الشيخ عبدالمعبود الطنطاوى.. فيلسوف المداحين

كتب: أيمن عامر

الشيخ عبدالمعبود الطنطاوى.. فيلسوف المداحين

الشيخ عبدالمعبود الطنطاوى.. فيلسوف المداحين

لو أنك رأيته فى الشارع، أو حتى وسط أفراد فرقته، دون أن يمسك الميكروفون، فلربما لم تلتفت إليه ولا عرفت أنه المنشد المقصود «اللى عليه العين»، سيبدو لك رجلاً عادياً من سائر الناس، لا يميز نفسه بزىٍّ معين ولا هيئة خاصة.. مجرد جلباب عادى وطاقية مما يلبس مثلها الفلاحون فى الدلتا.

الشيخ عبدالمعبود الطنطاوى أو «الشيخ عبدالمعبود» وفقط، وكأنه «علَمٌ وحده» لا يحتاج إلى إضافات أو تعريف، فهو فى عالم الإنشاد ودنيا التصوف ذو قدم راسخة قوية، عمّر طويلاً وأخلص لفنه ومعتقده حتى صار يُعرف بمجرد ذكر اسمه، وحتى أصبح كثيرون من أهل الطريق يرون أنه أكثر من مجرد منشد أو مداح، ولو كان فناناً عظيماً، يرونه «ولياً» من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ومع هذا كله لم يحظَ الرجل بشهرة غيره مثل ياسين التهامى أو أحمد التونى أو أمين الدشناوى أو حتى الشيخ شرف التمادى.. ربما لأنه لم يكن حريصاً على ذلك.

فى حارة جانبية أو شارع صغير فى حدود ساحة الولى صاحب الفرح.. دون مسرح، وعلى كرسى خشبى عادى مثل كراسى المقاهى البلدية، يقف الشيخ بملامحه الريفية المميزة، ومن خلفه وحوله فرقته البسيطة: عازفا الناى والعود، وصاحب الرق، والطبال، ليس أكثر.. يبدأ إنشاده بمطلع محبَّب إلى قلبه للسيدة «أم كلثوم»:

«الحب كله حبيته فيك الحب كله

وزمانى كله أنا عشته ليك زمانى كله».

غير أن تنغيمات الشيخ وإشاراته وتعبيرات وجهه وجسده تسحب المقطع من دنيانا إلى عالم الحب الصوفى، فالحب كله خالص للذات الإلهية أو للحضرة المحمدية ولكل ولى من أهل الطريق.

الشيخ عبدالمعبود فى نظر محبيه هو حكيم الإنشاد وفيلسوف المداحين، قد يقطع المديح لتوضيح فكرة أو شرح لفتة أو تبيان حكمة. قال ذات مرة: «المحب ياخد اللى ينفعه، خد الجنيه من كوم السباخ، اسمع من شيخك لكن مش لازم تمشى وراه لو شفته بيعمل حاجة غلط». وربما لهذا يعتمد على الكلمات وعلى أدائه هو أكثر مما يعتمد على الموسيقى والإيقاع. قد يؤدى ليلة كاملة «على الهادى» بمجرد شعر موزون دون تدخل موسيقى إلا فى القليل النادر، وقد يدخل فى حوار مع أحد المجاذيب أو صاحب حال أو منشد آخر كـ«قول ورد» أو «فرش وغطا».

وهو سيد الارتجال بلا منازع، قد تسمع منه مقطعاً أكثر من مرة ولا تسمعه متطابقاً فى كل مرة، لا بد من إضافات وزيادات حسب الحال والمقام.

اسمع:

يا عالم بطلب العبد قبل ما يقول ياه

وسيدى أصله الكريم يعطى العبد ما تمناه

تعالى خُش الحمى ياللى دليلك تاه

واقف فى صفّ المبالى واسبح باسم الله

ماحدش ساب الدنيا وخد جنيه وياه

امشى فى طريقك عدل ما تنقدش حال عباد الله

ده اللى خلق العبد يعلم متقلبه ومثواه

ياما واحد قلبه مهرى وهدومه مدارياه.

رحم الله الشيخ عبدالمعبود الذى رحل عن عالمنا عام 2015.


مواضيع متعلقة