خبير الشئون الأفريقية: غزونا القارة السمراء بأفلام «الأبيض والأسود».. وحديث الخيار العسكرى ضد دول حوض النيل أضر بمصالحنا

الثلاثاء 13-02-2018 AM 10:01
كتب: سيد جبيل
تصوير: فادى عزت
خبير الشئون الأفريقية: غزونا القارة السمراء بأفلام «الأبيض والأسود».. وحديث الخيار العسكرى ضد دول حوض النيل أضر بمصالحنا

الدكتور يحيى عبدالقادر

قال الدكتور يحيى عبدالقادر، الخبير فى الشئون الأفريقية، إن مصر تمتلك مخزوناً هائلاً من القوى الناعمة فى أفريقيا لكننا أهملناه على كل المستويات وركزنا فقط منذ التسعينات على حماية حصتنا من نهر النيل اعتماداً على اتفاقات لدينا القدرة على إجبارهم على احترامها، موضحاً، فى حواره لـ«الوطن»، أن مصر وظفت القوى الناعمة فى أفضل صورها فى عهد «عبدالناصر» وتراجعت لأدنى مستوياتها تحت حكم «مبارك»، وكانت ثمرة سياسات «عبدالناصر» أن قطعت معظم دول أفريقيا علاقاتها بإسرائيل بعد عدوانها علينا فى 1967، فيما أدت سياسات «مبارك» المتعالية على دول القارة إلى اتفاق عنتيبى الذى رفض كل الاتفاقات الخاصة بحصة مياه النهر، وقال إن الأزهر الشريف يمتلك جيوشاً لها قوة السحر وهى القوة الروحية، والكنيسة ربطتنا بإثيوبيا منذ القرن الرابع وكان المطران المصرى حتى العام 1959 هو من يتوج الإمبراطور فى أديس أبابا، ودعا كل مؤسسات الدولة أن تحذو حذو الرئيس السيسى الذى زار أفريقيا ٢٠ مرة فى ٤ سنوات منها ٤ زيارات للسودان و5 لإثيوبيا، وأداؤه ورسائله مثال على الاحتكام للقوى الناعمة، مطالباً بأن يكون 2019 هو عام أفريقيا.. إلى نص الحوار.

بداية لماذا تستبعد الخيار العسكرى كوسيلة لتأمين مصالحنا فى أفريقيا، خصوصاً حصتنا فى مياه النيل؟

- حديث الإعلام عن الخيار العسكرى ضد أشقائنا الأفارقة أضر كثيراً بمصالحنا هناك، واللجوء إلى القوة العسكرية التقليدية تراجع فى العالم كله بداية من أواخر التسعينات وبداية الألفية الجديدة بدأ البحث عن خيارات أخرى منها القوى الناعمة.

د. يحيى عبدالقادر: مصر تمتلك مخزوناً هائلاً من القوى الناعمة لكنه مهمل فى أفريقيا

وما هى القوى الناعمة؟

- هى محاولة امتلاك العقول وتحقيق المصالح الوطنية باستخدام وسائل غير خشنة، والوسائل الخشنة هى القوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية والحصار. وتتعدد أشكال القوى الناعمة لكن يمكن حصرها فى ٤ أشكال أساسية؛ أولها السياسات الخارجية، وثانيها السياسات الداخلية، وثالثها كافة الأنشطة الثقافية والإعلامية والفنية والرياضية، ورابعها العلاقات الدينية.. إلخ. وكل دول العالم لديها مخزون من القوى الناعمة لكن العبرة بقدرة هذه الدول على توظيفها لحماية مصالحها. فالسعودية مثلاً لديها رصيد يتمثل فى وجود الأماكن المقدسة على أراضيها، والولايات المتحدة بارعة فى توظيف السينما لصالحها، والأتراك تحت حكم حزب التنمية والعدالة اعتمدوا كثيراً على القوى الناعمة لحماية مصالحهم ويمكن أن ترى ذلك من خلال الدراما التركية التى تتعمد الاجتماعية منها أن ترسم صورة مبهرة لتركيا الحديثة، وتتعمد التاريخية منها أن تبرز عظمة الدولة العثمانية.

ولماذا بدأ الاهتمام بتوظيفها كبديل عن القوة العسكرية فى مطلع الألفية؟

- الاهتمام بالقوى الناعمة موجود منذ سنوات بعيدة لكنه لقى اهتماماً أكبر فى سنوات الحرب الباردة أى عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولقى اهتماماً أكبر بداية من التسعينات وبداية الألفية، خصوصاً من بعض المفكرين السياسيين ومنهم جوزيف ناى، وهو أستاذ معروف فى جامعة هارفارد، الذى لاحظ أن القوة العسكرية التى تمتلك الولايات المتحدة فائضاً منها لم تحقق لها كل مآربها سواء فى أفغانستان أو العراق، فضلاً عن التكلفة البشرية والمادية العالية جداً للعمليات العسكرية هناك. وتساءل: لماذا تنفق أمريكا كل هذه الأموال وهى تملك من وسائل القوى الناعمة ما يمكن أن تحقق بها نفس الغايات؟ وعبر عن هذا فى كتابين؛ الأول فى التسعينات بعنوان «مفارقات القوة الأمريكية»، وخلاصته أن أمريكا أسرفت فى استخدام القوة الخشنة ولم تحقق لها كل مآربها. ثم كتاب آخر بعنوان «القوى الناعمة وسيلة النجاح فى السياسة الأمريكية» تحدث فيه عن عناصر القوى الناعمة المختلفة التى تتمتع بها الولايات المتحدة من إعلام وسينما وتاريخ.. إلخ. وتعجبت أنا كباحث أن يسعى بلد حديث، عمره لا يتجاوز الـ٤٠٠ عام، للاستفادة من قواه الحضارية ولا نفعل نحن نفس الشىء ولدينا تاريخ ممتد لـ٧ آلاف عام... فبدأت الاهتمام بهذه القضية التى كانت موضوعنا لرسالة علمية حصلت من خلالها على درجة الدكتوراه.

مصر وظفت قوتها فى أفضل صورها فى عهد «عبدالناصر» وتراجعت لأدنى مستوياتها تحت حكم «مبارك».. والأزهر يمتلك جيوشاً لها قوة السحر.. والكنيسة ربطتنا بالدولة الإثيوبية منذ القرن الرابع

كيف يمكن أن تكون السياسة الخارجية مصدراً للقوى الناعمة؟

- السياسة الخارجية يمكن أن تكون مصدراً للقوى الناعمة، وذلك بأن تكون سياساتك مصدر إعجاب وتقدير فى دوائرك المختلفة. ومصر وصلت إلى ذروة استخدام القوى الناعمة فى هذا فى الخمسينات والستينات من القرن الماضى تحت حكم الرئيس جمال عبدالناصر، فسياساتها لدعم حركات التحرر الوطنى فى دول العالم النامى أو الثالث جعلتها دولة محورية فى العالم وجعلت قائدها «عبدالناصر» مصدر إلهام لكثير من الدول، خصوصاً فى أفريقيا، طبعاً تحقق ذلك بجهود كثيرة، إذ كانت أفريقيا تحتل مكاناً مركزياً عند «ناصر» بعد الدائرة العربية وقبل الدائرة الإسلامية واعتبر أن تحرير أفريقيا استكمال لتحرير مصر. وخلال الفترة من 1952 وحتى 1977 لعبت مصر دورا مهما على الساحة الأفريقية، وتحولت القاهرة لمحطة انطلاق لكل حركات التحرر الوطنى، وتم إنشاء الرابطة الأفريقية فى القاهرة عام 1955 لتقديم الدعم العسكرى والمادى لحركات التحرر فى القارة ولعبت مصر دورا أساسيا فى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية فى العام 1963. وجنت مصر الكثير من هذه الجهود، وبلغت العلاقات الأفريقية ذروتها عندما قطعت أغلب دول القارة علاقاتها بإسرائيل بعد عدوانها على مصر العام 1967، وساندتنا الدول الأفريقية فى حرب 1973. لكن للأسف بدأ الدور المصرى فى أفريقيا يتراجع منذ التسعينات وتصاعد دور المنافسين بسبب انشغال مصر بدوائر وأولويات أخرى فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك

أشرت إلى امتلاك مصر رصيداً هائلاً من قوة التأثير مصدرها الثقافة والإعلام والأنشطة الإنسانية الأخرى، فما حجم وجدوى هذه المصادر فى القارة السمراء؟

- لدينا رصيد هائل من القوى الناعمة بعضه لم يستغل وبعضه لم يكتشف بعد، والحقيقة أن مصر دولة كبرى بهذه المعايير فى محيطها.. هل تعرف أن مصر غزت كل دول أفريقيا بالأفلام الأبيض والأسود؟ وأن الجامعات والمستشفيات ومراكز الأبحاث المختلفة جعلت من مصر باريس الشرق بالنسبة للأفارقة، والرياضيون المصريون سفراء فوق العادة هناك. وطبعاً كل ذلك يستند إلى تاريخ طويل من العلاقات مع مختلف دول القارة يعود للعصر الفرعونى والقبطى والإسلامى؛ فقد تعلم فى جامع الأزهر وجامع عمرو قبله آلاف من أبناء القارة وحملات محمد على باشا امتدت لكثير من دول القارة مثل الصومال وأريتريا ووصلت لشمال أوغندا، ولعب محمد على دوراً كبيراً فى تأسيس مدينة الخرطوم بين عام 1820 و1825، وأنشأ عدداً آخر من المدن السودانية مثل كسلا.

وماذا عن الدين كمصدر للقوة الناعمة؟

- لدينا هرمان هما الأزهر الشريف والكنيسة الأرثوذكسية، والأزهر له جيوش لها قوة السحر وهى القوة الروحية ولديها حتى الآن أروقة خاصة بطلابه الأفارقة مثل رواق السنارية ورواق دارفور ورواق البرابرة (لشمال السودان) ورواق الجبرت، لأهل الصومال وإثيوبيا وأريتريا وكينيا، ورواق جنوب أفريقيا لأوغندا وبوروندى والكونغو وتنزانيا. والبعض يعتبر الأزهر أحد المصادر الكبرى للقوة الناعمة المصرية؛ لأن جامعته، التى تضم 77 كلية، تقدم خدماتها لأكبر عدد من الطلبة على مستوى العالم العربى ووفود عدد كبير من الطلبة المسلمين من 104 دول حول العالم.

«السيسى» زار أفريقيا ٢٠ مرة منها ٤ زيارات للسودان و5 لإثيوبيا.. واجتماعه مع «البشير وديسالين» وضع حداً لتكهنات التصعيد

وهل كان للأزهر دور فى تأمين ودعم مصالح مصر فى أفريقيا؟

- الأزهر لعب وما زال يلعب دوراً مهماً فى دعم كل قضايا الإسلام والمسلمين بصفة عامة واستفادت مصر من نفوذ الأزهر فى أفريقيا لكنه يواجه صعوبات منها محدودية الموارد المالية، ولذلك نحتاج لدعمه حتى يتوسع فى استقبال مزيد من الطلاب والمبعوثين من كل دول القارة.

تاريخياً لعبت الكنيسة دوراً مهماً، خصوصاً فى علاقتنا بإثيوبيا فكيف ولماذا تراجع نفوذها الآن هناك؟

- هذه قصة طويلة، فقد ربطت الكنيسة بين مصر وإثيوبيا لمئات السنين، وكانت كنيسة الإسكندرية هى الراعى الروحى لكنيسة إثيوبيا التى كان يرأسها مطران مصرى منذ القرن الرابع الميلادى وكان هذا المطران هو من يتوج إمبراطور البلاد وله تأثير كبير فى الحياة السياسية هناك. وظل الأمر كذلك حتى وفاة الأنبا متاؤس، مطران إثيوبيا القبطى، فى العام 1926، بعدها بدأت مفاوضات لاستقلال الكنيسة الإثيوبية عن الكنيسة المصرية وتحقق ذلك فى العام 1959 حين قام البابا كيرلس السادس المصرى برسامة أول مطران إثيوبى لكرسى إثيوبيا وهو الأنبا باسيليوس، ثم قطع التواصل نهائياً بين الكنيستين قيام الحكم الشيوعى هناك فى عام 1974 بعد الانقلاب العسكرى لـ«منجستو» ضد الإمبراطور هيلاسلاسى الأول، ورغم عودة الاتصالات فى التسعينات إلا أن العلاقة ظلت مأزومة لأسباب سياسية منها مثلاً ترسيم البابا شنودة لـ5 أساقفة من أريتريا فى العام 1994، ما أغضب أديس أبابا التى كانت ترغب فى أن تظل كنيسة أريتريا تابعة لها، وزاد التوتر على خلفية زيارة البابا شنودة لأريتريا فى العام 2004.

قلت إن عهد «عبدالناصر» شهد فى الخمسينات والستينات ذروة استخدام مصر لوسائل القوى الناعمة فى أفريقيا وبدأ التراجع فى عصر «مبارك»، فكيف حدث ذلك؟

- أهملت قضايا أفريقيا تدريجياً بعد رحيل «عبدالناصر»، خصوصاً فى سنوات حكم «مبارك»، ولحسن الحظ أن الرئيس السيسى يسعى لاستعادة دور مصر مرة أخرى هناك من خلال كل الأدوات المتاحة أمامه للتأثير الإيجابى، وتزامن انسحاب مصر بدخول عناصر جديدة تسعى للوجود فى أفريقيا، فدخل على ساحتها دول كثيرة مثل تركيا وإيران والصين وإسرائيل وغيرها، والأسوأ من الانسحاب اتباع سياسات أفرزت مشاعر عدائية تجاهنا نعانى اليوم من نتائجها.

إيران وتركيا وإسرائيل استغلت الغياب المصرى فى أفريقيا وحاولت بسط نفوذها فى القارة السمراء

كيف يكون الإعلام هو السبب والإعلام ينقل ما يقوله المسئولون؟

- يصعب جداً أن نجد تصريحاً لمسئول مصرى يتحدث عن الخيار العسكرى ضد دولة أفريقية. المسئولون يكتفون بالتأكيد أن المياه خط أحمر وتهديد لأمننا القومى. وهو ما يفسره غير ذوى الشأن والفهم بأنه استعداد لتوجيه ضربة عسكرية، هذا التفسير تكرر وكان له أثر سلبى جداً على مصالحنا هناك فى السنوات الأخيرة. فمثلاً اتفاقية عنتيبى جاءت فى أعقاب تصريحات نشرت فى إحدى الصحف المصرية تقول إن مصر ستضرب بطائرات مجهولة الهوية أى مشروع من شأنه تهديد حصتنا من المياه على منابع النيل، فاجتمعت ٤ دول، من بينها إثيوبيا، وأصرت على رفض الاتفاقات السابقة التى تضمن لمصر حقوقها فى حصتها الحالية من المياه.

ما أريد أن أقوله إن العداء لا ينشأ من فراغ وأحمل التناول الإعلامى مسئولة جزء كبير من هذا العداء بحديثه المتكرر عن الخيار العسكرى الذى هو بعيد جداً عن الخط الرسمى وسياسات الرئيس السيسى الذى زار أفريقيا ٢٠ مرة فى ٤ سنوات منها ٤ زيارات للسودان و5 لإثيوبيا، وأداؤه ورسائله مثال على الاحتكام للقوى الناعمة آخرها عند اجتماعه بالرئيس عمر البشير ورئيس الوزراء الإثيوبى هايلى ماريام ديسالين، وتأكيده لهما أننا بلد واحد ليضع حداً لكل التكهنات بالتصعيد، فضلاً عن التهديد العسكرى، لكن مصر ليست «السيسى» وحده. نحن نحتاج لخطة عمل تشترك فيها كل أجهزة الدولة لاستغلال كل وسائل القوى الناعمة.

هل يمكن أن تضرب لنا أمثلة على ما يجب عمله؟

- الأمثلة كثيرة؛ وزارة الشباب والرياضة ممكن أن تلعب دوراً مهماً إذا أعطت مزيداً من الاهتمام لكل الفعاليات الرياضية الرسمية والودية مع دول أفريقيا، والرياضيون المصريون عملياً سفراء فوق العادة لنا فى هذه الدول، لماذا لا يستضيف مهرجان القاهرة السينمائى صناع السينما الأفارقة؟ لماذا لا تكون إثيوبيا ضيف شرف المهرجان العام المقبل؟ لماذا لا تبذل الكنيسة جهوداً أكبر للتواصل مع نظيرتها الإثيوبية بدلاً من الجمود الحالى الذى يسود العلاقة بينهما منذ انفصالهما؟ لماذا لا تعطى الجامعات المصرية، والأزهر على وجه التحديد، فرصاً أكبر للطلاب الأفارقة؟ لماذا لا يكون العام المقبل هو عام أفريقيا؟

ولماذا العام المقبل؟

- لأن مصر سوف تتولى رئاسة الاتحاد الأفريقى، وبالمناسبة هذه فرصة لا يجب أن تفلت من أيدينا لتعظيم علاقتنا الإيجابية بـ٥٥ دولة تشغل مساحة ٣٠ مليون كيلومتر مربع، ويحتل اقتصاد دولها مجتمعة المركز الـ١٧ على مستوى العالم، وبالمناسبة شعوب هذه الدول، ومنها إثيوبيا، راغبة بشدة فى التواصل معنا، وهى فى حاجة إلينا تماماً مثلما نحن فى حاجة إليهم، خصوصاً أن معظم هذه الدول رقيقة الحال وبعض رؤساء دولها لا يمتلكون مثلاً طائرات رئاسية. وبدلاً من الحديث عن الخيارات العسكرية، الأجدى أن نبحث عن سبل للتعاون للاستفادة من ١٠٠ مليار متر مكعب من المياه مهدرة فى دول المنبع، أى إنهم لا يستفيدون منها ولا تصل إلينا، والهندسة قادرة على إيجاد حلول كثيرة، وإثيوبيا مثلاً تسقط المياه فوق رؤوس مواطنيها ولا يستطيعون أن يستفيدوا منها لأنهم يعيشون فى أماكن مرتفعة عن مجارى المياه، وليست لديهم القدرة لرفع هذه المياه إلى قراهم ومدنهم.

أخبار متعلقة

أخبار قد تعجبك

التعليقات

الأكثر قراءة

عاجل