«الليبرالية الجديدة»: نظام اقتصادى يتحكم فى مصائر الدول منذ 40 عاماً

كتب: سيد جبيل

«الليبرالية الجديدة»: نظام اقتصادى يتحكم فى مصائر الدول منذ 40 عاماً

«الليبرالية الجديدة»: نظام اقتصادى يتحكم فى مصائر الدول منذ 40 عاماً

يجهل الكثيرون مصطلح «الليبرالية الجديدة» أو «النيوليبرالية» رغم أنه النظام الاقتصادى الذى يحكم العالم منذ نحو أكثر من 30 عاماً، وتضرر منه مئات الملايين من البشر حول العالم، وبات تعريفها بشكل دقيق مختصر مسألة صعبة شأنها فى ذلك شأن أى مفهوم، لكن من السهل فهمها من خلال نتائجها على الأرض، فهذا المذهب الاقتصادى يدعو إلى إطلاق حرية الأفراد وتقليص دور الحكومات فى الاقتصاد لأكبر درجة ممكنة، ويشجع على إزالة الضوابط على حركة رأس المال الخاص، وبالتالى الخصخصة، ومعاداة التنظيمات النقابية وغيرها، باختصار هو أحد أشكال اقتصاد «السوق الحر» لكن خصومه يرونه أكثر تطرفاً وإضراراً بالفقراء والعمال.

وتسمى بـ«الليبرالية الجديدة»، تميزاً لها عن الليبرالية القديمة التى حكمت اقتصاديات كثير من دول العالم منذ نهاية القرن الـ18، وحتى الكساد العظيم فى الثلاثينات من القرن الماضى، ويشار أحياناً إلى المؤمنين بهذه الفلسفة بـ«أولاد شيكاغو»، ذلك التعبير الذى استخدم فى البداية لوصف مجموعة من الاقتصاديين من دولة «تشيلى» فى السبعينات والثمانينات، الذين تدربوا فى قسم الاقتصاد فى جامعة شيكاغو على أيدى «ميلتون فريدمان» و«أرنولد هاربرجر»، وهما من أقطابها، وعند عودتهم، تولوا مناصب بارزة فى العديد من حكومات أمريكا الجنوبية كمستشارين اقتصاديين، لكن بات التعبير يشير إلى الاقتصاديين المؤمنين بهذه الأفكار.

وظهر مصطلح الليبرالية الجديدة لأول مرة فى اجتماع عقد فى باريس فى العام 1938، شارك فيه المؤسسان الأولان لهذه الفلسفة، وهما «لودفيج فون ميسس» و«فريدريك حايك»، وكلاهما اقتصاديان نمساويان يؤمنان بأن الديمقراطية الاجتماعية، والتطور التدريجى لدولة الرفاهية فى بريطانيا، يشبهان «النازية»، حيث كتب كل منهما كتاباً مثلا أساساً للفكر الجديد.

{long_qoute_1}

وكتب «ميسس» كتاب «البيروقراطية»، و«حايك» كتاب «الطريق إلى العبودية»، فى عام 1944، وفكرته الأساسية أن التخطيط الحكومى يسحق الفروق الفردية، ويؤدى حتماً إلى الاستبداد، ولقى الكتاب انتشاراً كبيراً وقتها، ولفت انتباه بعض الأثرياء الذين رأوا فى هذه الفلسفة فرصة لتحرير أنفسهم من الضوابط والتخفف من أعباء الضرائب، وعندما أسس «حايك» فى عام 1947 أول منظمة لنشر عقيدة الليبرالية الجديدة، وهى «جمعية مونت بيليرين»، دعمها على الفور عدد من الأثرياء ومنظمات رجال الأعمال، ومن هنا كان ميلاد «الليبرالية الجديدة».

وفى كتابه «كيف وصلنا إلى هذه الفوضى» يقول الكاتب البريطانى «جورج مون بيوت»، بمساعدة هؤلاء الأثرياء نجح «حايك» فى تأسيس «نوع من الليبرالية الجديدة الدولية» بعد أن أسس شبكة فى مختلف دول العالم من الأكاديميين ورجال الأعمال والصحفيين والناشطين، وأسسوا سلسلة من المراكز البحثية الهادفة للترويج للفلسفة الجديدة، ومن بين هذه المراكز the American Enterprise Institute، the Heritage Foundation، the Centre for Policy Studies ومعهد كاتو، ومعهد الشئون الاقتصادية، ومركز دراسات السياسات، ومعهد آدم سميث. كما أنشأوا كراسى جامعية وأقساماً أكاديمية، خصوصاً فى جامعتى شيكاغو وفرجينيا.

وبمرور الوقت أصبحت النيوليبرالية أكثر ضراوة، فبينما كان «حايك» يؤمن بأن الحكومات يجب أن تنظم المنافسة لمنع الاحتكارات ظهر بعده الاقتصادى الأمريكى الشهير «ميلتون فريدمان» الذى روج لفكرة أن الاحتكار ليس جريمة بل «مكافأة» من السوق لأصحاب «الجدارة»، ويهتم «جورج مون بيوت» بتفصيلة مهمة، عندما يقول فى كتابه: «حدث شىء آخر مهم جداً فى الفترة الانتقالية بين أفكار المؤسس وتلاميذه»، فقد فقدت الحركة اسمها فى عام 1951، كان «فريدمان» سعيداً بوصف نفسه بـ«ليبرالى جديد»، ولكن بعد ذلك بوقت قصير اختفى المصطلح تدريجياً دون بديل، أى إن الأفكار انتشرت بينما اختفى الاسم المميز لها.

ويعتقد «مون بيوت» أن عدم معرفة الناس باسم هذا النظام وحقيقته أحد أعراض وأسباب قوته، فقد لعبت الليبرالية الجديدة دوراً رئيسياً فى مجموعة من الأزمات منها: «الانهيار المالى الذى حدث فى عام 2007، وانتشار مراكز الأوفشور المالية التى يخفى فيها الأثرياء أموالهم بعيداً عن سلطات الضرائب، والانهيار البطىء فى قطاعات الصحة العامة والتعليم، زيادة الفقر، انتشار الأمراض النفسية، انهيار النظم البيئية، وصعود دونالد ترامب، ولكننا نتعامل مع هذه الأزمات كما لو أنها ظواهر معزولة، غير مدركين أنها جميعاً قد ظهرت أو تفاقمت بسبب هذا النظام الذى يعمل وينشط ويؤثر دون أن يكون له اسم».

وترى «الليبرالية الجديدة» أن المنافسة هى السمة المميزة للعلاقات الإنسانية، وتعيد تعريف المواطنين بوصفهم مستهلكين، أفضل خياراتهم الديمقراطية تتمثل فى قراراتهم بالبيع والشراء، والبيع والشراء عملية تكافئ الجدارة وتعاقب عدم الكفاءة، فالسوق يحقق فوائد لا يمكن تحقيقها من خلال التخطيط المركزى للدولة.

فى البداية، أوضح «مون بيوت» أنه على الرغم من تمويلها السخى، ظلت الليبرالية الجديدة على الهامش، كان الإجماع بعد الحرب العالمية الثانية يكاد يكون مطلقاً على وجاهة وصفات الاقتصادى الشهير جون ماينارد كينز، وخلاصتها ضرورة السعى للتوظيف الكامل وتخفيف الفقر، وسعت الحكومات فى الولايات المتحدة وكثير من دول أوروبا الغربية إلى رفع معدلات الضرائب على الشرائح الأكثر دخلاً وحرصت بوضوح على مراعاة الجوانب الاجتماعية فى سياساتها من خلال تحسين الخدمات العامة الجديدة وشبكات الأمان الاجتماعى، لكن فى السبعينات، عندما ضربت الأزمات الاقتصادية أوروبا وأمريكا واهتزت الثقة فى السياسات الاقتصادية لـ«كينز»، بدأت الأفكار النيوليبرالية تدخل إلى دوائر صنع القرار، وبمساعدة الصحفيين المتعاطفين والمستشارين السياسيين تبنت إدارة الرئيس الأمريكى جيمى كارتر فى الولايات المتحدة وحكومة جيم كالاجان فى بريطانيا بعض جوانب هذه الفلسفة خاصة سياساتها النقدية.

{long_qoute_2}

وبعد تولى «مارجريت تاتشر» رئاسة الحكومة فى بريطانيا، و«رونالد ريجان» السلطة فى الولايات المتحدة، تبنيا كامل أفكار المذهب الجديد: التخفيض الضريبى الضخم للأغنياء، سحق النقابات، إلغاء الضوابط على حرية النشاط الاقتصادى للأفراد والمؤسسات، والخصخصة، والتوسع فى نشاط التعهيد outsourcing، والمنافسة من جانب القطاع الخاص على تقديم الخدمات العامة، ومن خلال صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، ومعاهدة ماستريخت، ومنظمة التجارة العالمية، فرضت السياسات النيوليبرالية -فى كثير من الأحيان دون موافقة ديمقراطية- فى معظم أنحاء العالم.

والمذهب الذى يقوم على حرية الاختيار، والكلام ما زال لـ«مون بيوت»، تم الترويج له تحت شعار «ليس هناك بديل»، ولكن، كما لاحظ «حايك»، خلال زيارته لـ«شيلى» أثناء حكم «بنوشيه»، وهى واحدة من أوائل الدول التى تم فيها تطبيق البرنامج بشكل شامل، وشخصياً أفضل الديكتاتورية الليبرالية على حكومة ديمقراطية تعادى الليبرالية، فالحرية التى تقدمها الليبرالية الجديدة، التى تبدو جذابة جداً عندما يعبر عنها بعبارات عامة، تبين أنها تعنى حرية الأثرياء فى التعامل مع الفقراء والتحرر من النقابات والمفاوضات الجماعية وحرية خفض الأجور، والتحرر من الضوابط يعنى حرية تسميم الأنهار، وتعريض العمال للخطر، وتحصيل معدلات الفائدة باهظة وتصميم أدوات مالية غريبة، والتحرر من الضرائب يعنى التحرر من توزيع الثروة التى ترفع الناس من براثن الفقر.

«الليبرالية» ترى أن محاولات الحد من المنافسة عمل معادٍ للحرية، وتسعى للتقليل إلى أدنى حد من الضوابط على حركة رأس المال وتقليل الضرائب، وتستهدف خصخصة الخدمات العامة، وتعتقد أن تنظيم النقابات العمالية والمفاوضات الجماعية نيابة عن العامل تشوهات فى السوق تعرقل تشكيل التسلسل الطبيعى للفائزين والخاسرين، وفى النهاية هى ترى عدم المساواة فضيلة، لأنها فى حقيقتها مكافأة للكفء على كفاءته وفرصة لتوليد الثروة، والجهود الرامية إلى إيجاد مجتمع أكثر مساواة تأتى بنتائج عكسية، فالسوق وحده يضمن أن يحصل الجميع على ما يستحقونه.

ومع الإلحاح فى تكرار هذه الأفكار بدأ الناس يتشبعون بها، فالأغنياء يقنعون أنفسهم بأنهم حصلوا على ثروتهم من خلال الجدارة، متجاهلين مزايا -مثل التعليم المميز والميراث والطبقة الاجتماعية التى قد تكون ساعدتهم على تحقيق هذه الثروة- ويلوم الفقراء أنفسهم على فشلهم، حتى عندما لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً يذكر لتغيير ظروفهم، فإذا لم يكن لديك وظيفة فأنت السبب لأنك غير مؤهل وغير مبدع، وأنت المسئول أيضاً عن عجزك عن تحمل التكاليف العالية للسكن والتورط فى الديون وعدم قدرتك على إرسال أطفالك لمدرسة أفضل، وأنت المخطئ حين يزيد وزنك لأنك لم تستطع أن تتحمل تكلفة نادٍ رياضى.

وفى عالم يحكمه التنافس يتم تعريف الفقراء بالضرورة على أنهم فاشلون، ويعتقد «بول فيرهيجى»، فى كتابه «ماذا عنى»، أن «هذا النظام أدى لانتشار كثير من الأمراض مثل اضطرابات الأكل، والاكتئاب، والشعور بالوحدة، والقلق الدائم من فقدان العمل، وليس من المستغرب أن بريطانيا، التى تطبق فيها أيديولوجيا النيوليبرالية بأقصى درجة من الصرامة، هى عاصمة الوحدة فى أوروبا، وفى الحالات التى لا يمكن فيها فرض سياسات النيوليبرالية محلياً، تفرض على الصعيد الدولى، من خلال المعاهدات التجارية التى تتضمن «تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول» التى يمكن للشركات أن تضغط فيها لإزالة الحماية الاجتماعية والبيئية، وعندما أرادت بعض البرلمانات مثلاً تقييد مبيعات السجائر، وحماية المياه من شركات التعدين، وتخفيض فواتير الطاقة أو منع شركات الأدوية من نهب الدولة، رفعت هذه الشركات دعاوى قضائية، ونجح معظمها فى تمرير رغباتها.

ومكنت خصخصة الخدمات العامة مثل «الطاقة، المياه، القطارات، الصحة، التعليم، الطرق، السجون، الشركات» من إقامة أكشاك أمام هذه الأصول الأساسية لتحصيل «الكارتة» أو الإيجار، سواء للمواطنين أو للحكومة، مقابل استخدامها، وأولئك الذين يملكون ويديرون هذه الخدمات المخصخصة أو شبه المخصخصة يحققون ثروات هائلة من خلال الفارق بين الاستثمارات القليلة والأرباح الكثيرة، وفى روسيا والهند استحوذت أقلية على أصول الدولة من خلال شراء هذه الأصول «برخص التراب»، وفى المكسيك تم منح كارلوس سليم السيطرة على جميع خدمات الهاتف الثابت والمحمول تقريباً وسرعان ما أصبح أحد أكثر رجال العالم ثراء.

ولعل أخطر آثار الليبرالية الجديدة ليست الأزمات الاقتصادية التى سببتها، بل الأزمات السياسية، فمع تراجع دور الدولة تقلصت أيضاً قدرتنا على تغيير مسار حياتنا من خلال التصويت مما صرف الكثيرين عن المشاركة السياسية.

ويوضح كريس هيدجز، الأستاذ بجامعة برنتستون، محرر موقع «truthdig» الأمريكى، أن «الحركات الفاشية لا تبنى قواعدها من النشطين سياسياً، ولكن من غير النشطين سياسياً، أى من الخاسرين الذين يشعرون فى كثير من الأحيان أنهم على صواب، بأنهم ليس لديهم صوت أو دور يلعبونه فى المؤسسة السياسية، عندما لا يكون النقاش السياسى مجدياً إلينا، يصبح الناس أكثر استجابة للشعارات والرموز والإحساس، ولكل مؤيدى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، على سبيل المثال، الحقائق والحجج تبدو غير مهمة».

ويلاحظ «مون بيوت»، فى كتابه «غالباً ما تخفى الكلمات التى تستخدمها النيوليبرالية أكثر مما توضح»، مشيراً إلى أن «السوق» يبدو وكأنه نظام طبيعى مثل الجاذبية أو الضغط الجوى يتعامل مع الجميع على قدم المساواة، ولكن الواقع أنه محكومة بالتربيطات ومصالح الأثرياء، وعندما تسمع كلمة «هذا ما يريده السوق» يكون المقصود فى الغالب «هذا ما تريده الشركات الكبيرة ورؤساؤها»، ويضيف: «رغم كل ذلك هناك شىء مثير للإعجاب حول المشروع النيوليبرالى، على الأقل فى مراحله الأولى، فقد كانت فلسفة مميزة ومبتكرة تروج لها شبكة متماسكة من المفكرين والناشطين مع خطة عمل واضحة وبصبر ودأب، ما جعل (الطريق إلى العبودية) الطريق إلى السلطة يعكس انتصار النيوليبرالية، أيضاً فشل اليسار، عندما فشلت الليبرالية الأولى أو اقتصاديات السوق الحر، وقاد العالم إلى كارثة الكساد العظيم فى عام 1929، وضع كينز نظرية اقتصادية شاملة لتحل محلها، وعندما فشلت نظرية كينز فى السبعينات، كانت النيوليبرالية البديل الجاهز، ولكن عندما انهارت النيوليبرالية فى عام 2008 لم يكن هناك بديل، هذا هو السبب فى استمرارها حتى الآن، ولم ينتج اليسار والوسط أى إطار عام جديد للفكر الاقتصادى لمدة 80 عاماً».


مواضيع متعلقة