ليلة الاحتفال بثورة يوليو.. ظاهرها ليلة عادية وباطنها مغلف بحوادث شتى
ليلة الاثنين، الذي وافق 22 يوليو من العام 2012 ليلة الرابع من شهر رمضان، تبدو في ظاهرها ليلة عادية، لكن باطنها مغلف، بحوادث شتى، لا يربطها سوى رابط زمني، ولا يلف الشغوفين بتلك الحوادث، إلا العيش داخل مصر المحروسة، ملايين من البشر، وأطياف من سبل الحياة، تبرهن على أن الاختلاف في الطبيعة المصرية عقيدة داخلية، وليست مجرد ظاهرة.
الميكروفونات تصدح بآذان العشاء، عبر مآذن المساجد. يهرول المصلون إلى المساجد، للتعبد في ليلة من ليالي رمضان، يرجون بها رحمة الله. يرغبون في قيام لليل، يتقربون زلفى إلى الغفور الرحيم. يقف الإمام، ويصطف من خلفه المصلون، خاشعين، مهطعين، رافعين أكفهم متضرعين أن يتجاوز الله عن سيئاتهم، جزاء عبادتهم، بالصوم في أيام شديدة الحرارة، والصلاة في درجة حرارة عالية، غير مبالين بانقطاع الكهرباء الذي بات ظاهرة لهذا الصيف.
من ناحية أخرى، نجد قطاعا عريضًا من المصريين، يغلق بيته. لا يخرجون للصلاة، يطرد الأم والأخت والزوجة من أمام المسلسلات، لا قناة تعمل إلا القناة التي تعرض الديربي الأفريقي المصري، الخاص بالأهلي والزمالك. الشباب يجتمعون. يكفرون عن بطالتهم بالمكوث على المقاهي، بدلاً من الاستاد الذي أقفلته الجهات الأمنية في وجوهم، يتكبدون عناء المشاريب التي يتضاعف ثمنها، ويرسمون على محياهم ضحكات، وفي صوتهم صيحات، تشجع أبو تريكة من ناحية، وتندب حظها لغياب شيكابالا من ناحية أخرى.
مشهد ثالث، في تلك الليلة، حيث يقف رجل يرتدي بدلة عسكرية، يحمل سلاحه، يلتفت يمينا ويسارًا. ينظر للأعلى، يدق بقدميه في قوة غير آبه بالسيارات التي تشق الطريق من أمامه، ولا صفير الهواء الساخن الذي يلفه، إذ أن وظيفته التي وكلت إليه أن يحرس قبر الجندي المجهول، في المنصة، التي شهدت تناثر دماء رئيس مصري قتل في مطلع الثمانينات، حين لم تكن المنطقة تعرف الطريق السكاني بعد، لكنها باتت الآن ضمن منطقة مدينة نصر، التي اتخذها مناصرو مبارك، ومؤيدو شفيق، مرتعاً لهم، وذهبوا إليها، تغمر قلوبهم الفرحة، وتعلو قسماتهم آيات الاحتفال ابتهاجاً بذكرى مرور 60 عاماً، على ثورة عسكرية قام بها مجموعة من الضباط نعتوا أنفسهم بالأحرار، وقضوا على ملكية الدولة، ويرى المتحلقون في منطقة المنصة أن احتفائهم بتلك المناسبة، أقل تقدير لجهودهم.