تفاصيل مأساة «مركب غرب» بالإسكندرية

كتب: أحمد ماجد

تفاصيل مأساة «مركب غرب» بالإسكندرية

تفاصيل مأساة «مركب غرب» بالإسكندرية

عاشوا يعانون كل يوم حياة صعبة تفتقد الأمان لهم ولأبنائهم، حاولوا مقاومة واقعهم، لعل أوطانهم تستقر، وتعود لاحتضانهم مجدداً.. لكن ما زالت تمر الأيام والحقيقة كما هى، فهم لا يستطيعون العيش فى أمان أو العمل أو الاطمئنان على أطفالهم حين يذهبون إلى المدارس، فصوت المدافع يحيط بهم فى كل مكان. لم يجدوا أمامهم سوى البحر، للتخلص من واقعهم الأليم، فسقطوا صيداً سهلاً فى يد سماسرة وعصابات الهجرة غير الشرعية.. «الوطن» فتحت ملف ضحايا الهجرة غير الشرعية بالإسكندرية، ورصدت بالأرقام ضحايا تلك الظاهرة خلال هذا العام، بعد أن أصبحت الهجرة غير الشرعية تمثل ظاهرة خطيرة، وتعددت البلاغات والاستغاثات التى تتلقاها أجهزة الأمن بشأن الغرقى والقتلى وضحايا تلك الجريمة المنظمة. ظنوا أنهم فروا من مجازر سوريا وأصوات القذائف وضجيج الحرب، لحياة اعتقدوا أنها ستكون أفضل لهم ولأولادهم، غير أن ظنهم لم يكن إلا ضرباً من خيال، حضروا أوراق السفر، وخططوا للمخاطرة، حلموا بالرفاهية والاستقرار فى أوروبا، ولكن أتت الرياح بما لا تشتهى السفن، حين تحطمت كل أحلامهم على أمواج البحر التى أطاحت بكل آمالهم، وحكمت عليهم بمصير ما زال مجهولا حتى الآن.[FirstQuote] فى العاشر من شهر أكتوبر الجارى استقل 128 شخصاً من من سوريا وفلسطين قاربا لا يزيد عن كونه قاربا للصيد، ليكون وسيلة عبورهم إلى الضفة الثانية من حياة النعيم، إلا أن المركب لم يتعد حدود المياه الإقليمية لغرب الإسكندرية، وأعلن الاستسلام للأمواج الهائجة والحمولة الزائدة، فانشق ليصبح كل من فيه فى مياه البحر يفكر فقط فى النجاة، فكانت محصلة رحلة الحلم، غرق 12 شخصا بينهم 3 أطفال، بينما قدر الله للباقين النجاة. سندس فارس، إحدى الناجيات السوريات، تحدثت لـ«الوطن» والحسرة تملأ عينيها الزائغتين، مشيرة إلى أنها نزحت لمصر فى الثالث من شهر أكتوبر الجارى، مع شقيقها وزوجها وطفليها ومجموعة من السوريين، عن طريق مطار القاهرة الدولى، للعمل فى القاهرة بعد أن ضاق بهم الحال فى سوريا، لعدم استقرار الوضع وما تشهده كل يوم من مجازر، فجاءت إلى القاهرة أملاً فى أن يجد زوجها وشقيقها عملا بأحد المطاعم السورية التى انتشرت بمصر فى الفترة الأخيرة، غير أنهم قابلوا أحد الأشخاص الذى عرف نفسه لهم باسم «أبو أحمد»، والذى أقنعهم أن بإمكانه تسفيرهم لإيطاليا عن طريق باخرة ضخمة، خصص فيها لكل أُسرة غرفة بها مجهزة، مقابل 3500 جنيه للفرد وبدون أموال للأطفال. وأضافت «سندس» أنهم فرحوا جداً، ورغم راحتهم فى الاستقرار بمصر، فإن إيطاليا كانت أفضل لهم بكثير. وأتت الساعة الموعودة التى أبلغ فيها المدعو «أبو أحمد» «سندس» وشقيقها وزوجها، أن ساعة السفر قد حانت وعليهم تحضير أغراضهم للانطلاق، فاتجهوا للمكان المقصود، وكان معهم أشخاص آخرون من سوريا وفلسطين، عرفوا أنهم سيسافرون معهم. وكانت المفاجأة الكبرى لهم، قوارب صيد صغيرة الحجم ورجال يهددونهم بالسلاح ويطلبون من النساء التجرد من ذهبهم، ودفعهم للمراكب، فقالت «سندس»: عند مشاهدة ذلك تدافعنا حتى أن طفلى وقع منى أرضاً، وركبت الزورق الصغير، وتمت تغطيتنا بغطاء حتى لا نظهر. وبعد قليل بدأ القارب فى «التفسخ» وتحطمت أجزاء منه بسبب زيادة الحمولة بشكل كبير، فاتصل الشخصان المكلفان بالقيادة بالمدعو «أبو أحمد»، الذى أمرهما بترك السفينة والرجوع، وترك من عليها، وفجأة وجدنا أنفسنا فى البحر، ممسكين بخشب السفينة لمدة 3 ساعات، إلى أن جاءت سفينتا صيد، وتم انتشالنا، إلا أن البعض كانوا قد غرقوا أمام أعيننا. بينما قالت «أم تيّم» التى نزحت لمصر منذ 5 أشهر هى وزوجها وطفلها البالغ من العمر عاما، إنها جاءت لمصر بعد أن فقد زوجها عمله فى دمشق بسوريا، وتابعت: «وصلنا إلى مصر منذ 5 أشهر، كان زوجى قد وصل قبلنا بشهر حتى يرتب الوضع لنا، فاستلم عمله بأحد المطاعم السورية بالجيزة، ووفر سكنا بمنطقة فيصل، غير أن صاحب المطعم أغلقه بعد 3 أشهر من استقرارنا بمصر، بسبب ارتفاع أسعار الإيجارات، فاضطررنا للذهاب للإسكندرية والاستقرار عند أقاربنا بمنطقة العجمى، حتى يجد زوجى عملا آخر». وأضافت: «زوجى لم يجد عملا طوال فترة شهرين، عرض عليه خلالهما أحد أقاربنا فكرة السفر للسويد عن طريق أحد الأشخاص، فوافق زوجى بعد أن وجد الوضع أصبح صعبا فى مصر. وأكدت أن أحد أقاربهم أبلغهم بأن السفر سيكون بالطريقة الشرعية، بباخرة ضخمة بها جميع الإمكانيات وسبل الراحة، وأن العائلة كلها ستسافر، وحان ميعاد السفر، حيث توجهوا لشاطئ وجدوا به عددا كبيرا من السوريين للسفر معهم. وتابعت: «فجأة وجدنا أشخاصا يحملون السلاح يطلبون أن نتجرد من الذهب والموبايلات، وتم دفعنا لقوارب صغيرة جداً، وتغطية رؤوسنا بغطاء أزرق، وكأننا أسرى حرب هاربون، لم يكن هناك وقت للاعتراض ومر الوضع سريعاً وكأنها ثانية من الزمن، ثم انتقلنا لقارب أكبر قليلاً، ركب فيه 128 فردا وهو لا يتحمل سوى 50 على أقصى تقدير. وقالت وهى ترتجف: «بدأت المياه فى التسرب للقارب، ولم تمر لحظات حتى انشق القارب وكنا فى مياه البحر، أمسكت بابنى الذى فقد الوعى حتى حسبته مات غرقاً، وظللت أدعو الله وأتوسل إليه أن ينقذنا مما نحن فيه، فظهرت سفينة صيد أنقذتنا وتم تحويلنا للقواعد البحرية المصرية، ومن ثم لقسم الدخيلة».