شهادة يكتبها د. عادل جابر: أوّليّات الولاية الثانية للسيد الرئيس

كتب: د. عادل جابر

شهادة يكتبها د. عادل جابر: أوّليّات الولاية الثانية للسيد الرئيس

شهادة يكتبها د. عادل جابر: أوّليّات الولاية الثانية للسيد الرئيس

لم يكن هناك شك فى بقاء الرئيس السيسى لفترة ولاية ثانية، وقد كانت كل الشواهد تؤكد أن السيسى هو الرئيس المقبل، والمبررات لذلك كثيرة، فالرجل ظهر فى ظرف تاريخى ما زال يفرض ضروراته ولم يغلق صفحاته بعد، فهو الأحق بأن يعيش هذه المرحلة التاريخية بكل أبعادها حتى يستكمل خلالها خطته التنموية التى قد بدأها لمصر، فالحاجة ماسة إلى أربع سنوات أخرى معه، ولم يكن السيد الرئيس بحاجة إلى هذه الحملات الفجة التى دفع بها المتملقون والمنافقون تحت شعارات متعددة، والتى -ومن وجهة نظرى- أساءت إلى تاريخ الرئيس وأخذت من رصيده لدى شعبه، وجعلت الألسنة الحاقدة والكارهة لشخصه تلوك سيرته، وهى الحملات التى فى حقيقتها لم تُغنِ أو تسمن من جوع، فالأمر كله آل إلى الصناديق الانتخابية وليس التوقيع على الاستمارات الورقية، وخرج المصريون بدافع الوطنية والرغبة فى الحفاظ على وطنهم وأمنهم والتعبير عما تكنّه صدورهم من مشاعر المحبة والمودة والألفة لرئيسهم واختاروا السيسى رئيساً يحدوهم الأمل معه فى غد أفضل، وأرسلت هذه الحشود البشرية من كل المصريين على اختلاف طوائفهم الدينية والاجتماعية تحية واجبة لجيش مصر وشرطتها اللذين قدما درساً فى احترام إرادة الشعب والقدرة على حماية الأرض والبشر، ليؤكدا أن استقرار مصر وأمنها هو الإنجاز الحقيقى فى منطقة احترق فيها كل شىء، وكانت هذه أجمل رسالة للعالم الخارجى فى هذا الظرف التاريخى الصعب، وأشيد بدور القضاء الذى قام بعمل لا يمكن تجاهله فى نجاح تجربة الانتخابات رغم كل الظروف الصعبة التى تعيشها مصر.

وبعيداً عن عبارات النفاق والتملق، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أهمية ما تحقق خلال السنوات الأربع السابقة من البدء فى مشروعات قومية، والخطوات التى تم اتخاذها على طريق الإصلاح الاقتصادى، إلا أنه ما زال هناك العديد من التحديات التى يجب إعطاؤها أوّليّة مطلقة على أجندة السيد الرئيس وهو يخطو خطواته الأولى فى ولايته الثانية، والتى يتمثل أهمها فى:

أولاً: استكمال المواجهة الناجحة والفعالة للإرهاب والقضاء عليه، فقد نجح الرئيس فى ولايته الأولى فى قيادة الدولة المصرية والحفاظ على كيانها وتثبيت أركانها وبقائها وسط تحديات عاتية من اتجاهات عدة وإرهاب شرس، إلا أن القضاء عليه كلية لن يكفى عسكرياً وأمنياً فقط، بل يستلزم تكريس كافة الجهود والإمكانيات والوسائل الحربية والقانونية والمادية والإعلامية والفكرية والتربوية والتكنولوجية، مع ضرورة مرعاة أن القضاء المطلق على الإرهاب من الصعوبة بمكان لأنه يبقى للإرهابيين دائماً حرية اختيار الأهداف والتوقيتات والوسائل التى تمنحهم فرصة القيام بعمليات توجه لأهداف هامشية ولو بنسبة نجاح ضئيلة للغاية وبوتيرة زمنية متباعدة، وذلك بهدف إثبات الوجود لضمان استمرار تدفق التمويل من رعاتهم، وللنجاح فى مواجهة هذا الإرهاب فإنه يجب الاستعداد واليقظة المستمرة والحذر الدائم لتقويض دعائمه وتجفيف منابعه والقضاء على عناصره فى كل صوب وحدب لأنه يمثل تهديداً حقيقياً للدولة ومواطنيها ومنشآتها الحيوية ومواردها الأساسية.

ثانياً: التركيز على تحقيق التنمية المتوازنة لإيجاد اقتصاد قادر على تحقيق أكبر قدر من الاعتماد على الذات والقدرة على تحقيق معدلات للنمو تسمح برفع مستوى معيشة المواطن المصرى وضرورة المراعاة التامة لأوضاع الطبقتين الفقيرة والمتوسطة اللتين تحمّلتا أعباء هائلة فى المراحل السابقة للإصلاح استحقت إشادة الرئيس بهما أكثر من مرة، وتكون المراعاة بتثبيت أسعار السلع والخدمات الأساسية لهما، أو على الأقل مراعاة التدرج فى الأعباء ومواجهة الارتفاعات غير المبررة على الإطلاق فى تلك الأسعار، فالواقع أن هناك أناساً يريدون أن يتنفسوا الصعداء يعانون ظروفاً اقتصادية صعبة، وبعيداً عن الأرقام والديون والفوائد وسعر الدولار لا بد أن توفر الدولة لهم قدراً من احتياجاتهم الضرورية سكناً وطعاماً وأمناً، وهذا أقل الأشياء، فهم على استعداد لمزيد من التضحية من أجل بناء بلدهم، لكنهم يريدون الإبقاء على الحدود الدنيا للعيش الكريم ويخشون ما تلوّح به الحكومة من موجات جديدة من الغلاء ربما لا يقدرون عليها، وهم يريدون لبلدهم المزيد والمزيد من استقلال قرارها السياسى، وعدم التبعية لأى قوة مهما تكن، لكنهم يريدون فرصاً أفضل لإبراز كفاءاتهم، ومنحهم فرصاً لتحقيق الذات بموضوعية بعيداً عن أية محسوبية أو مجاملة.

ثالثاً: تحسين الخدمات الأساسية، وعلى رأسها التعليم والصحة، وهما قضيتان لا تقبلان التأجيل، وأخطر ما فى هاتين القضيتين أن كلتيهما فى حاجة إلى أموال كثيرة، فهما قضيتان معقدتان طال بهما الزمن، وحلهما سيحتاج أزماناً طويلة، ولكن نقطة البداية الصحيحة هى القرار الصائب، خاصة أن الدولة ينبغى ألا تلقى المسئولية فى تطوير التعليم على التعليم الخاص، أو أن تعتمد على المستشفيات الخاصة فى علاج المواطنين، فهذه مسئولية الدولة بكامل مؤسساتها، وهو ما من شأنه أن يخفف كثيراً من الأعباء الهائلة التى يتحملها الفقراء كى يضمنوا التمتع بمستوى لائق فى هذه الخدمات، ويكتسب الاستمرار فى المكافحة الجادة الشاملة للفساد المنتشر فى كل مكان بكل أشكاله وصوره المتعددة وتسخير كافة الآليات والسبل فى المراقبة والمحاسبة الرادعة للقضاء عليه أهمية قصوى فى هذا السياق، إذ إن الفساد هو المهدد الحقيقى المؤذن بانهيار الدولة اقتصادياً وعلمياً وفى كافة المجالات.

رابعاً: العمل الجاد -من خلال التوجيه والإلزام- على بناء منظومة الأخلاق والقيم الحسنة البنّاءة، والتى يجب أن يناط بوسائل الإعلام تكريس جانب كبير منها من خلال البرامج المختلفة والفنون القيمة والإعلانات الهادفة، ألم يأنِ لنا أن نرى هذا فى إعلامنا المصرى بدلاً مما يكرسه من هبوط أخلاقى متسارع بتسارع العصر من خلال ما يقدم من إسفاف وبذاءات فى أغلب الفنون والبرامج والإعلانات الدعائية وما يعملون عليه من تدمير للقيم والأخلاق، فلا نرى من خلال ما يقدم بناء وتنمية بل الهدم لأهمية وقيمة العلم والتعلم، والعمل، والأخلاق الطيبة، والرضا، والقناعة، والأمانة، والنزاهة، والصدق، والعفاف، والعدل، والمساواة، والحياد، إلى غير ذلك من الأخلاقيات التى حثت عليها جميع الأديان والتى يعمل البعض من الإعلاميين المغرضين -من خلال ما يقدمون من برامج وكتابات مستفزة- على تنحيتها، بل ويطالبون بهدم وحرق علم التراث الدينى جميعه وعدم الاعتداد به، حتى لم يسلم من ألسنة هؤلاء الخراصين المرجفين فى الأرض القرآن الكريم ولا السنة النبوية المطهرة!

وأخيراً، لا يستطيع أحد أن ينكر أن السنوات الأربع الماضية كانت لها حالاتها الضرورية وظروفها السياسية والاجتماعية والاقتصادية من جرّاء التحديات الكبرى التى واجهتها الدولة بعد حراك شعبى فى يناير 2011 وثورة حقيقية فى 30 يونيو 2013، أما الآن، ونحن على مشارف فترة جديدة تغيرت فيها التحديات، فإنه بات ضرورياً تصويب بعض الأخطاء فى الأوّليّات، والإنصات بعناية لكل وجهة نظر مختلفة ربما نجد فيها تصحيحاً لمسار يعود بفائدة اقتصادية واجتماعية على الدولة المصرية وننطلق من خلالها إلى الآفاق الرحبة للتقدم والرخاء، أما أصوات النفاق وأصحاب عبارات «التطبيل» ذوو الوجوه الجاهزة لكل عصر ونظام، فلسنا فى حاجة إليهم، فليس كل من يختلف غير وطنى ولا شريف، وليس كل من يقول «آمين» على كل شىء أكثر وطنية أو كفاءة.

وكلمة هى الأخيرة، إن عقل مصر وثقافتها هما الرصيد الحقيقى لهذا الوطن، وإن العمل على إنشاء البنية التحتية والمدن السكنية رغم أهميته لا يغنى عن صحوة العقل وبناء البشر، فمصر لن تتقدم أبداً فى ظل فساد منتشر وتدهور أخلاقى مستشرٍ وجحيم علمانى مستعر وفكر إلحادى منحرف ينادى بالحرية المطلقة الهدامة لكل القيم والأخلاق، والتى لا تقف عند احترام حقوق الآخرين فى المجتمع الواحد.

والله أسأل أن يوفق رئيس جمهوريتنا فى ولايته الجديدة إلى ما فيه خير البلاد وصلاح العباد وأن يسدد على طريق النماء والخير والحق خطاه، فهو ولى ذلك والقادر عليه.


مواضيع متعلقة