الأديب محمد حافظ رجب بعد 77 عاما فى "الصومعة" "معنديش يوم.. وانتظر ان يذيع الله سره الإلهى
يتقلب فى سريره الضيق، يأنف من حرارة الجو الخانقة، يغفو رغماً عن عينه، يسترق السمع، فيعرف أن الصوت هو أذان الظهر، فينهض من رقدته مؤدياً الصلاة، ثم يعود لغفوته من جديد.. يسمع الصوت نفسه، لكن الأذان هذه المرة يكون للمغرب، إذ إن هجيعه قد أصابه العمق، توقظه ابنته سامية، التى عادت من عملها، وتفتح أحاديث معه تبقيه مستيقظاً، حتى تنام هى فى التاسعة مساءً، ليكمل مشوار نومه مرة أخرى.
لم يخرج من المنزل منذ عامين، يقطن فى حى الورديان بالإسكندرية، فى منزل قديم، ذى سلم خشبى ضيق، يعتكف فى صومعة الوحدة، إذ إن أحداً من أصدقائه القدامى لم يعد يسأل عليه، ولا شىء فى الشارع يستحق النزول إليه، حيث يخشى من الناس، الذين صاروا أكثر تحفزاً فى حديثهم، وغاب عنهم الترقق. «مفيش يوم»، هكذا يجيب عما يفعله فى يومه، لدرجة أنه يجلب حتى الحلاق إلى منزله، ويحاول الضحك كاشفاً عن أسنانه الساقطة، قائلاً إن ذلك الحلاق للتو قد أزال لحيته، بدلاً من تشذيبها كالمعتاد، رغم أن واحدة من أهم سماته كانت اللحية الكثيفة «الحر معدش مخلينى قادر أستحملها».
هو الأديب ذائع الصيت فى الستينات والسبعينات، نادر الذكر الآن: محمد حافظ رجب، الذى وصلت به سفينة العمر إلى سن الـ77، وأصابه الدهر بأمراض جسدية عديدة، لا يذكرها لفرط كثرتها، لكن مرضاً واحداً يتم ذكره، كل دقيقة تقريباً، ويسبب له غصة أليمة، ونظرة حزن دفينة، ويدين تربت كل منهما على الأخرى، ودموع متحجرة فى عين جليلة، تأبى أن تسقط: مرض الزهايمر. ما إن يطفق بالحديث، ويستعيد الذكرى، حتى يتلعثم، يشرد ببصره بعيداً عن محدثه، شبح ابتسامة يرسم على محياه، يشير إلى ابنته ومرافقته سامية، قائلاً «خليها هى تكمل لك، واكتب على لسانها، أو استنى لمّا أفتكر».
العام 1963، يستعيده رجب كاملاً، حيث كان ذلك العام، المثال الحقيقى على مقولة «الجملة التى تقتل صاحبها»، إذ خرج على الوسط الأدبى حينذاك بقوله «نحن جيل بلا أساتذة». وقامت الدنيا ولم تقعد، ونكره الكبار، ونفر منه الصغار، وتناساه الرفاق. يحكى عن إصراره على هذه المقولة قائلاً إن تلك الجملة جاءت «من اللى شفته من نكران جميل وغياب للحنان من الكبار». وإنه سئم حينها التقليد فى الكتابة، وإن الجميع يكتب فى قالب واحد يتدثر بالتكرار، لا تجديد فيه، بل نمطية، تلك النمطية التى يمقتها حافظ رجب، وحاول من خلال مجموعاته القصصية العديدة، وروايته الوحيدة، أن يكسر هذا القالب، وقد نجح فى مسعاه، حتى أُطلق عليه «رائد التجديد» فى القصة المصرية، ويغلب عليه التفاؤل، حين يذكر منذ عدة سنوات، عندما زاره بعض الكتاب الشباب فى منزله، ورأى أعمالهم القصصية، فوجد فيهم التجديد، وطُرق الكتابة المبتعدة عن النمطية، التى دعا إليها منذ عشرات السنين.
يرفض قاطعاً أن يرد بحبه أو كرهه لشخص أو شىء، «الحب دا حاجة كبيرة قوى» وينصح بإلصاق الاتفاق أو الاختلاف مع الأشخاص والبعد عن المشاعر. ويذكر تنقله الدائم بين الأماكن، إذ ولد فى الإسكندرية، ورحل شاباً إلى القاهرة، تحديداً إمبابة، حيث عمل مع يوسف السباعى، ولم يتحمل القاهرة، أو بالأحرى ذاب حنيناً إلى بلدة الإسكندر الأكبر، فعاد يملؤه الشوق، وسكن وأولاده حى محرم بك، حتى كان منذ ثلاثين عاماً، وانتقل إلى المتراس، أو فيما يعرف بالورديان، ليقبع فيها مع الأبناء والأحفاد، فى انتظار أن يذيع الله سره الإلهى فيه.
يقلب رأسه ذات اليمين وذات اليسار، لعل حادثة من جدران الذاكرة تخرج، وحين يرد ذكر الأديب الكبير يحيى حقى، يذكر حين سانده برسالة بعث بها إليه بخط يده فى عام 1967، ويخبره فيها بإعجابه بقصصه، التى خرجت عن المألوف، وينعت كتابته بأنها غيرت من شكل ومضمون وأسلوب القصة فى مصر، ويحثه على إرسال المزيد من القصص لنشرها، حيث كان حقى يقوم بهذا الدور، مع ممن يراهم ذوى موهبة حقيقية، وطالبه بألا يعبأ بقسوة النقد. كما يسترجع علاقة الصداقة الكبيرة بالأديب الراحل إبراهيم أصلان، التى أصابها العطب فى النهاية «اتخلى هو عن الصداقة دى عشان هجومى على الكبار، خلاص مات بقى الله يرحمه»، ويشير إلى أن هذا البلد يحكمه منطق «المختلف عن السائد لا بد أن يعاقب عقاباً أليماً».
آخر مرة أمسك فيها الأديب محمد حافظ رجب بالقلم، وخط كلمات منظومة، كانت مذ ثلاثة أعوام، لكنه الآن فارق الكتابة، ولعلة فى عينيه ترك القراءة، ولم يعد يستقى الجديد إلا عبر التلفاز، حين يجلس وسط أسرة ابنته. يقول إنه لا يشرب السجائر، ولا قهوة ولا أى من تلك الأشياء التى ألف الناس أن يتسم بها الكُتّاب، بل إن مشروبه المفضل هو الشاى باللبن. وتتدخل ابنته سامية فى الحوار قائلة «إحنا من النوع اللى نحبو نحافظو على صحتنا، عشان كدا تلاقيه عايش على الأعشاب».
«الحاجة الوحيدة اللى ندمت عليها، إنى اتجوزت» يتذكر بمرارة تشوبها السخرية قصة زواجة من فتاة احترمها، لكنه لم يحبها، وتزوجها مجبراً، طاعة لوالده، الذى أراد مجاملة صديقه بالعمل. كان الشاب محمد وقتذاك يبلغ من العمر 17 عاماً فقط، ولم يكن يعرف من معانى المسئولية شيئا، ولا من صور النساء، إلا النذر اليسير لشاب منغلق على ذاته، ويرى أن الأب أقحمه فى ورطة، ظلت مرارتها فى حلقه حتى اللحظة، وقد عبر عن ذلك فى قصصه بأشكال شتى، كان الأب القاسى البطل فيها. زواجه الوحيد لم يدم إلا عامين وبضعة أشهر، انفصلا بعدها للأبد، وكره هو الزواج، وتوسد الوحدة، مرافقاً ابنتيه.
تتدخل ابنته فى الحوار، تقول إن والدتها شخصية جيدة، لكن الاتفاق لم يحدث بينهما، وهى منذ الطفولة وأختها فى كنف والديهما، يعيشان معه، لكن الثانية تزوجت وسافرت، وتعمل هى فى الميناء بالإسكندرية، وعملها يبدأ من السادسة صباحاً، حيث توقظه قبل أن تذهب، وتعود بعد ذلك باثنتى عشرة ساعة كاملة، وتوقظه أيضاً، يقفز حافظ رجب للحديث «الحياة أصلها دلوقتى بقت ميتة، فالواحد حيعمل إيه غير النوم». تحب الابنة سامية قصص الأب، وتبتسم بأنها تجد أحياناً صعوبة فى فهمها، لكن الذى يطيل التركيز يفهم رسائله المكثفة فى كلمات موجزة.
ينفى تأثره بأحد فى الكتابة، يصف علاقته بالقلم بأنها كعلاقة اللحم بالدم، أقرب الأدباء إلى فكره الكاتب الروسى مكسيم جوركى، لأنه اهتم بالفقراء فى الكتابة، وقرأ فى الصغر أعمال تشارلز ديكنز، وكانت تسبب له سعادة صافية. يطلب من الابنة أن تجلب الدروع التى حصل عليها، تزدان بها غرفته، يزيل عنها غبار الأعوام كل فترة، مستعيداً ماضياً لن يعود، وآملاً فى مستقبل جيل سوف يتذكره. يقول إن أعلى جائزة حصل عليها فى حياته كانت 20 ألف جنيه، ويطمح أن تقدره الدولة بجائزتها التقديرية، أو ما يوطّئ لعائلته وجوداً مادياً مريحاً، من غدر الزمان، وألاعيبه، التى لا يأمن عواقبها.
العادة التى يتمنى أن تعود، هجرته إلى البحر، ووقوفه بين المراكب، يراقب الصيادين وشباكهم، والموج وهديره، لكن آلام القدمين والظهر تحول دون القيام بذلك، كما أنه لم ينزل إلى أى انتخابات مضت على مصر طوال الماضى من أيام بسبب اعتكافه، ووجهة نظره أن السياسة «مش مظبوطة»، ويؤكد أنه توقع الثورة الشعبية، منذ أن توقع الثورة على قوالب الكتابة، إذ يرى أن الجيل الجديد جيل مكتشف باقتدار، ولا يمتلك ملكة النمطية، التى مكثت فيها الأجيال السابقة.
تطرق الحديث للشغف بعالم الأدب، والعلة التى تمنع ابنته سامية من أن تقرأ له، وهى تحب ذلك، يقول «الفترة اللى أنا بعيشها دى فيها كفران بكل حاجة، وزهد فى كل شىء، والقراءة والكتابة محتاجين إيمان، وأنا فقدت إيمانى، وحاسس أن المحصول بقى يابس».