د. على الغتيت: نحتاج إلى مشروع قومى لإعادة بناء المصريين.. وعندما يستقيم الشعب كل شىء سينضبط

كتب: سيد جبيل

د. على الغتيت: نحتاج إلى مشروع قومى لإعادة بناء المصريين.. وعندما يستقيم الشعب كل شىء سينضبط

د. على الغتيت: نحتاج إلى مشروع قومى لإعادة بناء المصريين.. وعندما يستقيم الشعب كل شىء سينضبط

اعتبر الفقيه القانونى البارز الدكتور على الغتيت أن إجراءات التقاضى بوضعها الحالى غير مُمكّنة للوصول إلى حقوق الناس، بل داعية للفساد فى كثير من جوانبها. وقال، فى حوار لـ«الوطن»، إن كل الصعوبات التى يجدها المصريون فى التعامل مع القضاء بدأت بعد 1952 نتيجة تعجل «الضباط الأحرار» فى إصدار التشريعات، التى كان يصدر منها آلاف كل عام وبعضها صدر من أجل شخص واحد، والنتيجة تكدس القضايا فى المحاكم، وعيوب فى الأحكام وكثرة الطعون وطول مدد نظر الدعاوى.

{long_qoute_1}

أضاف «الغتيت» أن الرئيس جمال عبدالناصر صُدم فى النخبة المصرية ممن تسابقوا لإرضائه، وأكد أن فتوى «الوصاية على العرش» الصادرة عام 1952، التى أقرها العلامة عبدالرزاق السنهورى، خالفت المنطق الدستورى وكانت بداية انهيار مبدأ سيادة القانون. ورأى أن مشاكل مصر الحالية أكبر من أن تعالج فقط بالحريات السياسية لأن المجتمع أصابه الكثير من الخلل الأخلاقى، وطالب بمشروع قومى لبناء البشر، مؤكداً أن الأمل فى إصلاح أخلاق المصريين يكمن فى حديث رسول الله «الزم بيتك» أى أن تصلح حالك وتعيد تربية أهلك فعندما يستقيم الشعب كل شىء سينضبط. إلى نص الحوار:

هل صعوبات التقاضى التى يُعانيها المصريون نتيجة كثرة القوانين وتضاربها أمر مألوف فى دول العالم الأخرى؟

- هذا ليس مألوفاً فى البلدان القوية الناجحة ولم يكن معهوداً فى مصر حتى العام 1952. قبل هذا التاريخ كانت القوانين والتشريعات المصرية معروفاً عنها الانضباط فى المقاصد والدقة فى صياغة النصوص والتناسق بين القوانين؛ ما حفظ للناس حقوقهم فى الغالب الأعم.

هل تتفق مع من يقول إن إجراءات التقاضى بوضعها الحالى تهدر الحقوق؟

- الأدق أن نقول إنها غير مُمكّنة من الوصول إلى الحقوق، وداعية للفساد فى كثير من جوانبها. وأعطيك مثالاً بسيطاً، كان شرطاً أساسياً فى الستينات فيمن يتقدم لشغل وظيفة كتبة النيابة أو سكرتارية وأمناء المحاكم أن يكون خطه شديد الوضوح، إن لم يكن جميلاً، وإلا استبعد أو أن يلحق بمدرسة تحسين الخطوط وإن لم يتحسن الأداء فلا تعيين له.

والسبب فى ذلك أن تسجيل كل ما يجرى فى قاعات التحقيق وجلسات المحكمة كاملاً وبوضوح أمر ضرورى لسير العدالة، لأن الجلسات والتحقيقات هى مدونة دقيقة للوقائع وتكفل للقاضى سنداً دقيقاً موثوقاً ضمن أسانيد الدعوى ومستنداتها. لكن الحادث الآن أن عدد أصحاب الخط المقروء من الكتبة محدود جداً وبعضهم لا يستطيع حتى قراءة ما كتبه وأحياناً ينتقى كاتب الجلسة ويتخير ما يكتبه حسب ما يفهمه إما عن جهل أو إهمال أو فساد، فتضيع حقوق الناس. هذا مجرد مثال على خلل يمكن علاجه ببساطة، وتأخر العلاج يرى فيه المتقاضى استخفافاً بحقوقه. وهناك أشكال أخرى من السلبيات فى التعامل مع القضاء. اذهب مثلاً لزيارة الغالب من قاعات المحاكم ستجدها فى غير القليل منها لا تليق أبداً بمنصات القضاء. {left_qoute_1}

ولماذا ربطت بين فوضى التشريعات وصعوبة إجراءات التقاضى والعام 1952؟

- لأنه منذ ذلك العام لم تعد تراعى ضوابط ومعايير التشريع. فبداية من هذا التاريخ، ومع استثناءات محدودة، بات التشريع يبدأ مباشرة بكتابة «النص»، أى أن واضع التشريع يستلهم مباشرة من أوامر ممثلى السلطة التنفيذية دون أن تمر بمراحل التشريع الثلاث وهى تحديد المقاصد من التشريع أو القانون، واستظهار فلسفته الاجتماعية والسياسة والتشريعية والاقتصادية للمجتمع ثم يأتى بعد ذلك صياغة النص. وهناك قوانين كثيرة سُنّت من أجل شخص واحد. هذا يتناقض مع مفهوم القانون الذى يجب أن يكون قاعدة عامة مجردة لعموم الناس وعموم الحوادث. فمثلاً قد يصدر قانون لإعادة ترسيم الحدود بين محافظتين ويكون الهدف الحقيقى من ورائه حل مشكلة معينة، أى ينحسر أثره ويقتصر على مشكلة فردية واحدة ويستفيد أو يتضرر منه شخص بعينه، وكثير من قرارات المرور التنظيمية، كإغلاق شارع ما أو تحويله لاتجاه واحد أو لاتجاهين، تتم بناءً على رغبات أشخاص دون مراعاة تأثير هذه القرارات على سيولة المرور فى كل المنطقة المحيطة والنتيجة فوضى. هذه الطريقة فى التشريع أخطر أنواع الفساد.

وكيف بدأت القصة؟ أقصد أن الضباط الأحرار كانوا شباباً ثورياً نقياً حديثى عهد بالسلطة، فكيف سهلت أمامهم سبل العجلة فى إصدار التشريعات، وحولهم خبراء القوانين؟

- حدث ذلك فى الأيام الأولى لوصولهم للسلطة، فقد وجد مجلس قيادة الثورة نفسه أمام إشكالية دستورية عقب تنازل الملك فاروق عن العرش لابنه الطفل أحمد فؤاد. فوفقاً لدستور 1923، لا بد من دعوة مجلس النواب المنحل بقرار من الملك عقب حريق القاهرة فى يناير 1952، ولم يكن الضباط راغبين فى عودة البرلمان ذى الأغلبية الوفدية، لكنهم فى حاجة لمخرج قانونى يتيح لهم إتمام إجراءات تعيين الأوصياء دون عودة البرلمان، فأرسلوا فى 30 يوليو، أى بعد نحو 7 أيام على قيام حركة الضباط الأحرار فى 23 من نفس الشهر، يستفتون مجلس الدولة، الذى كان يرأسه العلامة الدكتور عبدالرزاق السنهورى. انقسم أعضاء الجمعية العمومية للمجلس إلى رأيين رأى العلامة الدكتور وحيد رأفت الذى قال بوجوب دعوة البرلمان لأن دستور 23 وإن كان نص على دعوة البرلمان الذى جرى حله، حال غياب الملك إما بالوفاة أو لإصابته بمرض لا يرجى منه شفاء، لكن المنطق يقول إن غياب الملك بسبب العزل يستوجب أيضاً دعوة البرلمان «لاتحاد العلة»، فغياب الملك تحقق أيضاً بسبب عزله كما فى حالتى الوفاة والمرض، وليس معقولاً أن ينظم دستور إجراءات انتقال السلطة حال تعرض ملك لانقلاب عليه. لكن السنهورى باشا، الذى كان يضمر ضغينة لحزب الوفد لأسباب يطول شرحها، استجاب لرغبة الضباط فى عدم عودة البرلمان، وتزعم الرأى المخالف للمنطق الدستورى بضرورة دعوة البرلمان، تمسكاً بنص الدستور، مقدماً بذلك «تخريجة» دستورية للحكام الجدد. وكان صدور هذه الفتوى بداية انهيار مبدأ سيادة القانون والجرأة عليه، وأحد الأسباب التى جعلت عبدالناصر يستخف بالقانون أحياناً ولا يحترم بعض رجاله، لأنه أصبح على يقين أنه سيكون دائماً هناك مخرج وطريقة لتفصيل القوانين والفتاوى حسب ما يرى، منفرداً، فيه مصلحة البلد.

وكيف أثرت هذه الواقعة على الحياة القانونية والتشريعية فى مصر؟

- منذ ذلك الوقت لم تعد تتم مراعاة المقاصد العامة للتشريع، وفقدت القوانين فى بعض الأحيان الاحترام الذى كانت تتمتع به، وهذا أخطر أنواع الفساد وتشارك فى هذا الهدر لقيمة القانون الحكام ورجال القانون معاً.

{long_qoute_2}

وترتب على ذلك تكدس القضايا فى المحاكم وعيوب الأحكام، وكثرة الطعون وطول مدد نظر الدعاوى.

- نعم، ويكفى أن تعرف أن القوانين والتشريعات الجديدة فى كل عام، منذ حركة الضباط الأحرار، بلغ عددها آلافاً، ومعظمها يتعلق بجزئيات لحل مشكلات بعينها، كما لم تراعِ التشريعات الأخرى ذات الصلة، فكثرت القوانين وتضاربت. وتدريجياً أصبحت تجد صعوبة وأحياناً استحالة فى تنفيذ الأحكام. وأصبح اللجوء إلى المحاكم، الذى يجب أن يكون الملجأ الأخير كما يقتضى السلم الاجتماعى، الخيار السهل لمن لا يريد أن يعطى الناس حقوقهم، فالمسئول الذى لا يريد أن يتخذ قراراً يقول لك «اذهب إلى المحكمة»، والبلطجية والغاصبون لحقوق الناس يقولون لك «روح للمحاكم»، وهذا يعنى «روح موت»؛ فالأحكام لا تصدر، وإذا صدرت لن تكون فى حياة رافع الدعوى، وإذا صدرت لصالحه يصعب عليه تنفيذها. فزاد الاستخفاف بالقانون وظهرت البلطجة، وضاعت حقوق الناس.. وترتب على ذلك أيضاً تشكل صورة سلبية لدى الضباط الأحرار ومنهم عبدالناصر عن النخبة المصرية.

لكن هل هذا المنهج استمر فى التشريع فى العهود التالية لعبدالناصر؟

- للأسف نعم، والسبب فى ذلك الجهل وعدم التأهل وإيلاء المسائل لمن ليسوا بأهلها أو للعلماء غير الأمناء على علمهم. هل يعقل مثلاً أن ينصح مسئول كبير، فى مداخلة مع أحد البرامج التليفزيونية، عقب إتمام تشكيل مجلس النواب، المجلس باعتماد كل القوانين، وعددها يتجاوز الـ400، التى صدرت فى عهد الرئيس المؤقت عدلى منصور، خلال 15 يوماً تجنباً للمشاكل، ثم يلتفت فيما بعد إلى تعديلها إن اقتضى الأمر بعد انقضاء هذه الفترة. الواقعة تلخص كل ما أقوله عن الاستخفاف بمقاصد التشريع وتؤكد مرة أخرى استجابة المشرع لرغبات السلطة التنفيذية. {left_qoute_2}

كيف عرفت أن عبدالناصر كان يحمل صورة سلبية للنخبة؟

- اقرأ كتاب «فلسفة الثورة» وستتيقن من هذا. لقد قرأت هذا الكتاب 3 مرات، مرة عندما كنت صبياً عمره 15 عاماً ثم مرة أخرى فى سن الثلاثين ثم مرة ثالثة مؤخراً وأنا أقترب من الثمانين. الكتاب يكشف بوضوح أن الرجل صُدم فى النخبة المصرية ممن تعامل معهم وأعانوه فى البداية ورأى أن بعضهم حقير وحثالة، وقصة فتوى «الوصاية على العرش» مثال واحد على ذلك لكنه ليس وحيداً.

لكن من تقصد بالنخبة التى أعانته فى البداية؟

- ما حدث أن مجموعة الضباط الأحرار ضمت ضباطاً يفهمون فهماً جميلاً القضايا العسكرية، لكن تنقصهم خبرات متنوعة لإدارة شئون البلاد، ما اضطرهم اضطراراً للاستعانة بالكفاءات فى كل مجال.. حقيقة الأمر أن 90% من المشروعات النهضوية التى صدرت خلال الفترة الأولى، أى بين عامى 52 و53، كانت نتاج عمل الفكر المصرى الذى تلا الحرب العالمية الثانية. خذ على سبيل المثال «جماعة النهضة القومية» التى تأسست فى العام 1947 وضمت مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين من كل التخصصات. هؤلاء كتبوا دراسات مفصلة لتشخيص وعلاج مشكلات البلد، ومن هذه الأفكار أنه لا يجوز استقامة النظام المالى والاقتصادى فى مصر بغير بنك مركزى. وطالبوا بأن تعد مصر قدراتها لتسلم وإدارة قناة السويس عند نهاية فترة الامتياز فى العام 1968. ووضعوا تصورات للإصلاح الزراعى أحد ملامحه الحفاظ على اتساع الرقعة الزراعية، على أن تكون ملكية الفلاحين مشاركة من خلال حصص فى هذه الرقعة المتسعة المتكاملة. إلخ. وقد صدر قانون الإصلاح الزراعى فى 9 سبتمبر 1952 أى بعد شهر ونصف الشهر من بداية الثورة ومن غير المعقول أن يكون الضباط الأحرار قد أتوا بهذه الفكرة فى 6 أسابيع فقط.

أليس هذا أمراً جيداً؟

- جيد لو أُحسِن تنفيذه واستمر. لكن من المؤسف أنهم عدلوا فى هذه الأفكار بشكل غير مدروس فكان ضررها أكبر من نفعها. فقد تبنوا الإصلاح الزراعى مثلاً لكنهم فتتوا الرقعة الزراعية وتحول هذا التفتيت لأحد مشاكلنا حتى اليوم. كما أنهم بدلاً من التركيز على إنصاف الفلاح الفقير، ولهذا طرق كثيرة، حاربوا القادرين والمبدعين واعتدوا على حقوقهم الدستورية بمصادرة أملاكهم بغير سند، تحت دعاوى أنهم إقطاعيون مرة، وأنهم يقودون ثورة مضادة مرة أخرى الخ. النخبة المبدعة فى أى مجتمع محدودة. هذه مشيئة الله ولا يمكن أن يظهر عندك كل يوم طلعت حرب أو أحمد عبود باشا أو عمر طوسون باشا وغيرهم. هؤلاء رواد ومبدعون ومحاربتهم مناقضة لمعايير وقوانين الطبيعة.

أنت تشير إلى مصادرة أراضى كبار الملاك فى بداية الثورة؟

- ليس فى بداية الثورة فقط. قد نفهم أن انقلاباً عسكرياً أو ثورة تحتاج إجراءات استثنائية فى بدايتها حتى يستتب لها الأمر، لكن ما حدث أنه بعد مرور 14 عاماً على الثورة، شكلت لجاناً لمصادرة ممتلكات المصريين مرة أخرى ولم يكونوا من كبار الملاك كما قلت، وكنت شاهد عيان على تشكيل هذه اللجان.

ماذا رأيت؟

- انتدبت عام 1966 مع 3 من زملائى فى النيابة العامة، لنكون مستشارين قضائيين لنائب رئيس الجمهورية ووزير الدفاع عبدالحكيم عامر بصفته رئيساً لكل من «اللجنة العليا لتصفية لإقطاع»، ولجنة «الرقابة العليا على الدولة»، وما شهدت فى هاتين اللجنتين جعلنى أدرك أن مصر «لازم تندحر» وتنهزم، إذ كان المطلوب منا باختصار أن نُسبِغ المشروعية على قرارات فرض الحراسة ومصادرة أملاك المواطن وأسرته وأولاده وفصلهم من وظائفهم فى غيبتهم دون مواجهة، فقط لأنهم أشخاص ذوو اعتبار واستقلال مالى، وكون لهم اعتبار كان يعنى لـلجنة «عامر» أنهم خطر على الثورة. وتحت مبرر أنهم يقودون ثورة مضادة تم فصل عدد كبير من وظائفهم وفرضت عليهم الحراسة أو صودرت أملاكهم. هذا الظلم جعلنى أرى انهياراً مقبلاً لا محالة وجاءت هزيمة 67. فحين يظلم المواطن ويصبح مُجرَّساً ومُجرَّماً بلا جريرة يفقد الوطن أهم أسلحته وهو شعور المواطنين بالانتماء له وقدرتهم ورغبتهم فى الانتماء إليه والنهوض به.

{long_qoute_3}

ألم تكن أحد المشاركين فى هذه اللجنة؟

- أبداً طلبت على الفور من وزير العدل المرحوم المستشار عصام الدين حسونة إعادتى للعمل بالنيابة العامة، وكان ذلك يستحيل الاستجابة له، كما أن مجرد طلبه يدرجنى وأهلى ضمن الثورة المضادة، وأتحول إلى ملف داخل هذه اللجنة، ثم عُدت إليهم بطلب للسفر إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراساتى العليا وقد كان. ولكن لاحقتنى المتاعب بعد عزل عبدالناصر لعدد كبير من القضاة فى العام 1969 (المعروفة إعلامياً بمذبحة القضاة).

وهل يجوز لرئيس الدولة عزل القضاة وهم أعضاء لسلطة مستقلة محصنة؟

- مرة أخرى العيب فى عناصر النخبة المتواطئة مع رجال السلطة فى الدولة. كان عبدالناصر يرغب فى انضمام القضاة للتنظيم الطليعى والاتحاد الاشتراكى وهو الأمر الذى رفضه عدد كبير من القضاة لتناقضه مع الاستقلال الدستورى للقضاء. وأوغر البعض صدر عبدالناصر على هؤلاء القضاة ونواياهم. وبحث عن طريقة لتفادى الموانع الدستورية لعزلهم، وتحت ضغوط شديدة قدم لهم الدكتور جمال العطيفى، الذى اعتقل هو نفسه فى وقت لاحق، فكرة جهنمية، فحواها الالتفاف على هذه العقبة، بإصدار قرار جمهورى بإعادة تشكيل الهيئات القضائية وإعادة تعيين أعضائها من جديد. واعتبار كل من لم ترد أسماؤهم فى القرار محالين للمعاش، أى تم عزلهم، وحرمهم القرار من حقهم فى التظلم ضد القرار المذكور. ووفقاً للدرجات التى خلت بالعزل، تم ترقيتى، فأرسلت خطاباً لعبدالناصر من أمريكا قلت فيه: «تلقيت نبأ ترقيتى وكدت أن أسعد به لولا أن علمت أنها جاءت ثمرة للعسف التنفيذى بالقضاء ورجاله، عسف شرخ الأمة وسيظل هذا الشرخ قائماً ولن يقتصر على من عزلتهم وسيلحق بالمواطن، إذ كيف يطمئن على حق له ينظره من لا حق له...إلخ». وصل الخطاب بالفعل للرئيس، فصدر أمر بإحضارى لأعامل «عسكرياً بما أستحق». كان المرحوم السفير أشرف غربال وقتها قائماً بأعمال سفيرنا فى أمريكا فنصحنى، ووفاءً لما حمله من تقدير لوالدى بعدم الحضور للسفارة والقنصليات حتى لا يتم شحنى فى صندوق للقاهرة، وظللت ملاحقاً سياسياً فى الخارج حتى سمح السادات بقبول تظلمات القضاة المعزولين وأمر بإعادتهم إلى مناصبهم.

من الواضح أنك لا تحمل ودّاً كبيراً للرئيس عبدالناصر؟

- يستحيل علىّ أخلاقياً أن يكون هدفى من هذا الحديث الإساءة لأى من رؤساء مصر السابقين بدءاً بالرئيس عبدالناصر، فالهدف والمقصد الوحيد هو تسجيل الحقيقة كما رأيتها. فيما يرى المراقب الدقيق أن الأوضاع المزرية التى نعيش فيها والتى شخصها الرئيس السيسى فى خطابه العام عن أعمال عبدالناصر وقراراته التى أجبرت المواطن على الانحباس أى الابتعاد عن الشأن العام وعدم المشاركة وإيثار السلامة.

وكيف حدث ذلك؟

- سأحكى لك قصة صغيرة. ذهبت وأنا صبى صغير للمشاركة فى احتفالية حضرها الرئيس محمد نجيب فى منطقة كوم أوشيم، الواقعة بين الفيوم وبنى سويف. هناك زرعت شجرة احتفاءً بالعهد الجديد. وقد سعدت بهذه المشاركة لأن الإنسان يشعر بقيمته حين يشارك وتكون مشاركته محل ترحيب. لكنى اكتشفت لاحقاً أن مفهوم المشاركة عند الضباط الأحرار يعنى فقط التأييد، ولا مكان لك كمواطن معتبر إن اتخذت أى موقف آخر. وتطور الأمر من اقتصار المشاركة على التأييد إلى عدم السماح بأى شىء. لا توجد ديمقراطية بدون مشاركة وأبسط صور المشاركة احترام الحق ليس فقط فى الشكوى بل الاقتراح وإفضاء ما فى الصدر، فهذا يعنى اعتراف الوطن أن الإنسان له قيمة. الحقيقة أن طول بقاء أى حاكم فى السلطة مفسد له وللمجتمع. ولذلك أنا أؤمن بمقولة الفيلسوف الرومانى «شيشرون» الذى طالب بألا تزيد مدة حكم أى حاكم عن 3 سنوات ثم تنفيه الإمبراطورية خارج البلاد بعدها لينقى من أدران السلطة.

لا يوجد أمل فى الإصلاح إذاً.

- الأمل فى الوصفة الربانية للإصلاح، التى جاءت فى الحديث النبوى «إذا رأيت الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم.. الزم بيتك، وأمسك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة». البعض يعتقد أن «الزم بيتك» معناه الانعزال، وهذا غير صحيح، والصحيح أن تعود إلى بيتك فتصلح حالك وتعيد تربية أهلك، ويوم أن يستقيم الشعب كل شىء سينضبط.


مواضيع متعلقة