قرار «ترامب» يمنح «الصهيونية» جائزة لا تستحقها على حساب الحق الفلسطينى
قرار «ترامب» يمنح «الصهيونية» جائزة لا تستحقها على حساب الحق الفلسطينى
- أستاذ مساعد
- إسرائيل ب
- الأراضى المقدسة
- الأرض المقدسة
- الأنبا يوحنا
- الإمبراطورية العثمانية
- الإيمان بالله
- البابا شنودة الثالث
- الجمهورية الجديدة
- أستاذ مساعد
- إسرائيل ب
- الأراضى المقدسة
- الأرض المقدسة
- الأنبا يوحنا
- الإمبراطورية العثمانية
- الإيمان بالله
- البابا شنودة الثالث
- الجمهورية الجديدة
عزز قرار «ترامب» نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فى 6 ديسمبر الماضى، شعبيته بين أوساط اليمين الدينى المحافظ من الأمريكان الذين وصفوه بأنه «قورش» الجديد. لكن من هو قورش؟ الإجابة المختصرة: ملك فارسى تاريخى غزا بابل فى القرن السادس قبل الميلاد، وأنهى السبى البابلى، وسمح ذلك لليهود بالعودة إلى المنطقة المعروفة الآن بفلسطين المحتلة. لكن الإجابة الوافية تقتضى العودة لنحو 2600 عام ومعرفة المحطات الرئيسية فى تاريخ مملكة بنى إسرائيل. وفقاً لدارسى العهد القديم الذى يحكم قناعات الطائفة الإنجيلية، فقد تناوب على حكم المملكة الموحدة لإسرائيل، أى التى ضمت كل أسباط اليهود الـ12، عدة ملوك، أولهم شاول، ثم داود، ثم سليمان، ثم رحبعام الذى انقسمت المملكة فى عهده إلى مملكتين: الشمالية والجنوبية، وكان ذلك فى عام 930 قبل الميلاد. المملكة الشمالية ضمت 10 أسباط، أى قبائل، وكانت عاصمتها السامرة، والمملكة الجنوبية ضمت سبطَى «يهوذا وبن يمين» وعاصمتها أورشليم (القدس). غزا الأشوريون المملكة الشمالية فى عام 722 قبل الميلاد وسبوا الأسباط العشرة. وهؤلاء لم يعودوا من الأسر. وأغار البابليون على مملكة الجنوب وسبوا سبطَى يهوذا وبن يمين على 3 مراحل بداية من عام 606 وحتى 586 قبل الميلاد، ودمر ملك بابل «نبوخذ نصر» أسوار أورشليم وهيكل سليمان. ووفقاً لنبوءتَى النبيين أرميا وميخا، كان لا بد من عودة السبى البابلى بعد 70 عاماً، حتى يولد المسيح فى بيت لحم، فالمسيح من سبط يهوذا. فى هذا الوقت كانت إمبراطورية «مادى وفارس» بقيادة قورش الأكبر قد اجتاحت الإمبراطورية البابلية، ونادى قورش فى المدائن: من يريد من السبايا اليهود العودة لأورشليم فليعد، فعادوا وأقاموا الهيكل بدعم منه، وتم بناء سور أورشليم. فى سنة 70 ميلادية حاصر الرومان أورشليم، وقتلوا نحو مليون يهودى وتشتت اليهود مرة أخرى، ووفقاً لنبوءات العهد القديم سيعود اليهود مرة أخرى كعلامة تسبق مجىء «عودة المسيح» للأرض.
{long_qoute_1}
وتقول إليزابيث أولدميكسون، أستاذة السياسة فى جامعة نورث تكساس، إن نحو ثلث الإنجيليين الأمريكيين، أى نحو 15 مليون شخص، مهتمون جداً بإسرائيل نظراً للطريقة التى يفهمون بها نهاية العالم، فهم يؤمنون بأن عودة المسيح الثانية وما يتلوها من ألفية سعيدة سيسبقها محن وكوارث وحروب وظهور المسيح الدجال وسيهزم المسيح الشر، كما جاء فى سفر الرؤيا. ثم فى نهاية تلك الفترة تبدأ الألفية الكبرى بعد أن يؤمن الجميع، ومنهم اليهود، بالمسيح، ومن لن يؤمن به من اليهود وغيرهم فالجحيم مثواه. وتوضح «أولدميكسون»، فى حوار لموقع «فوكس» الأمريكى فى 12 ديسمبر الماضى، أن «هذه القناعات المستقرة فى قلوب طائفة من المسيحيين قديمة قدم المسيحية نفسها، وأتباع هذه الطائفة مهووسون برصد علامات نهاية الزمان، وابتهجوا كثيراً بقيام دولة إسرائيل فى عام 1948 ورأوا فى هذا الحدث إحدى علامات نهاية الزمان، لأن عودة اليهود من الشتات إلى الأرض المقدسة علامة كبرى على قرب عودة المسيح».
مع وعد «ترامب» بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل أثناء حملته الانتخابية، بدأ بعض الأمريكان الإنجيليين يرونه بطلاً قومياً ينتصر للحق، وقارنوه بقورش. وأصبحت هذه المقارنة أكثر وضوحاً بعد إعلانه نقل السفارة إلى القدس تنفيذاً لوعده. فى أول مارس الماضى، وصكّ «مركز مكداش التعليمى» الصهيونى عملة تذكارية تصور ترامب وقورش جنباً إلى جنب. فى مطلع شهر مارس أيضاً، وخلال زيارته لواشنطن، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو إلى أن ترامب هو وريث قورش الروحى. وقال: «نتذكر قرار الملك العظيم قورش الكبير -الملك الفارسى- قبل خمسة وعشرين قرناً، عندما أعلن أن اليهود المنفيين فى بابل يمكنهم العودة وإعادة بناء معبدنا فى القدس.. ونحن نتذكر كيف قبل بضعة أسابيع، اعترف الرئيس دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. سيدى الرئيس، سيتذكر شعبنا هذا على مر العصور».
قورش لم يكن يهودياً ولم يعبد إله إسرائيل، إلا أنه يصور فى سفر إشعياء كأداة لتحقيق مشيئة الله. بالنسبة للمؤمنين بهذا المنطق، فإن قورش يمثل سابقة تاريخية مثالية لتفسير رئاسة ترامب: زعيم غير مؤمن لكنه يصبح الرجل الذى يحقق المصلحة الإلهية (من وجهة نظرهم).. قصة قورش فى هذا السياق مفيدة للجميع: زعماء الطائفة الإنجيلية يريدون مرشحاً يتبنى سياسات تقوم على أساس دينى، منها دعم إسرائيل. هذا المرشح يجب أن يتحلى بالحدود الدنيا من الفضائل المسيحية حتى يمكنهم إقناع أتباعهم بالتصويت له. «ترامب» مستعد لتبنّى سياسات تدعم إسرائيل، لكن ماضيه حافل بالمعاصى والخطايا. الحل استدعاء قصة قورش: الملك الذى لم يكن مؤمناً لكنه نفذ إرادة الله. بهذا المنطق يمكن للمؤسسة الإنجيلية أن تقول: إن الله هو من رتب فوز ترامب برئاسة الجمهورية، وبالتالى تضفى الشرعية على دعمها له.
{long_qoute_3}
فى شهر ديسمبر، أشاد الزعيم المسيحى الإنجيلى «مايك إيفانز» بقرار «ترامب» بنقل السفارة الأمريكية فى إسرائيل إلى القدس، وقال: الكلمة الأولى التى سأقولها لترامب عندما ألتقيه: «أنت قورش». وأوضح أن «الله استخدم قورش، هذا الإنسان المعيب مثلك أو مثلى، بطريقة مدهشة لتحقيق خططه ومقاصده».
«جون فيا»، أستاذ التاريخ الإنجيلى بكلية Messiah College فى بنسلفانيا، أشار لموقع «vox» فى 5 مارس الماضى إلى أنه بالنسبة لبعض الإنجيليين، تبدو التفاصيل الصغيرة ذات مغزى، فمثلاً تمت الإشارة إلى أن قورش هو خادم الله فى الإصحاح 45 فى سفر إشعياء وترامب هو الرئيس الـ45، وهو الأمر الذى أشار إليه الداعية الإنجيلى «لانس والناو» عندما قال لشبكة الإذاعة المسيحية إن الله تحدث إليه مباشرة ليخبره أن «الرئيس الخامس والأربعين هو قورش».
ووفقاً لـ«فيا» تسمح هذه الرواية للإنجيليين بالاستفادة من شخصية «الرجل القوى» فى «ترامب» وقدرته على الحصول على الأصوات، متعللين بأنهم يدعمونه كمرشح مبارك من الله.. المرشح الرئاسى «تيد كروز» قد يكون فى البداية «مرشحاً أكثر نقاء»، ولكن عندما أصبح من الواضح أن أداء «ترامب» أفضل فى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهورى، قرروا صرف النظر عن «كروز» ودعم ترامب.
خبيرة الروايات الإنجيلية الأمريكية بجامعة أكسفورد «أنبارا خاليدى» قالت أيضاً لموقع «vox» إن الربط بين «ترامب» و«قورش» اكتسب زخماً فى السنوات الأخيرة، خاصة بين أولئك الذين «أدركوا نفعه السياسى». مضيفة: «يبدو أن هناك من شجع ترامب على استغلال هذه المقارنة للتودد للناخبين الإنجيليين، وقراره بنقل السفارة إلى القدس استجابة مقصودة لدعم هذه المقارنة».
ويقول «فيا» إن الأمريكان الأوائل كانوا يعتبرون أمريكا أرض معاد أخرى للمسيحيين على غرار إسرائيل فى العهد القديم. وكان بعض المستوطنين الأوائل يستخدمون تعبيرات إنجيلية للتأكيد على أن المستعمرات الأمريكية الجديدة ستكون نموذجاً للحياة المسيحية.. وكان الإنجيليون يرون المسألة على النحو التالى: «أمريكا هى بلد الحرية. الله يحب الحرية. لذلك فإن الله فى عون الولايات المتحدة». هذا الإحساس بأن الله قد «اختار» أمريكا كشعب خاص، وأن الله يستخدم الشخصيات السياسية الأمريكية كأدوات لتحقيق مشيئته، متجذر بعمق لدى بعض الأمريكان.
ويقول «صامويل جولدمان»، أستاذ مساعد للعلوم السياسية مدير معهد «لوب للحرية الدينية» فى جامعة جورج واشنطن ومؤلف كتاب «بلد الله.. المسيحية الصهيونية فى أمريكا»، إن تشجيع الرؤساء الأمريكان على ارتداء عباءة «قورش» تقليد أمريكى قديم، ففى عام 1891 ذهب الواعظ «ويليام يوجين بلاكستون» للبيت الأبيض ليقدم إلى الرئيس «بنيامين هاريسون» عريضة، دعاه فيها إلى استخدام نفوذه لانتزاع فلسطين من الإمبراطورية العثمانية لتكون وطناً لليهود. وقّع على العريضة 413 شخصية بارزة، منها الرئيس اللاحق للولايات المتحدة «وليام ماكينلى»، والملياردير «جون روكفلر» ورجل البنوك الشهير «جى بى مورجان». الرسالة تضمنت فى صفحتها الأولى تشبيه الرئيس بقورش، وأشارت إلى أن أمام الرئيس «فرصة مميزة ليكون راعياً للشعب اليهودى». وبسبب هذه العريضة أطلق بعض الصهاينة على «بلاكستون»: «الأب الحقيقى للصهيونية».
{long_qoute_2}
لم يكن «هاريسون» الرئيس الأول الذى تخيل نفسه، أو شجعه آخرون، أن يكون خليفة لقورش، ففى سبعينات القرن التاسع عشر، دعا القس «ديفيد أوستن» إلى أن تساهم الولايات المتحدة بقيادة الرئيس «جون آدامز» فى مساعدة يهود العالم فى العودة إلى فلسطين. واشترى هذا القس المتحمس سفناً ومستودعات لهذا الغرض. وكتب «إلياس بودينوت»، أحد مساعدى الرئيس «جورج واشنطن»، عدة كتب تحث الجمهورية الجديدة على أن تكون راعية لليهود ومساعدتهم فى عودتهم إلى الأرض التى وعد الله بها إبراهيم. وفى كتاب نُشر فى عام 1816، كتب «بودينوت»: «من يعلم، ربما أقام الله الولايات المتحدة فى هذه الأيام الأخيرة من الزمن لغرض تحقيق إرادته فى إعادة شعبه المحبوب إلى أرضه». وعندما تم تصوير الرئيس السابق «هارى ترومان» فى عام 1953 كرجل يساعد فى تأسيس دولة إسرائيل، قال: «ماذا تقصدون، ساعدت فى خلق إسرائيل؟ أنا قورش!».
ويعتقد مدير معهد لوب للحرية الدينية فى جامعة «جورج واشنطن» أن هناك أسباباً أخرى لهوس الأمريكان بمصير اليهود، حتى قبل عقود من تأسيس الحركة الصهيونية الدولية. أحد هذه الأسباب أن الأمريكان يعيشون فى مجتمع غارق فى الكتاب المقدس. ويؤكد العديد من المؤرخين على أهمية مصادر فكرية لاتينية ورومانية مختلفة للجمهورية الأمريكية مثل كتابات الفيلسوف والسياسى الرومانى «سيشرون». لكن القليل من الأمريكيين يمكنه قراءة اللاتينية أو الاطلاع على التاريخ الرومانى، أما الكتاب المقدس فهو متاح حتى لغير القادرين على قراءة الإنجليزية. ويتابع فى مقال نشره فى صحيفة «نيويورك تايمز» فى 8 مارس الماضى: هناك سبب أعمق، وهو الرغبة فى وضع الولايات المتحدة فيما يمكن تسميته «التاريخ المقدس» - قصة العهد القديم عن الخلق والفساد والفداء. منذ نشأة أمريكا، أراد بعض الأمريكان الأوائل الربط القسرى بين كفاحهم لتأسيس بلدهم وشعب إسرائيل فى العهد القديم، واعتقد بعض الأمريكيين أنهم هم أنفسهم بديلون لإسرائيل التوراتية، لكن لأن الكتاب المقدس يدور حول دولة إسرائيل ولا يذكر العالم الجديد فقد فضّل آخرون أن يلعبوا دور «قورش» الذى ساعد اليهود. وفى ثقافة سياسية شكّلها الكتاب المقدس، كان من الطبيعى فى كثير من الأحيان، والكلام ما زال لـ«جولدمان»، أن يدعم الأمريكان إعادة توحيد الشعب والأرض التى رآها العديد منهم نموذجاً لتاريخهم.
قناعات الإنجيليين لا تعبّر عن باقى الطوائف المسيحية، فموقف الكنيسة الأرثوذكسية معروف منذ عشرات السنوات، ويمكن تلخيصه فى عبارة موجزة قالها قداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية بعد اعتلائه كرسى البطريركية فى محاضرة فى نقابة الصحفيين بعنوان: المسيحية وإسرائيل، بتاريخ 5 ديسمبر لعام 1971، وتم طبعها لاحقاً فى كتاب: «إن فكرة شعب الله المختار كانت لفترة معينة ولغرض معين وانتهت، وإن إسرائيل الحالية ليست شعب الله المختار، وإن اليهود جاءوا إلى فلسطين بوعد من بلفور، وليس بوعد من الله». وفى مقابلة لقناة النيل الفضائية المصرية أذيعت يومَى 5 و6 مارس 2002، قال البابا شنودة رداً على سؤال: «هل هناك آيات فى الكتاب المقدس تؤكد أن اليهود سيعودون إلى وطنهم وإلى أورشليم؟»: «توجد آيات ولكن ليس المقصود بها الأيام الحاضرة، ولكن حدث ذلك عندما عبدوا الأصنام ووضعهم الرب تحت سبى بابل وآشور فى عهد نبوخذ نصر ورجعوا بعد 70 سنة من السبى... تم هذا قبل الميلاد بخمسة قرون، ونجد ذلك فى سفر عزرا ونحميا». ورداً على السؤال: هل هناك وعد إلهى بعودتهم وبدخولهم أورشليم قال: «لم يدخل اليهود إلى الأراضى المقدسة بوعد من الله بل بوعد من بلفور». وفى نفس الحوار شرح البابا الراحل أسباب منع الأقباط من زيارة القدس، ومنها أن الزيارة «تعنى تطبيع علاقات مع اليهود وتشجيع الاقتصاد اليهودى وسيتعرض أبناؤنا للإعلام اليهودى». وأوضح القس صليب متّى لـ«الوطن» أن نبوءات العهد القديم كانت تتعلق بمجىء المسيح وقد جاء المسيح وانتهى الأمر وتم الخلاص. وأضاف أن وصف اليهود بشعب الله المختار كان مرتبطاً بكونهم الشعب المؤمن الوحيد بالله فى عالم وثنى، أما الآن فلم يعد ذلك قائماً وانتهى دور العهد القديم بمجىء المسيح. الآن شعب الله المختار يشمل كل من يؤمن بالله.
الدكتور الأنبا يوحنا قلتة، المعاون البطريركى للأقباط الكاثوليك، يؤكد أن المسيحيين الأمريكان الداعمين لإسرائيل جزء من تيار «الصهيونية المسيحية» الذى ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، عندما أقنع اليهود بعض المسيحيين بأن المسيحية تتكامل مع اليهودية وترتبط بها. وتابع، فى تصريحات لـ«الوطن»، أن الموقف الدينى والسياسى للكنيسة الكاثوليكية من القدس واضح، إذ تدعم الكنيسة حل الدولتين والقدس الشرقية عاصمة للفلسطينيين، واستنكر «قلتة» الاستناد إلى نبوءات فى العهد القديم لأغراض سياسية، مؤكداً انتهاء دور العهد القديم بمجىء المسيح. وتابع: «الكتاب المقدس يعلمنا الإيمان بالله الواحد ويخطئ من يقحمه فى السياسة.. وترامب أخذ قراره استغلالاً لانشغال العرب بقضايا فرعية لا قيمة لها ومعارك بينية بدلاً من الدفاع عن مقدساتهم ومصالحهم الحقيقية».


قورش الكبير أول ملوك فارس