سكان «الغوطة» لـ«الوطن»: الموت ينتظر الأطفال فى الملاجئ.. وطعامنا رغيف خبز كل يومين

كتب: سمر صالح

سكان «الغوطة» لـ«الوطن»: الموت ينتظر الأطفال فى الملاجئ.. وطعامنا رغيف خبز كل يومين

سكان «الغوطة» لـ«الوطن»: الموت ينتظر الأطفال فى الملاجئ.. وطعامنا رغيف خبز كل يومين

أيام تمضى واحداً تلو الآخر، تسير الحياة ولا تقف بموت أو إصابة أحدهم، وما بين ظلمات الليل وأشعة النهار التى تشق السماء فى بداية كل يوم جديد، يرى سكان الغوطة الشرقية وأطفالهم الموت فى كل ساعة ألف مرة، ينامون ليلهم فى ظلام دامس داخل ملاجئ سفلية تحت الأرض، خشية قصف الطائرات التى لا تفرغ منها سماء مدينتهم المحاصرة، حتى أضحت حجارة الجدران التى تؤويهم أحنّ عليهم من رصاص من يستهدفهم.

«الوطن» تواصلت مع سكان «الغوطة الشرقية» عبر «واتس أب»، وروى هؤلاء صوراً مفزعة من دفتر المعاناة اليومية التى يعيشونها فى المدينة المنكوبة. حُفَر تحت الأرض لا تتعدى مساحتها أمتاراً قليلة، غير مؤهلة بأدنى مقومات المعيشة، فلا أسرّة للنوم ولا مقاعد للجلوس، فقط فرش خفيف يفرشه سكان «أنفاق الموت» على الأرض، فإذا صادف أن غالبهم النوم غفلة يستفيقون منه مذعورين على صوت قصف عنيف يتمتمون بآيات من القرآن سراً لتهدِّئ من روعهم قليلاً، هكذا يبدو شكل الحياة اليومية، وفقاً لروايات سكان الغوطة الذين يهربون إلى الملاجئ، متحملين الظلام والجوع خشية الموت تحت القصف.

{long_qoute_1}

شهر كامل مضى على مغادرة «رغَد عودة» لمنزلها فى أحد أحياء الغوطة، بعد أن اضطرت هى وأسرتها للبقاء بالملاجئ السفلية، أو «القبو»، كما يطلقون عليها، بسبب تعرضهم للقصف أكثر من مرة، لم ترَ «رغد» أشعة الشمس منذ أسبوع كامل بعد أن اشتد القصف عليهم، تعرضت خلاله هى وأسرتها للموت عشرات المرات جرّاء قصف الطائرات التى لم تتوانَ فى استهداف أى مكان يلمح قائدوها منه شعاع ضوء خافت، حسب قولها: «القصف أصبح بشكل همجى بدون انقطاع، من الجمعة الماضى لليوم ما شفت الشمس، حتى بالليل عايشين فى ضلمة لأن طيران الاستطلاع بس يشوف أى حركة أو ضوء بيضرب فوراً».

وبحسب وصف «رغد» التى تحدثت إلى «الوطن» فى دقائق قليلة قبل سماعها دوى غارة جديدة تحلق أعلاها رغم سريان الهدنة المتفق عليها، فإنهم «أوقات بيستهدفوا الملاجئ كمان، والوضع بيزيد صعوبة، الأكل بيخلص، والمؤسسات الإنسانية ما بتقدر تكفى أكل ودواء لكل الأعداد، حتى البعض هرب إلى الجوامع لأنه ما فيه مكان ليهم تحت الأرض».

القصف العنيف الذى بدأ الأسبوع الماضى بالغوطة الشرقية لم يكن الأول من نوعه فى المدينة المحاصرة، سبقه قصف متقطع منذ نحو شهرين أصاب المنزل الذى كانت تسكنه بشرى حسان (29 عاماً)، فانتقلت على أثره هى وإخوتها الأربعة إلى أحد الملاجئ، ومنذ ذلك الوقت انقطعت عن دراستها بكلية الطب، وقالت لـ«الوطن»: «لا نستطيع أن نغادر الملاجئ من شدة الرعب رغم أنها غير مجهزة للعيش الآدمى، لا دورات للمياه ولا مكان للنوم، عايشين 200 شخص وأكثر، بتنتقل الأمراض بينا والكل ينتظر الموت فى أى لحظة». أطباق مائدة طعام أهل «الغوطة» التى كانت تمتلئ بأشهى أصناف الأكل والحلوى الشامية، قبل بداية الحرب الطاحنة فى بلادهم، لم يتبقّ منها سوى رغيف خبز مصنوع من الشعير -إن وُجد- يتم تناوله كوجبة واحدة فى اليوم، فلا وجود للمواد الغذائية المتنوعة، والأسعار فى ارتفاع مستمر، بحسب وصف بشرى: «حتى السكر والرز والبرغل غاليين كتير ومو على طول موجودين، وليس بمقدور كتير من الناس شراؤها، والمواد الطبية خلصت والأدوية قليلة، يعنى إذا حد إيده انكسرت ما راح يلاقى مواد يجبسوله إيده».

المدينة، التى تحولت بيوتها إلى ركام وانتقلت الحياة بها إلى أنفاق مظلمة تحت الأرض، شهدت قبل نحو 4 سنوات ما يُعرف بـ«واقعة الكيماوى» بالغوطتين الشرقية والغربية، فيها حملت صواريخ القصف رؤوساً كيماوية سامة (غاز السيرين) قضت على حياة المئات وأصابت الكثيرين بتشوهات، ورغم بشاعة الواقعة فإن الطيران حينها كان أخفّ وطأة من القصف الذى تشهده المدينة هذه الأيام، حسب وصف عمران الدومانى (18 عاماً)، الذى تذكّر وقت واقعة الكيماوى التى بدأت الساعة الثانية والربع صباحاً، وفجأة ضربت الصواريخ بلدة «زملكا» بغاز السارين فسقط نحو 1500 شهيد، لكن اليوم كل دقيقتين غارة جوية: «الوضع الحالى أصعب، لأن الطيران ما بيسكت على مدار اليوم».

{long_qoute_2}

الشاب الصغير الذى يهوى التصوير التحق بالعمل لصالح إحدى المؤسسات الإعلامية بالغوطة، وفى ظل هذه الأحداث اعتاد النزول يومياً إلى الشارع يرصد بعدسة كاميرته بشاعة المنظر فى بلدته، بعد أن انتقلت أسرته للعيش بأحد الملاجئ، واختار هو الإقامة بمكتبه داخل المؤسسة التى يعمل بها، لا يخشى القصف، ويتوقع الموت فى أى لحظة: «من يومين قررت أطلع أصوّر الدمار بعد قصف الأحياء السكنية فى مدينة دوما، تم استهدافى بغارة جوية كان بينى وبينها 50 متر، أنا نجيت وصديقى مات قدام عينى».

«الهدنة الإنسانية» بالغوطة ما هى إلا شعارات يرددها الجميع لا نراها على أرض الواقع، هكذا وصف «الدومانى» الذى اختلط صوته بصوت هزات عنيفة متتابعة جرّاء القصف لحظة حديثه لـ«الوطن»: «مفيش حياة فوق الأرض، الأطباء والإعلاميين فقط فوق، والأهالى جميعهم تحت الأرض، فيه حالات اختناق بين المدنيين، خاصة الأطفال فى الملاجئ، بسبب ضيق المكان».


مواضيع متعلقة