، هو كان صاحبى مش أخويا بس، أرجوك ياريس أبعت القوات المصرية تدور على ولادنا ، ليبيا مش هتعمل حاجة"، بينما تطالب جدته برئية جثمان حفيدها "نفسي أشوفه قبل ما أموت وربنا يعوض علينا".

تضطر لقطع مسافة مايقرب من 150 متراً سيراً وسط شوارع تعج بالقمامة وتغمرها مياه الأمطار والصرف الصحى لتصل لمنزل عائلة "السمار" التي فقدت اثنين من ذويها ونجا الثالث، منزل بسيط عبارة عن طابقين، تحول الى سرادق عزاء، تخرج منه صراخات السيدات اللاتي إرتدين الملابس السوداء، تدخل ليقابلك عبد السلام حسن بهنسى، البالغ من العمر 80عاماً، رسم الاسى أخاديد وجهه، بعدما اصيب بصدمة نفسية عقب علمه بخبر نجاة احد ابناءه وفقدان الاخر بالاضافة الى شقيق زوجه نجله الناجي.

{long_qoute_1}

يقول عبد السلام: "ولادي الاتنين بيجروا على أكل عيشهم، خرجا على مركب الحج نصر، في رحلة صيد شرعية، وكان مفروض يرجعوا أمس، لكن لم يعودا حتى الناجي، محتار ما بين المستشفيات في السلوم، لأنه مُصاب بكسر في القدم ويحتاج عملية جراحية عاجلة، قالولنا ولادكم هيرجعوا النهاردة لكن لم يحدث، ابني محمد المفقود، خلص تعليم والتحق بالقوات الخاصة في الجيش وأنهى الخدمة، وراح يموت في البحر، ممتش من الإرهاب، كان بيجهز نفسه علشان يتجوز لكن القدر ما أمهلوش، السيد متزوج وعنده ولدين ،وبنته عاجزة مش بتتكلم، وظروفنا على قد حالنا".

يضيف الأب المكلوم: "ابني الناجي مش عارف أتواصل معاه وجات ناس أخدت صور البطاقات الشخصية علشان يخرجوهم، لكن مشوفنهمش، وبقول للرئيس انظر لينا وعالج ولادنا ورجعلنا جثث الباقين، زوجة ابني منهارة اخوها وسلفها راحو وزوجها مش عارفة عنه حاجة لسة"، تجلس على الأرض غير قادرة على الحركة، فقدت صوتها من كثرة الصراخ منذ أول أمس، وبصعوبة تقول: "ولادي كلموني وقالولي أنقذونا، اتصرفوا إحنا بنغرق، لكن محدش قدر ينقذهم، اتنين مرة واحدة، وشقيق زوجة ابني، عاوزة ولادي، الناجي المستشفيات في مطروح، وبراني مش راضية تعالجه، رغم إنه راجع مُصاب، هاتولي ابني وأنا أعالجه».

{left_qoute_3}

وبصراخ وبكاء تطالب الأم، الرئيس السيسي بالبحث عن جثة، نجلها وشقيق زوجه ابنها المفقودان، "عاوزين ولادنا مش هنقبل العزا إلا لما الجثث ترجع ونارنا تبرد، عليه العوض ومنه العوض لكن عاوزين نشوفهم".

تتحرك قليلاً لتجد منزل حسن عبد الله مرتضى، أحد المفقودين، الذى خرج مع صديقه محمد ولم يعودا، جمعتهما صداقة فى المدرسة وجيرة فى القرية، كانا لايفارقان بعضهما البعض، تعلما مهنة الصيد سوياً وخرجا على متن مراكب كثيرة فى رحلات الصيد،لكنهما لم يعودا حتى الان، يقول والده "ابني خرج مع صديقه في 7 يناير الماضي في رحلة صيد كالمعتاد وكان مقرر عودتهما وزملاءهما اول امس الجمعة لكنهما فضلا الموت سوياً،كانوا متربين مع بعض، وراحو المدرسة ،وخرجوا للمهنة مع بعض،حتى لما ماتوا ماتوا مع بعض،كانوا أكتر من الاخوات والبحر بلعهما".

{long_qoute_2}

يحمل الرجل بقايا من ملابس نجله، رافضاً التصوير والتحدث إلا قليلاً "هقول ايه وأحكى إيه، خلاص راح المدلل، اللى كان بيجهز نفسه علشان يتجوز، لكن القدر قال كلمته، امه أصيبت بالاغماء فور علمها بالخبر، وانا كما ترين لم اقو على الحديث، كل اللى طالبينه جثث ولادنا".

قال فرج المزين، ابن عم الصياد المفقود محمد فرج إبراهيم المزين،21 عاماً والمقيم بقرية برج مغيزل التابعة لمركز مطوبس، في محافظة كفر الشيخ، أن نجل عمه تخرج في أكاديمية العلوم والتكنولوجيا البحرية، على أمل العمل على متن المراكب التجارية، إلا أن الحظ لم يحالفه، حتى الآن، فقرر العلم في مهنة والده "الصيد" ليساعده في الإتفاق على أشقائه الـ5 وأنه سافر، إلى ليبيا منذ 7 يناير الجاري، في رحلة صيد رسمية، عبر المركب المُسماه الحاج نصر ومعه 14، من زملائه وكان مفترض أن يعودوا اليوم، إلا أنهم تلقوا اتصالاً من أحد الصيادين العاملين، في ميناء طبرق يبلغهم بغرق المركب وفقدان من كانوا على متنها.

{long_qoute_3}

أضاف "المزين"، أن نجل عمه كان يعمل في مهنة الصيد لعدم وجود فرص عمل، وليكون حياته ويتزوج، وأن والدته أصيبت بحالة إغماء فور معرفتها بفقدان نجلها وأن السيدات تجمعن في المنزل لمعرفة الأحوال، منتظرين أي خبر يطمئنهم على ذويهم، مشيراً إلى أنهم لم يتلقوا أي إتصالات من المسئولين تطمئنهم على المفقودين، وأنهم يشاهدون شاشات القنوات الليبية والمصرية، آملين في تحرك الخارجية المصرية للبحث عن أبنائهم.

وكان مركب صيد مصري، قد تعطل المحرك الخاص به لسوء الأحوال الجوية التي وصلت سرعة الرياح فيها إلي 70 عقدة بالساعة، مما أدى إلي جرف المركب إلى ناحية الساحل، واصطدامها بالصخور، مما أدى إلى غرقها ونجاة 5 أشخاص، بينما لا يزال 10 آخرين، في عداد المفقودين، وتواصل السلطات الليبية البحث عن المفقودين.

وأكد اللواء السيد نصر، محافظ كفر الشيخ، إن الصيادين الذين عثرت القوات الليبية عليهم على متن المركب الغارق المسماه بالحاج نصر، خرجوا بطريقة رسمية، وحصلوا على التصاريح اللازمة للخروج من مكتب المخابرات ببوغاز رشيد، مضيفا أن أسمائهم مُسجلة لدى الجهات الرسمية، وأنهم خرجوا في رحلة صيد شرعية، يوم 7 يناير الجاري وكان من المفترض، عودتهم اليوم 26 يناير.

أضاف المحافظ، أن موتور المركب تعطل ما أدى لغرقها واصطدامها بالصخور، نتيجة للأحوال الجوية السيسئة، وتمكنت البحرية الليبية من إنقاذ 5 ولا زال 10 آخرين في عداد المفقودين، مشيرا إلى أن أحد الصيادين العاملين فى ميناء طبرق، اتصل به وأخبره وتواصل مع وزير الخارجية للتأكد وإتخاذ الإجراءات اللازمة حيال هؤلاء.

تابع محافظ كفر الشيخ، أن الـ 5 الناجون وصلوا بالفعل لمنفذ االسلوم لكنهم فى إنتظار قيامنا بإرسال صور بطاقاتهم الشخصية من ذويهم ببرج مغيرزل فى مطوبس، وأنه كلف السكرتير العام للمحافظة بإرسال مندوب مع ذويهم لإنهاء إجراءات عودتهم للقرية، موضحاً أنه في انتظار انتهاء إجراءاتهم، من الحجر الصحي، ويتابع لحظة بلحظة، وأن البحرية الليبية استطاعت استخراج إحدى الجثث وستستانف البحث عن المفقودين حتى الآن لسوء الأحوال الجوية، وفور تحسنها ستُستأنف عمليات البحث عن المفقودين.


مواضيع متعلقة