سمير العصفورى بعد عشر سنوات من الغياب: «جوايّا ولد صايع متشرد بيحب المغامرة والتجريب»
«اسمعونى كلكم.. اسمعونى يا اللى مبتحسوش.. أنا بحتج على الجهل والبلادة وقلة الأدب.. أنا هحرق نفسى قدامكم يمكن تحسوا وتفهموا».
لم يكن المخرج سمير العصفورى يدرى وهو يتفوه بهذه الكلمات، أثناء تأدية دوره المميز فى فيلم «إشارة مرور» عام 1996، اعتراضاً على الفساد المستشرى فى البلد، أن الشخصية التى جسدها ستظهر على الواقع، ليس فى مصر، وإنما فى تونس لتكون الشرارة الأولى لثورات الربيع العربى.
وجدناه يجلس فى صالة منزله بهضبة الأهرام، وفى يده «ريموت» التلفاز، يتنقل بين القنوات الفضائية، مرة ليشاهد برنامج إبراهيم عيسى الذى يعتبره «ممثل شاطر» يطبق نظريات المسرح على برامج الـ«توك شو»، ثم ينتقل إلى برنامج «بهدوء» ليستمتع بحوار عمادالدين أديب، المذيع المحبب لقلبه، وأثناء جولته بين القنوات ربما يشاهد لبعض الوقت أحد المسلسلات التركية، رغم تعصبه للدراما المصرية، لانبهاره بحالة الإتقان الشديدة فى الصورة خارجياً وداخلياً، وبراعه انتقاء الإكسسوارات والموسيقى التصويرية.
القلم والورقة لا يفارقانه أبداً، ينتقلان معه من مكان لآخر، على الطاولة وعلى الأرض وأحياناً فوق السرير، فإيمانه بفكرة «تفكيك النص» فى عمله كمخرج مسرحى يجعله غير ملتزم بأى قيود، لا فى مكان الكتابة ولا حتى فى تسلسلها، فكثيراً ما تجده فى كتاباته المختلفة يبدأ بالنهاية قبل البداية، وإذا سألته لماذا يتبع هذا الأسلوب، يرد على الفور: «أنا موظف عند نفسى».
على مدار السنوات العشر التى غاب فيها سمير العصفورى عن العمل الفنى بشكل عام، وخشبة المسرح بشكل خاص، تحديداً منذ 2002 حتى 2012، كان يقضى معظم وقته مشغولاً بتجهيز كتابه «المسرح وأنا.. ذكريات وحكايات»، الذى أوشك على الانتهاء منه ليصدر قريباً. ويستعرض من خلال الكتاب تاريخ البشر الذين تعامل معهم على مدار 60 عاماً من العمل المسرحى، فى خمسه أجزاء، انتهى بالفعل من كتابة أربعة منها ويتبقى له الجزء الخامس والأخير، الذى سماه «سنوات الغروب» حيث يسرد فيه ما عاشه فى السنوات العشر التى غاب فيها عن الساحة الفنية.
«ممكن أقبل وأرفض فى نفس الوقت، فأنا أعيش دائماً بمبدأ أنا وذاتى»، كلمات سمير العصفورى القليلة التى عبر من خلالها عن فلسفته فى الحياة ويراها هو نفسه من أبرز عيوبه، ربما تفسر سبب انقطاعه عن الأضواء طيلة السنوات العشر بعد آخر مسرحية قدمها «طراقيعو» للنجم محمد هنيدى، فكثيراً ما تجده يعترض على حال المسرح ويرفض التنازل وتقديم عمل بسيط يحتمل النجاح أو الفشل، خاصة أن حركة المسرح كما يصفها «اتغيرت عن زمان، الأعمال الكبيرة اختفت والجمهور نفسه مزاجه اتغير».
على النقيض تماماً تجده فجأة يتناول «حبوب الشجاعة» ويعتزم تقديم عرض مسرحى مكون من 80 ممثلا وممثلة من الوجوه الشابة، ليخوضوا جميعاً عملية انتحارية فنية، ربما تنجح وتصل بالشباب إلى طريق النجومية أو يكون مصيرها الفشل الذريع.
أغلب المحيطين بالمخرج سمير العصفورى يؤكدون أنه يعيش بشخصيتين، ففى الوقت الذى تظهر ملامح «الشيب» على قسمات وجهه، ويعيش بشخصية تتناسب مع سنوات عمره، نجده فى لحظة يتمرد على فكرة الرجل المسن الذى يعانى أحيانا من الوعكات الصحية الناتجة عن تقدم العمر، ويعيش بروح شاب ثائر يجد متعته فى الحديث مع الشباب على «فيس بوك» و«تويتر»، يقرأ أعمالهم ويتناقش معهم فى أحوال البلد.
«جوايّا ولد صايع متشرد بيحب المغامرة والتجريب» هكذا يصف الشخصية الثانية التى بداخله ويحرص عليها، لأنها سبب استمتاعه بالحياة.. تلك الشخصية تظهر بوضوح فى علاقته بأحفاده الثلاثة الذين يعيشون معه فى نفس المنزل المكون من عدة طوابق، فتجده يجرى ويلعب مع أحفاده دون اكتراث بسنوات عمره ولا حتى بإرشادات الأطباء أو الإنصات لنصائح زوجته ورفيقة عمره الفنانة «إنعام سالوسة» التى تعرف عليها حين كان طالباً بكلية الآداب، وكانت هى زميلة له، حيث قررا المضى فى نفس الطريق ليشاركا بعضهما البعض ليس فقط فى الحياة الزوجية وإنما أيضاًً فى معظم الأعمال الفنية التى قاما بتقديمها.
الشاب الثائر داخله جعله من أشد المتحمسين للثورة، وأبرز المتفائلين بالشباب، رغم أنه لم يزر الميدان طيلة أيام الثورة كشخصية فاعلة: «لست رجل نضال سياسيا من الناحية العضلية»، فطالما ناضل فى أعماله وثار على أوضاع البلد، لكن بطريقة الحلم والخيال، حتى جاء اليوم وقام الشباب بتحقيق ما حلم به فى أعماله الفنية.
دخوله عالم الشباب وتواصله مع من هم فى عمر أبنائه وأحفاده جعله يكتشف أن أصدقاء «الفيس بوك» يكتبون كوميديا أحسن من المحترفين، حيث إن تعليقات السطر والسطرين، التى يكتبها الشباب على صفحاتهم الشخصية، أفضل بكثير من الكوميديا المصنوعة التى تقدم فى أعمال فنية كثيرة ولا يكترث بها الجمهور.